مؤلف «رسالة التوابع والزوابع» هو «أبو عامر أحمد بن أبي مروان عبدالملك بن مروان» المعروف بابن شُهيد الأندلسي، الذي ولد «بقرطبة» في خلافة هشام بن الحكم سنة 382 هجرية، وقد جعل المنصور والده عاملاً على الجهة الشرقية تسعة أعوام، ولم يصرفه عنها، حتى سئم العمل والتمس الإقالة.

وقد وصل «ابن شهيد» بعد ذلك إلى رتبة الوزارة في الدولة العامرية. ولعل المتتبع لأوضاع الأندلس في تلك الحقبة، سيعرف كيف كانت الفتنة تنتقل من هنا وهناك لتقطع أوصال البلاد، وكان ابن شهيد في ذلك الوقت ينتقل من ملك إلى آخر مادحاً، علّهم يضعوه في المرتبة التي يحب، لكنه لم يظفر بذلك.

ويبدو أيضاً أنه لم يستطع هجران «قرطبة» طويلاً، لأنه لم يكن يطيق الابتعاد عن ملاهيها ولذاتها، فجميع أخباره وأشعاره صادرة عنها، وقد اعتل في آخر عمره، فلزمه الداء بضع سنين، حتى غلب عليه الفالج، وذلك نتيجة انغماسه في حياة الترف والراحة، وإطلاقه العنان لشهوات النفس،.

وإدمانه مجالس الشراب، وإجهاده الفكر والأعصاب في النظم والتأليف، ولكنه لم ينقطع عن الحركة، فكان يمشي إلى حاجته معتمداً على عصا، أو على إنسان، إلى قبل وفاته بعشرين يوماً، فإنه صار ينقل في المحفّة. توفي سنة ست وعشرين وأربعمئة للهجرة وكان في الرابعة والأربعين من العمر، وقد بلغ ابن شُهيد في زمانه، منزلة أدبية كبيرة بشعره ونثره.

أما الهدف الذي كان من وراء رسالة التوابع والزوابع، فهو التعرض لخصومه وحسّاده فانبرى يواقعهم ويناضلهم وينتقص أدبهم، وبذلك يكون الطعن بأنداده هو الهدف الذي سعى إليه من خلال كتابه هذا، إضافة إلى الإشادة بأدبه شعراً ونثراً.

وإضافة لذلك فإنه يتصور بأنه قد انتقل إلى وادي عبقر ـ وادي الجن للشعراء ـ ليلقى توابع الشعراء، لأن كل شاعر كان له تابع من الجن، فيسمعهم من شعره، فينال منهم إجازة النظم والخطابة فأجازه:

امرؤ القيس، طرفة، أبو تمام ـ البحتري، أبو نواس، أبو الطيب، ويضع على لسانهم بعض القول: كقول أبي نواس: هذا شيء لم نلهمه نحن، وقول أبي الطيب المتنبي: إن امتد به طلق العمر، فسوف ينفث بدرر، وقال عبدالحميد الكاتب والجاحظ: «اذهب فإنك شاعر وخطيب».

وكيفما سرنا في «رسالة التوابع والزوابع» نجد أن أبا عامر شديد الإنحاء على خصومه، شديد المباهاة بأدبه ونبوغه، يناقش الشرق والغرب، والقديم والمحدث.

وقد قسمت الرسالة «رسالة التوابع والزوابع» إلى مدخل وأربعة فصول.

المدخل: يتحدث أبو عامر في مدخل رسالته إلى «أبي بكر بن حزم» الذي كان صديقاً له، فيذكر له كيف تعلم، ونبض له عرق فهم، بقليل من المطالعة، ثم ينتقل إلى خبر حبيب له مات، فأخذ في رثائه، فإذا بجني اسمه «زهير بن نمير» يتصور له، ويلقي إليه بنتحه الشعر، رغبة في اصطفائه، كما تصطفي التوابع خلاّنها، فتتأكد بينهما الصحبة، فأصبح كلما سدت بوجهه مذاهب الكلام، يدعو تابعه بأبيات لقنها عنه، فيمثل له ويوحي إليه.

الفصل الأول: يسأل أبو عامر صاحبه أن يأخذه إلى أرض التوابع، فيطير به حتى ينزل وادي الأرواح، فيزور صاحب امرئ القيس، وطرفه، ثم يتحول إلى توابع شعراء العباسيين كأبي تمام والمتنبي.. وفي زياراته هذه، يساجل الشعراء ويعارضهم ويذاكرهم، ويأخذ الإجازة منهم.

الفصل الثاني: يرغب أبو عامر في لقاء الكتَّاب، فيأخذه الجني «زهير» إلى الجاحظ وعبدالحميد الكاتب، فيأخذان عليه شغفه بالسجع، فيدافع عن نفسه، فيجد من صاحب عبدالحميد الكاتب عنفاً، فيقابله بالطعن على بداوة أسلوبه، فيبتسم له ويباسطه.

الفصل الثالث: يحضر أبو عامر وتابعه مجلس أدب من مجالس الجن، فيدور الكلام على بيت للنابغة، تداول الشعراء معناه من بعده، ولم يلحقوه.

أما الفصل الرابع، فيسير أبو عامر والجني زهير في أرض التوابع والزوابع فيشرفان على نار لحمير الجن وبغالهم، وقد وقع خلاف بينهما في شعرين لحمار وبغل من عشاقها.