مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور سلفاتور بيزارو أستاذ اللغات الرومانسية أي المشتقة عن اللاتينية في جامعة كولورادو. كما أنه يدرس في الجامعة نفسها آداب أميركا اللاتينية. وهو هنا يقدم لنا قاموساً ضخماً عن بلد واحد من بلدان أميركا اللاتينية:
تشيلي. ومعلوم أن هذا البلد شغل العالم منذ الانقلاب الفاشي الشهير على سلفادور الليندي عام 1973 ومقتله في قصره الرئاسي وحتى انتصار تياره على يد أول رئيسة للبلاد: ميشيل باشليه. حقا لقد طوت تشيلي صفحة ذلك الديكتاتور الدموي بينوشيه الذي أصبح الآن مريضا عقليا أو مصابا بفقدان الذاكرة. وعلى أية حال فإن التاريخ حكم عليه باللعنة الأبدية للشعب التشيلي. ثم يقدم المؤلف لمحة تاريخية عامة عن هذا البلد الذي يقع في أقصى جنوب أميركا اللاتينية ويقول: إن جمهورية تشيلي تتقاسم الحدود مع بيرو في الشمال وكذلك بوليفيا والأرجنتين.
وعاصمة هذا البلد تحمل اسم سانتياغو. وكلمة تشيلي ذاتها تعني: حيث تنتهي الأرض!واللغة السائدة هناك هي الاسبانية، أي لغة المستعمر السابق. ولكن توجد لغات أو لهجات محلية لا تحظى بمرتبة اللغة الرسمية. وهي لغات الهنود الحمر السابقين: أي سكان البلاد الأصليين.
والواقع أنه عندما وصل الأسبان إلى تلك البلاد عام 1536 كانت تشيلي مسكونة من قبل العديد من قبائل الهنود الحمر. وقد حاول المكتشف الإسباني دييغو دو الماغارو أن يفتح تلك البلاد الواقعة في طرف العالم بحثا عن الغنى والثروة. ولكنه لم ينجح في مهمته تلك.
والبعض يعتقد أنه أول أوروبي يضع قدمه على الأرض تشيلية البعيدة جدا عن أوروبا. ولكنه لم يترك أي أثر على مروره. ثم وصل المستوطنون الأوائل بعده بفترة قصيرة: أي عام 1540 و1541. وكان على رأسهم الفاتح الاسباني بيدرو دونالدينيا. وهو الذي أسس مدينة سانتياغو التي أصبحت عاصمة تشيلي فيما بعد.
وفي أثناء تلك الفترة كانت تشيلي مرتبطة بمملكة بيرو التابعة لاسبانيا. وكان أول هم للأسبان هو أن يقضوا على قبائل الهنود الحمر التي تعيق سيطرتهم على البلاد وعلى أميركا اللاتينية عموما. وهكذا انخرطوا في حرب طويلة الأمد استمرت قرنين من الزمن.
ثم تأسست الدولة بعدئذ وتعاقبت عليها أنظمة الحكم حتى وصلنا إلى الستينات من القرن العشرين. وعندئذ غمرت البلاد موجة ثورية ماركسية لم تقتصر على تشيلي وحدها وإنما وصلت إلى كل أنحاء أميركا اللاتينية.
ولذلك فإن الحكومة التي يترأسها الديمقراطي المسيحي ادواردو فري مونتالفا ابتدأت سياسة الإصلاح الزراعي وتأميم مناجم النحاس التي كانت تملكها شركات الولايات المتحدة الأميركية.
ثم يردف المؤلف قائلا:
في عام 1970 أصبحت أوضاع البلاد مضطربة جدا نتيجة الاستقطاب السياسي الحاد بين اليسار واليمين، ونتيجة المناخ الثوري الماركسي الذي يهز البلاد والقارة كلها كما قلنا.
وعندما جرت الانتخابات الرئاسية حصل مرشح الوحدة الشعبية أي اليسار الماركسي سلفادور الليندي على 3 ,36 بالمئة من عدد الأصوات. وتقدم بذلك على مرشح اليمين المحافظ جورج اليساندري الذي حقق نسبة 35 بالمائة.
وأما مرشح الديمقراطيين المسيحيين رادوميرو توميك فحصل على نسبة 8 ,27 بالمائة. وكان الدستور ينص على أنه لا توجد إلا دورة انتخابية واحدة ومن يحصل على أكبر نسبة يصبح رئيسا بالضرورة. وعندئذ اتفاق الليندي مع مرشح الديمقراطيين المسيحيين على أن يصبح رئيسا للبلاد بشرط أن يحترم الحريات العامة ويتقيد بالدستور والشرعية.
ولكن الليندي الذي كان أول رئيس اشتراكي ينتخب بشكل ديمقراطي لم يكن يمتلك أغلبية في البرلمان تؤيد خططه ومشاريعه لإصلاح البلاد. ولذلك راح يحكم عن طريق المراسيم الرئاسية دون المرور بالبرلمان.
وهذا ما أزعج الولايات المتحدة كثيرا لأن الرأسمالية الأميركية كانت تملك مصالح كبيرة في تشيلي من خلال شركاتها. وفي ذات الوقت راحت البلاد تشهد حربا أهلية حقيقية بين الميليشيات العمالية الثورية من جهة، وبين العصابات الفاشية شبه العسكرية.
