هذا الكتاب الجديد من تأليف الباحث المغربي عمي كبير. وهو من مواليد مدينة تازة في المغرب. وقد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها: على خطى القديس أغسطينوس، ثم ذكرى الحلاج الشهيد الصوفي للإسلام.

وفي هذا الكتاب الجديد يتناول المؤلف قصة تلك الشخصية الرائعة: عبد القادر الجزائري. وهو مؤسس الشعور القومي للشعب الجزائري والمناضل الكبير ضد الاستعمار، والعالم المسلم الصوفي الفيلسوف الذي لا يشق له غبار. ومعلوم أنه عاش نصف حياته في الجزائر قبل أن يسجن لبضع سنوات ثم يختار الهجرة إلى المشرق لكي يمضي حياته كلها في دمشق حيث توفي عام 1883 عن عمر يناهز الخامسة والسبعين. ومنذ البداية يقول المؤلف إن والد عبد القادر وكان اسمه محيي الدين رباه تربية إسلامية وصوفية وفلسفية منذ نعومة أظفاره.وكان يتوسم فيه الذكاء والعبقرية. ويبدو أن والده كان زعيم الطريقة الصوفية المدعوة بالطريقة الجيلانية نسبة إلى عبد القادر الجيلاني. ثم يردف المؤلف قائلا:

وقد سمي والده محيي الدين تيمنا بمحيي الدين بن عربي أحد كبار الصوفيين والفلاسفة في تاريخ الإسلام. وكان من عائلة أرستقراطية نبيلة وذات نسب شريف يصل إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم يردف المؤلف قائلا: وكان يمكن لعبد القادر أن يمضي كل حياته في التعبد والتهجد ودراسة العلم الديني والدنيوي لولا أن الفرنسيين غزوا الجزائر واضطروه إلى حمل السلاح.

ومعلوم أن والده جمع رؤساء العشائر والقبائل المحيطة بهم وقال لهم: أنا كبير في السن، وهذا ولدي عبد القادر يتكفل بالجهاد وقيادته وينوب عني. فما رأيكم؟ فوافقوا جميعا بعد فترة تردد ونقاش لم يدم طويلا.

وهكذا وجد عبد القادر نفسه على رأس الجهاد الجزائري ضد الاستعمار وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين بعد. وقبل بالمهمة التي أوكلت إليه تلبية لنداء الوالد والواجب. وما كان أحد يتوقع له كل هذا المجد العسكري والبطولات في ساح الوغى لأنه كان ميالا إلى انطواء والعزلة والدراسة والعبادة.

ولكنه بعد أن في انخرط المعارك أصبح شخصا آخر. وكشف عن مقدراته في قيادة المعارك والرجال. واستطاع أن يقف في درجة دولة عظمى كفرنسا لمدة خمسة عشر عاما متواصلة. وقد هزمها أكثر من مرة في ساح الوغى قبل أن يستسلم أخيرا بعد أن وضعت كل إمكانياتها في الميزان.

ولكنه لم يغدر أبدا بجنودها عندما كان يأسرهم بل كان يعاملهم معاملة إنسانية طيبة. وكشف عبد القادر عن خصائصه النبيلة حتى وهو يخوض الحروب. فقد كان يحترم الخصم ويتقيد بقوانين الحروب.

ولكن عندما شعر أن المواجهة أصبحت غير متكافئة على الإطلاق وأنه يضحي بجنوده بشكل مجاني ومن دون أي نتيجة قبل بالتفاوض مع الفرنسيين.

فأعطوه الأمان له ولجنوده إذا ما توقف عن حرب ضدهم. وقالوا له بأنه يستطيع أن يذهب إلى المنفى في الشرق العربي الإسلامي ويختار البلد الذي يريده. نقول ذلك وبخاصة أنه قرر ترك بلاده لأنه لا يستطيع أن يعيش فيها وهي محتلة.وقرر السفر إلى دمشق، إلى المدينة العريقة التي سافر إليها قبله سيده في الدين والتصوف والعلم: محيي الدين بن عربي.

ولكنه ما كان يتخيل أن الفرنسيين سيغدرون به بعد أن أعطوه الأمان والاطمئنان. فالواقع أنهم نكثوا بوعودهم وبدلا من أن تسافر سفينته مباشرة باتجاه المشرق العربي إذا بها تنعطف فجأة في وسط البحر وتذهب باتجاه طولون والشواطئ الفرنسية.

وعندئذ تبخرت كل آماله وعرف أنه وقع في الفخ هو وعائلته وصحبه الميامين الذين رافقوه إلى المنفى. وكانوا يتجاوزون المائتي شخص. والواقع أن الفرنسيين كانوا يخشون أنهم إذا ما تركوه يذهب إلى سوريا أن يواصل النضال ضدهم عن بعد ومن هناك.

ولذلك قرروا سجنه لفترة من الزمن قبل أن يطلقوا سراحه. وفي أثناء الأسر تنقل من سجن إلى سجن داخل فرنسا وماتت زوجته وبعض أفراد عائلته وأصحابه. ومع ذلك فقد صبر وصابر وتفرغ للصلاة والعبادة والدراسة والمطالعة.

