عرف رضوان الكاشف كمخرج سينمائي متميز أغنى تاريخ السينما المصرية خصوصاً والعربية عموماً بالأفلام المتميزة التي قدمها ونال عليها العديد من الجوائز، لكن ذلك لم يشغله عن البحث والقراءة في التراث الثقافي التنويري العربي، لاستحضار الأفكار التي قدمها عدد من رموز التنوير العربي في مرحلة ظهر فيها تطلع العرب إلى الحرية والتطور والنهوض.
ويعدّ عبد الله النديم واحدا من تلك الرموز المهمة التي أدركت في مرحلة مبكرة ضرورة تحقيق النهضة والتقدم، الأمر الذي جعل استعادة مفاهيم الحرية والعدالة في فكره يعبر عن شعور بالحاجة إليها بعد أن شهد مشروع النهضة فشلا ذريعاً أدى إلى البحث عن مشاريع جديدة كان العنف أهم مظاهرها الجديدة في حين يحاول عدد من الباحثين والمفكرين العرب البحث عن عناصر القوة في الذات العربية .
وكتاب رضوان الكاشف الحرية والعدالة في فكر عبدالله النديم محاولة للبحث عن عناصر القوة في كياننا للتواصل معها،حيث يعد النديم داعية كبيراً للحرية والعدالة وعارفا بقدر العلوم والمعارف ومفكرا وثائرا سياسيا، كما يقول الكاشف في مقدمة الكتاب.
في بداية الكتاب يورد الباحث مجموعة من الملاحظات حول منهجية البحث أولها أن الدراسة غير معنية بالتأريخ لحياة النديم وما تحاول دراسته هو فكر النديم السياسي والاجتماعي دون القيام بمقارنات بين فكره وأفكار غيره من المفكرين المعاصرين له وقد حددت الدراسة الأفكار العامة الموجهة لفكر النديم في أربع أفكار هي الوحدة والرأي العام والتنظيم والفاعلية الإنسانية والإصلاح والتقدم والتمدن العمراني.
وبعد أن يحدد معاني الأفكار يتحدث عن أهمية معنى الوحدة في تنظيم البنيان الفكري للنديم ودوره في فهم معاني الحرية والعدالة والوحدة عند النديم فهو يكشف عن الشروط الضرورية التي بتوافرها تتحقق الأركان الرئيسية لمفهوم الأمة بالمعنى الحديث.
ومن هذه العناصر وحدة النشاط الاقتصادي كشرط لخلق ثروة الممالك، وتحقيق الوحدة الوطنية والإصلاح السياسي وخلق رأي عام يدرك مصالح الوطن واحتياجات التقدم والتمدن والعمران.
ويتناول الباحث مفهوم الحرية في مقالاته التي نشرها في جريدتي «التنكيت» و«التبكيت» اللتين أسسهما بين الحرية المطلقة والحرية النسبية حيث يجد أن النديم يتعامل مع مفهوم الحرية من منظور أنها شكل يتعلق بالإنسان كجزء من كل وفرد في جماعة .
وكانت نقطة البدء عنده أن اللذة والغرض الذاتي يحكمان حياة الإنسان وفي تناوله للعلاقة بين الحرية والموضوعية يطالب بأن لا يكون الكلام تعبيرا عن الميول والرغبات والأهداف الذاتية وقد قصر صفة الحرية على الكلام المتعلق بالعلوم والصنائع والأخلاق وبذلك أخرج الأخلاق من دائرة الرغبات والمواصفات الاجتماعية والإنسانية.
وجعل لها وجودا مستقلا عن الإنسان، وللحرية عنده ركنان أولهما القدرة على الاختيار النابع من إرادة حرة وثانيهما التحرر من الأغراض التي تحكم الفكر وتطبعه بطابعها الخاص لكنه في الوقت نفسه يرى استحالة وجود الحرية المطلقة لأسباب تتعلق بالقانون وطبيعته فهي تنتفي مع وجود القانون الذي هو بالنسبة إليه تعبير عن المصالح الذاتية للناس إلا أن الباحث يرى في طروحات النديم .
ما يشير إلى ملامح طبقية من خلال التأكيد على نسبية القانون وارتباطه بنسبية المصالح التي يعبر عنها كونه يوضع ويصاغ بطريقة تجعله قابلا للتأويل بما يوافق مصالح واضعيه.
