في إطار المرحلة الأدبية المندرجة تحت مسمى ما بعد الحداثة، نجد أنفسنا كقراء في حيرة من كيفية التواصل مع هذا النوع من الأدب، فإما أن ننحى الكتاب جانبا، أو نواصل قراءته من دون الوصول إلى أية نتيجة.
ولكن ما يمكن أن يساعد القاريء في هذا المنحى هو فهمه لأسلوب ما بعد الحداثة بصورة عامة مما يساعده في إعداد نفسه لقراءة مختلفة اعتمادا على البنية الجديدة لهذا الأدب.
وبالعودة إلى التاريخ، نجد أن الأدب مرّ بمراحل عدة لكل منها فكرها وهويتها، فالمرحلة الأدبية التي تلت الحرب العالمية الثانية سميت بالحداثة، أو الأدب الحديث، والتي هيأت بدورها لمرحلة أدب ما بعد الحداثة.
ويمثل الأدب الحديث قفزة نوعية من واقعية القرن التاسع عشر، حيث تم تناول القصة من خلال هدف أو فكرة معينة، وفيما يتعلق بالشخصيات فإن كلا من الحداثة .
وما بعد الحداثة ركزتا اهتمامهما على الموضوعية، والتحول من الواقعية الخارجية لاختبار معطيات الوعي الداخلي للذات. ويمكن تحديد بداية أدب ما بعد الحداثة مع بداية الحرب الباردة وحركة «حقوق المدنية الأميركية وغيرها من الحركات .
وبينما يرى الحداثيون مثل فرجينيا وولف وجيمس جويس في تفكيك البنية والتطرف في الموضوع، مثل وجودية الكارثة أو عقدة فرويد الداخلية، فإن ما بعد الحداثة تتجنب الكوارث. فالشخصيات المعذبة والمنعزلة على نمط شخصيات نوت هامسون وصاموئيل بيكيت وتي إس إليوت، تفسح المكان في أدب ما بعد الحداثة لتفكيك الوعي الذاتي.
وانعكاس شخصية السارد على الرواية. ويتم استعراض الشخصيات بصورة منفصلة سواء عن الكاتب أو القاريء لتكون جزءاً مكملا للحدث أو الموقف، من دون تحديد مسارها أو رؤيتها أو تفاعلها، أي مجرد كائن في مختبر الحياة.
ويعد مودي من الكتاب الذين تنتمي أعمالهم إلى أدب ما بعد الحداثة حيث لا يعرف القارئ في نهاية روايته «الروحانيون» مصير معظم الشخصيات التي كان لها دور في أحداث الرواية، حيث أتى الفصل الأخير من كتابه بمثابة افتتاحية لرواية جديدة.
وللاقتراب من عالم هذا الكاتب، اخترنا اللقاء الصحافي الذي أجراه معه الكاتب روبرت برنباوم وهو مراسل الصحيفة الالكترونية الأسبوعية «مورنينغ نيوز». وحينما يتم الحوار بين كاتبين يتخذ اللقاء طابع الدردشة وتبادل الأفكار مما يثري معلومات القارئ.
* في روايتك «الروحانيون» كنت أفكر فيما ذكره كارل ماركس في دراسته «تبدو قضايا التاريخ في البداية كتراجيديا إلا أنها تصبح لاحقا مجرد أمور هزلية». وأتساءل عما إذا كنا بعد دخولنا القرن الواحد والعشرين ننظر إلى أحداث نهاية القرن العشرين على أنها مجرد مهزلة تاريخية؟
ـ هذه فكرة جيدة. وربما لا تبدو في البداية بهذا الوضوح لدى بعض القراء وأود هنا التأكيد أن عملي هو رواية تاريخية، تدور أحداثها في سنة 2000 وتتناول موضوع الانتخابات الرئاسية والفترة التي تلتها كموضوع نقدي ساخر.
بصورة عامة فإن كل شيء آخر يبدو مثل موسيقى البوب وبتعبير أوضح ثقافة البوب الكاريكاتيرية بحد ذاتها. ما الذي تقوله بشأن التلفاز؟ هل هو مهزلة.
* هل تعتقد أن المسؤولين عن اتخاذ القرارات بشأن الإبداع وتنفيذ الأفكار هم مثل شخوصك في «الروحانيون»؟
ـ نعم، وهذا جلي في العمل إلى حد ما. ومن الصعب إقناعهم بذلك. ربما أن بعض سردي المحمل بالغضب في كتابي نابع من دهشتي من صعوبة إقناعهم بذلك.
* ذكرت قبل قليل دور اللاوعي في التعامل مع هذه الحضارة المغتربة، وأنا أتساءل إن كان دورك هذا يشكل بصورة ما ،عبئا عليك؟ وكيف يمكن لك أن تعرف ذلك؟
ـ لست متأكدا من إدراكي لهذا الأمر. وسأكون مضللا إن لم أقل بأنني خال من الجروح. والصعوبة التي يواجهها الكاتب في عمله، تتمثل في ضرورة انفتاحه وشفافيته حينما يعمل، ومن ثم عليه أن يكون صلبا كالفولاذ حينما يذهب لنشر العمل. إنهما شعوران وحالتان نفسيتان مختلفتان، ولكن تلك هي كينونتنا في العالم.
