بشارة منسّى مفكر تنويري من لبنان، له العديد من الكتب والدراسات باللغتين العربية والفرنسية منها: (لبنان في مهب الريح) بيروت 1991م، (الطائف والطوائف) بيروت 1994م، (الدستور اللبناني) 1998م، (رسائل إلى العروبة) 1995م وغيرها من الدراسات.
وفي كتابه الجديد (العروبة حاضرنا ومستقبلنا) الصادر حديثاً عن دار رياض الريس للكتب والنشر ببيروت، يتناول فيه المشاكل البنيوية في المجتمع العربي وواقع العرب اليوم قياساً إلى تجارب الشعوب وأنظمتها المعاصرة الحديثة، وواقع الإعلام العربي في القرن الواحد والعشرين، متصدياً لمشاكل العراق ولبنان وسوريا، وصراع الحضارات والمشروع الأميركي، ودور الأديان كعنصر مؤسس في نشوء الحضارات، وخطورة السلفيات والإرهاب على مستقبل العرب.
مؤكداً أن التطور الذي حصل في وسائل الإعلام أوائل هذا القرن يحمل في طياته بذور مفهوم جديد العروبة ومقتضياتها، فالمحطات الفضائية العربية ثم الصحافة العربية التي تنقل مضامينها عبر هذه المحطات الفضائية والإنترنت، وحّدت بين المشاعر والقلوب في العالم العربي بأسره وإن لم توحد الأنظمة.
مشيراً في الوقت نفسه إلى أن هبة الرأي العام اللبناني ثم العربي بواسطة الفضائيات هو الذي أسس لما تلاه من قرارات دولية حازمة قادتها الولايات المتحدة وفرنسا، فأدت إلى فك الارتباط العضوي بين الجهازين الأمنيين وبالتالي الدولتين: حاكم لبنان المقيم في قصر المهاجرين في دمشق وقائم مقام لبنان المقيم في قصر بعبدا قرب بيروت.. على حد وصف الباحث منسّى.
فقد كانت العلاقة السورية ـ اللبنانية موضع انتقاد في أوساط عربية وعالمية متعددة، من غير أن يؤدي ذلك إلى مداخلات عربية أو خارجية رفيعة المستوى، علماً أن العديد من المثقفين والسياسيين والصحافيين وأصحاب الرأي، كمحمد حسنين هيكل مثلاً أبدوا اعتراضهم لهذه العلاقة بواسطة كتاباتهم.
ومداخلاتهم من غير أن تتخذ الأمور منحى مقلقاً لا للحاكمين في دمشق ولا للمحكومين في بيروت، في الوقت الذي استمرت سلطات دمشق تعتبر أن كل تدخل في هذه العلاقة «المميزة» بين البلدين تهديد لأمن سوريا أي ما تعتقده دمشق «الورقة» الرابحة في يدها ضمن المحافل الدولية للضغط أو للمقايضة.
وعن حرب العراق وتداعياتها في العالم العربي ولبنان يقولـ «بشارة منسّى» أن جميع الدلائل تشير إلى أن الحلم الذي دغدغ مخيلة بعض المحافظين الجدد بأن يكون نفط العراق البديل عن نفط السعودية بالإضافة إلى أحلام أخرى «ديمقراطية» قد انهار.. فقد كان بوسع العراق وفقاً للتقديرات الأميركية السابقة أن يحتل المرتبة الثانية بين الدول المصدرة للنفط للولايات المتحدة والغرب، وقد غيب الواقع كل هذه التكهنات.
ففي ظل الحالة الأمنية الراهنة المتردية السائدة حالياً يضخ العراق قرابة مليون ونصف برميل وكل التقديرات تشير إلى أن الوضع سيستمر على حاله في ظل الحالة الأمنية الراهنة وغير المستقرة في البلاد، وما بدا لأول وهلة انتصاراً سريعاً للجيش الأميركي في العراق، تحول إلى كابوس رهيب بقدر ما كانت ضحايا «المارينز» يزدادون عدداً كل يوم والفاتورة الحربية الأميركية تصل إلى /300/ مليار دولار متجاوزة بأضعاف تكاليف حرب فيتنام.