إن امتلاك حرية الاختيار الصادرة عن إرادة تملك أمرها لا يكفي لكي ننسب صفة الحرية الكاملة إليها، فلا بد في نظر النديم من امتلاك للقدرة على إعلان هذا الاختيار وطرحه للتداول في كل مكان نطقا وكتابة وهذا بالنسبة إليه غير متحقق في المجتمعات الإنسانية .
وقد أكد أن للحرية وظيفة تتحدد في تحقيق الانسجام الداخلي لصاحبها لكن تحقيق تلك الحرية يتطلب ثلاثة شروط هي العلانية والقانون العادل الذي يشمل جميع الناس ويكون مستقيما في نفاذه وعدم الجور على الآخرين من خلال حرية الإنسان في الحركة.
وبعد أن يثبت استحالة تحقق الحرية المطلقة يثبت أنها حرية نسبية وهو يعرفها بأنها وقوف الإنسان عند حده ومعرفته حقا لنفسه يطالب به وواجبا لغيره يؤديه فهي حرية حقوقية تقوم بين الأفراد وهناك شروط يضعها النديم لممارسة تلك الحرية وهي الشرط الأخلاقي والحالة الحضارية التي تعكس تمدنا وتقدما والشعور القوي بالانتماء لوطن يحكم أفراده الانتظام.
من جهة ثانية يطالب النديم بتحقيق التساوي المطلق المؤسس على قانون واضح النصوص وغير قابل للتأويل ومعرفة الأفراد بالقانون وقدرتهم على استخدامه وهذا يتطلب تعميم العلم وتنوير الأفكار .
وانسجاما مع الهدف الذي وضعه لدعوته لبناء الأمة احتلت الحرية السياسية بكل تنويعاتها مساحة كبيرة في كتاباته وأهم أوجهها تتمثل في الشورى والحكم النيابي وقد تطورت فكرة الشورى عنده حتى أصبحت العنصر المميز لأرقى نظم الحكم التي تتحقق في ظلها الحرية والعدالة على أفضل وجه بشكل يدفع الأمة إلى العمران وتنوير الأفكار خاصة.
وأن مجلس الشورى هو مجلس منتخب من قبل الأمة وليس من قبل الحاكم بحيث يصبح الشعب هو الضامن لبقائه واستمراره وهذا يتطلب انتخاب المجلس انتخابا حرا ويطالب النديم بألا يقتصر حق التمثيل النيابي على الأغنياء وأصحاب الجاه لكنه على الرغم من كشفه للأخطاء التي تنجم عن احتكار التمثيل النيابي .
إلا أنه لم يستبدل معيار ملكية الثروة بمعيار العمل المنتج للثروة فالشخص المؤهل للقيام بالشورى هو العلم والمعرفة والدراية والخبرة و تتعلق بتمايز قائم على المصالح وقد خطا النديم خطوات كبيرة في فهم الشورى وتطوير معانيها لكنه لم يكن قادرا على تجاوز أوضاع أمته .
تشمل الحرية السياسية عنده حرية الكلام وحرية المطبوعات وكان من أول الذين مارسوها عمليا فهو يعتبر الكلام في السياسة حقا من الحقوق وينكر على الحاكم حقه في منع الناس من الكلام في السياسة وهذه الحرية ترتبط عنده بحرية المطبوعات نظراً لأن الطباعة تحتل في هذا العصر المكان الذي كانت تحتله الخطابة في العصور السابقة.
كما اعتبر أن حرية المطبوعات هي إحدى علامات المملكة العادلة وتساعد على تطور الأفكار، وإذا كان النديم الداعي إلى بناء أمة قوية تتحقق لها مركزية السلطة ووحدة الاقتصاد فإنه عارض الكثير من الحريات الشخصية.
ولم يبن معارضته لهذا النوع من الحريات على أساس ديني بل احتكم إلى معايير المنفعة الفردية والعامة، وفي هذا الصدد يتعرض للحرية الشخصية في أوروبا ويضخم بعض ممارساتها سلبيا مما يؤدي إلى غياب الجوهر الحقيقي لها لينتهي إلى إدانتها واعتبارها توحشاً وبهيمية.
وفيما يتعلق بالتمدن فهو يقدم تعريفا يتعارض مع ما طرحه سابقا فهو يخرج الرغبات الخاصة والأغراض الذاتية من حدود التعريف الذي يقدمه للحرية ومن خلال كتاباته يظهر الخلط الذي يقوم به بين الفجور والانحلال والحريات الشخصية كحق من حقوق الفرد ما دامت لا تجور على حقوق الآخرين.