* هل كنت تعرف موضوع القصة؟
ـ كان لدي مجموعة أفكار. وكنت أعرف من هي الشخصيات، وعزمت أمري على كتابتها على نمط مسلسل تلفزيوني. وهذا الافتراض المسبق بشأن تجزئة النص إلى حلقات جعلني أتعامل مع كل جزء بمفهوم القصة القصيرة. كنت أدرك بأنني سأكتشف المزيد عن هذا الموضوع من خلال استمراريتي في العمل.
إن الإطالة في السرد تبعث على الملل إن لم يكن المضمون مشوقا أو جيدا. وأذكر الفيلم السينمائي الطويل الذي شاهدته لأول مرة وكان «زوربا اليوناني» الذي تتجاوز مدته ثلاث ساعات. وحينما كان يسألني الناس، ألم يكن طويلا جدا؟ كنت أجيبهم، شعرت بالأسف حينما انتهى.
أوافقك على ذلك، فقبل كتابتي لتلك الرواية، مررت بتجربة قراءة رائعة، من النوع الذي تذكره دائما وأبدا. فأنا وأخيرا قرأت «الجبل السحري» لتوماس مان، الكتاب الذي فاتني خلال سنوات دراستي حيث كنت مشغولا بكل من رواية موبي ديك ويوليسيوس. أحببت الكتاب وكل ما فيه. هذا هو نوع الكتب التي أحب تجربة قراءتها.
* بالعودة إلى روايتك، هل لديك تجربة مع العاملين في صناعة الفيلم؟
ـ نعم، كان ذلك حينما حولت روايتي «عاصفة الصقيع» إلى فيلم سينمائي. وقد كلفت بعدها بكتابة سيناريو مقابل أجر، إلا أنني لم أستمتع بهذا العمل.
* هذا يعني أنك أمضيت وقتا في هوليوود؟
ـ لا كنت أتبع أسلوب همنغواي، كان الاتصال بهم من خلال الهاتف. ولم أذهب إليها مطلقا.
* هل كانت روايتك «الروحانيون» كما أردتها؟ وهل أنت راض عنها؟
ـ أولا، أنا أريد دوما أن أجرب شيئا جديدا. وثانيا، أنا أنظر دوما إلى الوراء وأقول لنفسي «لقد فعلت أقصى ما بوسعي». نعم، أحببت هذا العمل.
* هل تنفر من أي عمل لك؟
ـ نعم، «عاصفة الصقيع» بالتحديد، أعتقد بأن فيها روح التلمذة
* هل أحببتها حينما كتبتها؟
ـ قدمت أفضل ما عندي. كنت خلال اشتغالي عليها أتعلم كيفية كتابة الرواية. وحينما نشرت بعدها «ولاية الحديقة» لم أكن أملك ثقة كبيرة للتعامل مع القصة بحرية أوسع. وأحببت أعمالي التي تلت هاتين التجربتين بصورة أفضل. وأنا من النوع الذي يفكر دوما في المرحلة التالية.
* استناداً إلى ذلك، هل كانت أفكارك تنحصر في إطار العمل على روايتك الأخيرة، أم أنك كنت قادرا على العمل على مواضيع أخرى في الوقت ذاته؟
ـ أنا أفكر في الأشياء الأخرى فقط (يضحك). الأمر المدهش أنني أستطيع إجراء مقابلة في مثل تلك الظروف. من المهم جدا أن يشغل ذهن الكاتب قضايا أخرى خلال عمله على كتابه. كنت خلالها أيضا أنهي رواية قصيرة إلى جانب قراءتي لبعض أعمال الطلبة وآخرين.
ريك مودي في سطور
* تخرج ريك مودي الذي يعيش في نيويورك، من جامعة براون ويدرس فن الكتابة ويعزف على الغيتار مع فرقة موسيقية. ويكتب عادة ما يقارب من أربع ساعات يوميا وهو جالس على سريره والكمبيوتر المحمول مركون على الوسادة قبالته. كما يقدم برنامجاً إذاعياً موسيقياً.
* حازت روايته الأولى «ولاية الحديقة» في عام 1991 على جائزة دار نشر بوشارت. أما روايته الشهيرة «عاصفة الصقيع» ونشرت عام 1994 فقد حولت إلى فيلم سينمائي بعد ثلاثة أعوام. وقد فازت مجموعة قصصه القصيرة «خاتم ألمع ملائكة الفردوس» ونشرت عام 1995 وحاز على جائزة اغا خان من باريس ريفيو. كما ترجمت أعماله لما يزيد على عشرين لغة.
* وفي عام 1998 حاز على جائزة ميتكالف من الأكاديمية الأميركية للفنون والأدب، كما حاز على زمالة كاكينهام عام 2000. وهو سكرتير مركز بين الأميركي، وعضو مؤسس في جائزة يونغ لايون بوك في المكتبة العامة لنيويورك.
* بالمجمل فقد نشر منذ عام 1992 أربع روايات، وكتاب مذكرات، ومجموعتين من القصص القصيرة، وعدد كبير من المقالات تشمل عروضا للكتب. وفاز بست جوائز، واختير ضمن مجموعة أفضل القصص القصيرة الأميركية عام 2001، وأفضل المقالات لعام .
- رشا المالح