لهذا السبب يبرر الوزيران «هنري كيسنجر» و«جورج شولتز» في مقال مشترك لهما في «الواشنطن بوست» يناير 2005، حرب العراق ويسديان النصائح لجورج دبليو بوش للخروج منها من خلال النقاط التالية:
1ـ استمرار فقدان الأمن في العراق وقد يمتد إلى عشر سنوات وفق تقديرات بعض القادة العسكريين ومراكز الدراسات الأميركية.
2ـ الانسحاب من العراق أصبح من حيث المبدأ حتمياً، رغم تأكيد الرئيس بوش بأنه غير وارد نظراً لما يتضمنه من أخطار على أمن الولايات المتحدة بالذات.
3 ـ إستراتيجية الخروج المستندة إلى الأداء وليس إلى المهل الزمنية الزائفة، والتي تقيس التقدم حسب القدرة على التوصل إلى أجوبة إيجابية عن هذه الأسئلة في المستقبل المنظور.
بحيث يجب أن تضطلع الولايات المتحدة بجزء كبير من الجهود للتصدي للتمرد، في الوقت الذي يخلق الانتقال المبكر من العمليات القتالية إلى المهمات التدريبية، هوة تسمح للتمرد بأن يحشد إمكاناته، لكن مع زيادة عدد القوات العراقية وقدراتها، ومع تقدم عملية البناء السياسي بعد الانتخابات، ستبرز استراتيجية خروج الواقعية.
من جهة أخرى يتساءل المفكر اللبناني.. هل جورج بوش بريء من تهم الانحياز بلا تردد ضد كل ما هو فلسطيني أو عربي منذ تبوئه السلطة في واشنطن؟؟..
على اعتبار أن قصة بوش الفردية مقلقة للفلسطينيين والعرب، كما أن حجم الولايات المتحدة مربك للعديد من دول العالم في جميع القارات، حيث أن مصير العالم مرتبط بمصيرها وانتصارها في الحربين العالميتين الأولى والثانية ثم انهيار المعسكر الاشتراكي على يدها والتعاطي معها من غير التمعن في هذه الحقائق كالذي يمشي بلا ضوء في ظلام دامس.
وحول الالتباسات العقائدية يؤكد «بشارة منسّى» أن التماهي بين ما هو الدين وما هي الدنيا يؤدي دائماً إلى تكفير الآخر واستباحة دمه لأنه «عدو الله»، فالدولة الدينية هي دولة الحروب الدينية التي لا تستطيع أن تكون إلا المرجل الذي تغلي فيه الدعوات إلى هذه الحروب.
فكانت أوروبا المسيحية في القرون الوسطى، وأدى بها الأمر إلى «الحروب الصليبية» ثم إلى الحروب الدينية داخل أوروبا نفسها التي امتدت إلى نصف قرن على الأقل.
لهذا لا بد من النظر إلى ظاهرة الإرهاب ليس فقط لكونها ظاهرة مرضية تنوء تحت وطأة التخلف والسلفية الدينية، بل تشكل نوعاً من صرخة ضمير ضد أوجاع ومظالم في عالم متقدم يبدو وكأنه ألفها عند سواه.
وفي هذا الإطار يعتقد «إدوارد سعيد» أن سلفية المحافظين الجدد في عهد بوش الابن لا تقل سوءاً بمفاعيلها عن السلفيات الرائجة في عالمنا العربي والإسلامي، وله في هذا السياق مواقف جعلت الدوائر الصهيونية والمتعاونة معها تهمشه على الصعيد الجامعي والإعلامي كما فعلت مع «نعوم تشومسكي».
فقد رفض «سعيد» منطق الهيمنة الاستعمارية للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة وربط قضايا العرب المصيرية ـ فلسطين ـ بموضوع الاستعمار القديم والحديث، وتناول إشكالية إقفال باب الاجتهاد في الإسلام وتضامن مع علماء الفيلولوجية من حيث نشأة اللغات.
أنس الأموي
* الكتاب: العروبة حاضرنا ومستقبلنا
* الناشر: دار رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2006
* الصفحات: 148 صفحة من القطع المتوسط