ثم بعد أربع أو خمس سنوات استجاب الفرنسيون أخيرا لمطلبه وقبلوا بأن يذهب إلى البلد الذي يحبه: سوريا، وبالتحديد إلى عاصمتها دمشق الشام. وهناك استقبله السوريون بالزغاريد والاحتفالات بصفته قائدا للثورة الجزائرية وأحد الأبطال المعدودين الذين وقفوا في وجه أكبر قوة استعمارية في ذلك الزمان بعد انجلترا.

وعندما حصلت الحرب الطائفية في سوريا ولبنان ما بين المسلمين والمسيحيين كشف عبد القادر الجزائري عن معدنه الأصيل وعن تسامحه الديني حتى مع أعدائه السابقين.وبرهن على أن الدين الإسلامي هو دين محبة وتسامح وغفران ورحمة ورضوان. وأخذ تحت حمايته حتى قنصل فرنسا في دمشق وكان يرتعد خوفا من العامة التي هجمت على قصره وأرادت قتله. ولولا تدخل الأمير عبد القادر لمزقوه إربا إربا.

فعندما عرف الأمير بأن القنصل محاصر وأصبح خائفا على حياته خرج من بيته وتوجه نحو القنصلية الفرنسية. ثم اخترق الحشود الهائجة التي تحيط بالمكان وقال للقنصل: اخرج معي، اتبعني. وعلى أية حال فإن القنصل ما كان سيخسر شيئا إذا تبعه وتعرض لمكروه لأن الجمهور المحتشد من المسلمين كان سيقتله في كل الأحوال.

ولذلك تبعه القنصل في نهاية المطاف وذهب معه إلى بيته. وهكذا أنقذ روحه من موت محقق. ولم ينقذ الأمير عبد القادر قنصل فرنسا وعائلته فقط وإنما أنقذ أيضا قناصل الدول المسيحية الأخرى كإيطاليا وسواها.

ثم أنقذ بشكل خاص المسيحيين العرب، سكان باب توما وسواهم في مدينة دمشق العريقة. وكانوا بالآلاف. لقد أرسل رجاله إليهم وأعطاهم الأمان وقال لهم: والله لا يحصل لكم سوء وأنا موجود هنا.ولم يصدق المسيحيون العرب أن هذا الرجل الجزائري المطرود من بلده هو الذي سينقذهم من جحيم الحرب الأهلية والطائفية. يقول المؤلف عمي كبير ما معناه:

المشهد يحصل في دمشق عاصمة سوريا بالقرب من باب توما أو في الحي المسيحي تحديدا. كان ذلك عام 1860. عندئذ راح الأطفال يرسمون إشارة الصليب على الجدران أو على الأرض، أو على أبواب البيوت ثم يرسخونها ويصرخون قائلين: الموت للمسيحيين !

ثم سار الكبار على خطاهم وراحوا يهجمون على الحي قائلين بأن لحظة الانتقام من المسيحيين قد أزفت. ثم قالوا بأعلى صوتهم: هذه أرض الإسلام ولا يمكن لأي شخص آخر أن يدنسها إذا كان ينتمي إلى دين سواه.

وقد اعتقد المسلمون أن عبد القادر الجزائري سوف يتبعهم على هذا النهج. ولذلك ذهبوا إليه في الجامع حيث كان يخطب في المصلين. وقالوا له: لقد حانت لحظة الانتقام من أعداء الله.

كانوا يعتقدون أن عبد القادر سوف يتبعهم في هذا السلوك بدون تردد. ألم يعان من المسيحيين الشدائد والمرارات في بلاده؟ ألم يطردوه منها؟ فلماذا لا ينتقم من أبناء دينهم هنا في سوريا؟

ولكنه قال لهم بكل وضوح: لا علاقة للمسيحيين العرب بما تفعله المسيحية الأوروبية من استعمار لبلاد العرب والمسلمين. هاتان حالتان مختلفتان تماما. والقرآن الكريم قال لنا: ولا تزر وازرة وزر أخرى.وبالتالي فكيف يمكن أن ننتقم من أناس أبرياء لا علاقة لهم بالموضوع؟ بأي حق نفعل ذلك؟

ثم ذهب عبد القادر إلى بيت المفتي في دمشق لكي ينبهه إلى خطورة الأمر من أجل أن يتدخل شخصيا ويمنع المجازر الطائفية. ولكن المفتي الذي كان متواطئا مع المتمردين بالاتفاق مع الحاكم التركي لم يرد عليه، بل ولم يستقبله متظاهرا بأنه نائم أو مريض.

* الكتاب:عبد القادر الجزائري

* الناشر:مطبعة النهضة ـ باريس 2005

* الصفحات: 183صفحة من القطع المتوسط

Abdelkader

Kebir M. Ammi

Presses de la Renaissance Paris 2005

P.183