وعندئذ تدهورت الأحوال الاقتصادية للبلاد، ووصل الأمر إلى حد أن سيدات تشيلي نظمن مظاهرة الصحون الفارغة عام 1972 لكي يقلن للرئيس بأنه لم يعد لديهن شيء للطهو في المطبخ. وأصبحت المجاعة على الأبواب.
والواقع هو أن الرأسمالية المحلية والأميركية راحت تحاصر النظام وتضيق على الشعب الخناق لكي يثور عليه. وعندما أحس الليندي بالخطر عام 1973 صرح قائلا:
إذا لم نستطع تمرير الثورة بهدوء فسوف تمر عن طريق القوة! وفي 23 أغسطس ارتكب الرئيس الخطيئة القاتلة عندما عين الجنرال بينوشيه رئيسا للأركان. وعندئذ نظم كيسنغر عن طريق المخابرات المركزية الأميركية اتصالاته السرية مع الجنرال بينوشيه واتفقا على قلب نظام الحكم الذي يعلن ثوريته وماركسيته على رؤوس الأشهاد ويتحدى الولايات المتحدة الأميركية.
وهكذا هجمت قوات بينوشيه على القصر الرئاسي وقصفته لفترة طويلة قبل أن تقتحمه. وأشاعوا بأن الليندي انتحر عندما أدرك أنه خسر كل شيء. ولكن الأرجح أنه نحر ولم ينتحر.
وعندئذ سيطرت العصابة العسكرية الانقلابية على نظام الحكم ودخلت تشيلي في عهد بينوشيه الذي استمر مدة سبعة عشر عاما: أي حتى عام 1990. بعدئذ اضطر إلى التخلي عن منصبه لصالح رئيس ينتمي إلى التيار الديمقراطي المسيحي ويحظى بدعم جماعة الليندي. ولكنه حافظ على منصب قائد الجيش لمدة سبع سنوات أخرى لكي يضمن مستقبله.
ثم اضطر إلى التخلي عن هذا المنصب عام 1998. وعندئذ هاجر إلى لندن حيث اعتقلته السلطات البريطانية بناء على مذكرة توقيف صادرة عن محكمة اسبانية. ولكن مارغريت تاتشر رفضت تسليمه أو سجنه واكتفت بوضعه تحت نظام الإقامة الجبرية.
وفي عام 1999 انتخب رئيس جديد للبلاد هو ريكاردو لاغوس. وكان أول رئيس اشتراكي ينتخب منذ سقوط الليندي الذي تحول إلى أسطورة في وعي ملايين تشيليين وبخاصة اليساريين.
وعندما عاد الجنرال بينوشيه إلى تشيلي بعد سنتين تقريبا من ذلك التاريخ استقبله مئات الألوف من أنصاره في المطار. وهذا ما حماه في الواقع من ملاحقة العدالة له.
وفي عام 2004 رفعت عنه المحكمة الحصانة الدستورية من أجل محاكمته على الجرائم التي ارتكبها بحق المعارضين أثناء فترة حكمه. ولكن المحكمة تراجعت عن قرار إدانته في نهاية المطاف اما بسبب شيخوخته وإما بسبب مرضه العقلي المزعوم أو الحقيقي.
ولكن تشيلي طوت صفحة بينوشيه مؤخرا عندما انتخبت ابنة الجنرال الذي قتله عام 1974 رئيسة للجمهورية: ميشيل باشليه. ومعلوم أن والدها كان من كبار مؤيدي الليندي. وقد دفع حياته ثمنا لذلك. ولكنه انتقم الآن من خلال ابنته التي صعدت على عرش البلاد بكل تفوق واقتدار. وهكذا شهد بينوشيه انتصار غريمه الأكبر الليندي عليه حتى بعد موته بأكثر من ثلاثين عاما.
ثم يقدم المؤلف بعض المعطيات عن سكان تشيلي ويقول ما معناه: في آخر إحصاء جرى عام 2002 ثبت أن هذه البلاد تضم الآن خمسة عشر مليونا من البشر أو أكثر قليلا. ولكن معظم هؤلاء يسكنون المنطقة الوسطى من البلاد، لا الواقعة في أقصى الجنوب أو أقصى الشمال. وهي أكثر مناطق البلاد خصوبة ومؤاتاة للزراعة والإنتاج. فهي تضم 78 بالمائة من سكان البلاد.
ثم إن العاصمة سانتياغو وحدها تضم أربعين بالمائة من السكان أي ستة ملايين شخص. وهي واقعة في المنطقة الوسطى أو المركزية التي ذكرناها آنفا. وفيما يخص الانتماء الديني للسكان يبدو أن سبعين بالمائة من تشيليين هم مسيحيون وتابعون للمذهب الكاثوليكي، أي مذهب الفاتيكان وبابا روما.
وهناك 15 بالمائة من أبناء المذهب البروتستانتي المعادي تاريخيا للمذهب الكاثوليكي. وهناك عشرة بالمائة من الملاحدة والادريين أو الذين لا دين لهم. وأما الخمسة بالمائة المتبقون فيتوزعون على المذهب الأرثوذكسي والدين اليهودي والدين الإسلامي. وهذا يعني أن عدد المسلمين ضعيف جدا هناك وربما لا يتجاوز الواحد بالمئة.
* الكتاب: القاموس التاريخي لتشيلي
* الناشر: سكيركراو بريس
نيويورك 2005
* الصفحات: 960 صفحة من القطع الكبير
Historical dictionary of Chile
Salvatore Bizzaro
Scarecrow Press - New York 2005
p. 960

