يعزى تأخر الكتابة العربية عن مثيلتها الغربية إلى غياب النقد. وعن غياب النقد يمكن أن نفتح محاور وندوات قد لا تنتهي بتلك السهولة، لأن النقد حاضر بشكله، غائب بفعله.

ولتوضيح ذلك نقول ان عشرات بل مئات الكتب النقدية تتكدس على أرفف المكتبات ولكن معظمها كتب أكاديمية المنهج تكرر ذاتها أو تعيد إنتاج مصطلحات مدرسية.

ما فائدة النقد إذا لم يكن دافعاً للتغيير، دليلاً إلى الأخطاء. وعلينا ـ من باب النقد الذاتي ـ الاعتراف، ان ما يصل إلى الملحق من كتب تصب في هذا الاتجاه، ومعظمها مصدره من مؤسسات تعليمية أو أكاديمية مما يصنفها في خانة الكتاب المدرسي التعليمي، وكثيراً ما لا تجد تلك الكتب طريقها للعرض!

إن إعطاء الأولوية للكتب الجيدة يعني إلغاء المحسوبيات وإسقاط اصطفافات الفكر والانتصار لما هو جدي وحقيقي وجديد، ويعني ان عشرات غيرها ـ وهذا رقم كبير ـ لن تجد طريقها إلى العرض، لذلك ننتصر ـ قناعة ـ للكتاب الجيد ونعطيه من الأهمية والمساحة ما يستحقها.

لقد ازدهرت في الآونة الأخيرة موضة الكتابات الانطباعية عن النصوص الأدبية أو اللوحات التشكيلية أو العروض المسرحية والسينمائية وجلها انطباعات من واقع الحال .

حيث يقول الكاتب ما شاهده أو قرأه بشكل فني ويرصه في قوالب متناغمة ويطرحه على أساس انه نقد، ومن تلك الأمثلة التي تتناسب مع الكتابة عن اللوحات التشكيلية نورد الآتي: «الخطوط الواهية المترامية في عمق البعد اللوني تلتقط انصهارات حارة للمزيج الساحر الذي يبدو طفيفا وخجولاً بين انحناءات وانكسارات المعنى البعيد للفكرة».

هذه أمثولة بسيطة عن التشكيل ولو التفتنا إلى الشعر لكانت الحالة أكثر تعقيداً وإساءة لمفهوم النقد، لكن الإساءة الكبرى أن يتحول كتاب الانطباعات إلى نقاد ويطرحون في هذا الحقل كتباً وأحيانا ترعاها مؤسسات .

ومن ثم يذهبون إلى مؤتمرات وحلقات نقاش وورش عمل فتجدهم يثرثرون فيها وكأنهم في مقهى لتتحول تلك الثرثرات إلى نصوص مطبوعة وموثقة بآلاف النسخات.

ما نعاني منه فعلياً هو غياب الكتاب النقدي الذي يمتلك مصداقية في الطرح وتطبيقية في الفهم، على شاكلة هذا هو النص و هذا ما يقابله من نقد علمي منهجي جديد، لا إعادة واجترار أو تكرار فيه.

بحثاً عن تلك الصيغة سيطول انتظار المكتبة العربية في ظل الاستهلاك والإيقاع السريع لعصر يسابق الريح ليترك بصمته على التاريخ، ونحن إذ نفتقد هذه النوعية من الكتب ترانا لا نجازف بعرض كتب لا قيمة فكرية فيها وخالية من البعد الإضافي، ولا نميل إلى المحاباة وتطيّب الخواطر في مسألة كهذه، لأن سياستنا منذ البداية كانت الموضوعية شعاراً والمصداقية عملاً والكتاب الجديد دائماً وأبداً.