وبذلك فقد أغفل النديم الفرق بين نوعين من السلوك الشخصي، أحدهما يعكس تفسخا والآخر يجسد حقا للفرد في حياته الخاصة، ورغم ذلك يجد نفسه مضطرا إلى إقرار بعض الحقوق الخاصة للأفراد لكنه لندرته لا يخلق سياقا لنظريته العامة للحرية.
ويدرس الباحث العلاقة بين الحرية والعدالة في فكر النديم الذي طرحه في مقالاته التي كان ينشرها في جريدته «التنكيت»، وفيه يبدو أنه يوائم بينهما بشكل يجعل وجود أحدهما مرتبطا بالآخر.
كما يجعل من الحرية أداة لتحقيق العدالة وقبل أن يتحدث عن هذا الارتباط يناقش المعنى القانوني للعدالة التي تتخذ عنده معنى التساوي في الحقوق والمعاملة وهو يربط بين سيادة الظلم وفساد الأخلاق من خلال تعويد الخدم على الكذب ودفعهم إلى الخيانة الأمر الذي يظهر البعد الأخلاقي للعدالة في فكره .
ويرى الباحث ضرورة الحديث عن موقفه من الأغنياء والفقراء كمدخل لفهم العدالة الاجتماعية عنده لاسيما أنه اعتبر الثروة التي حصل عليها الأغنياء كانت من النهب والاستبداد وظلم الفقراء بل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يحمل الأغنياء مسؤولية الخراب الاقتصادي ويعلل النديم هذا الموقف من الأغنياء بانكباب الأغنياء على المصنوع الأجنبي وإعراضهم عن المصنوع الوطني.
لم يقف النديم عند نقد ممارسات الأغنياء بل يكشف عن الفوارق الطبقية القائمة بين الأغنياء والفقراء ورصد هذه الفوارق وإظهار جورها على الفقراء ودورها في منع توجيه الثروة نحو ترقية البلاد وضمن حديثه عن الفوارق.
لا ينسى الفوارق الموجودة بين الريف والمدينة ورغم هذا الهجوم على الأغنياء فإنه لم ينس دورهم في ترقية البلاد وتطوير المجتمع، وفي دراسة أخرى يبحث في مفهوم الحرية في كتاباته التي خطها في جريدة «الأستاذ» بعد فشل ثورة عرابي.
ويأتي الوطن في مقدمة فكره من خلال تنديده بالاحتلال وفضح الادعاءات التي يروجها الانجليز حول أسباب استمرار وجودهم في مصر، فقد رأى أن الاستبداد عنصر أصيل في السياسة الاستعمارية وهو يعبر عن ابتعاد هذا المستعمر عن الحرية التي كان يتحدث عنها.
كما يرصد وجها آخر لفقدان الحرية يظهر في سيطرته على الاقتصاد الوطني التي تحول الوطنيين إلى أجراء يعملون لحسابه وهو لا يتوقف عند الفضح والإدانة بل يدعو المصريين إلى المقاومة باعتبارها حقا مشروعا لهم.
إن النديم لا يتوقف عند الدعوة إلى إنشاء الأحزاب أو العصبيات كما يسميها وإنما يحاول أن يرد جذورها إلى الشرق وفي دعوته يريد أن يعود السلطة للأحزاب لأنها سوف تقوم بتقييد الحكومة بأصوات ناخبيها وتمنع حدوث الفوضى التي يوجدها استبداد الوزراء، ويقارن بين النظام الحزبي في أوروبا ونقيضه في الشرق، مبينا أن غياب الأحزاب فتح الباب أمام الاستبداد، ولذلك يعود للدعوة إلى الشورى وضرورة استبعاد الثروة كشرط لاختيار القائمين عليها وقد اهتم النديم كثيرا بحرية الديانات والبحث عن أصولها في تراثنا.
واعتبر حفظ الوحدة الوطنية مرتبطا بإعطاء الطوائف الدينية حريتها، ودعا أيضا إلى حرية الفكر بعد أن عدها من أسباب تأخر الشرق في الوقت الذي واصل فيه هجومه على الحرية الشخصية وتناسى حرية المرأة التي لم يكن يوافق عليها بسبب مواقفه التقليدية منها.
* الكتاب: الحرية والعدالة في فكر عبدالله النديم
*الناشر: الهيئة المصرية للكتاب ـ القاهرة 2005
*الصفحات: 204 صفحات من القطع الصغيرلمتوسط
مفيد نجم
