بيتر استرهازي، هو أحد أشهر، إن لم يكن أشهر الأدباء الهنغاريين (المجريين) المعاصرين لفترة ما بعد الشيوعية. سبق له وقدّم خمسة عشر رواية جرت ترجمة غالبيتها إلى العديد من اللغات الأجنبية، من بينها «ثلاثة ملائكة يحرسونني» التي لاقت شهرة عالية.

في هذا العمل الجديد «نسخة مراجعة ومنقّحة»، يكشف المؤلف، سليل الأسرة الارستقراطية، بأن والده كان عميلا شيوعيا لحساب الشرطة السرية. ويعترف أنه فتح ذات يوم صدفة أحد الملفات ليقرأ فيه كلاما يوحي بطبيعة عمل والده.

يقول: «عندما فتحت الملف عرفت مباشرة خط والدي»، كي يستأنف بعد ذلك قائلا:

«في الوقت الذي كان فيه كتابي «هارومينا كويلستيس»، قد أقام نصبا شامخا لذكرى الأب، فإن هذا الكتاب الجديد ـ نسخة مراجعة ومنقّحة ـ يقوم بقلب هذا النصب كي يكشف بأن ماتياس استرهازي كان عميلا للشرطة السرية الشيوعية خلال أكثر من عشرين عاما».

إن هذا الكتاب الجديد «نسخة مراجعة ومنقّحة» يحتوي على الكثير من المقتطفات المأخوذة حرفيا من ملف والده المؤلف؛ وهكذا يشكل هذا العمل وثيقة استثنائية حول تلك الفترة القاتمة من تاريخ بلده الأصلي هنغاريا في ظل الشيوعية، والتي كانت قد عرفت انتفاضة جرى قمعها بالدبابات السوفييتية وهي تلك الانتفاضة التي شهدها عام 1956.

كذلك يعود المؤلف للحديث عن عائلته «الارستقراطية» التي جرى قسرها في ظل النظام الشيوعي على الهجرة إلى الريف ومصادرة ممتلكاتها. ويؤكد في هذا السياق بأن الدكتاتورية علمتهم الديمقراطية ذلك أن الجميع كانوا قد أحسوا في ظلها أنهم يواجهون خطرا، وأن إزالة مثل هذا الخطر تتطلب مشاركة الجميع وتضافر جهودهم في ظل روح من التعاون والإخاء.

ويعترف بيتر استرهازي في هذا الكتاب أنه عندما اكتشف حقيقة أن والده كان «جاسوسا» لدى النظام الشيوعي أصيب بهلع كبير وبحيث أنه أصبح يخاف من كل شيء، من الشيء وضده وهو الذي لم يكن قد عرف في حياته ضنك العيش في أحضان أسرته الميسورة جدا، لكن بعد حين أحس بعدم فقدانه لأبيه ولعلاقته به فهو «ابنه» ويعترف له بالكثير من المزايا.

لكنه في الوقت نفسة يشفق عليه بسبب الحياة الصعبة التي عرفها. وهذا كله ممتزج مع إحساس الإعجاب به إذ ورغم «نقطة ضعفه الكبيرة» استطاع أن يبقى قويا ومتماسكا.

لكنه يعترف أيضا بأن الماضي يلاحقه، كما يلاحق الكثير من مواطنيه، إذ كما يقول: «من الصعب على المرء أن ينظر وجها لوجه إلى واقع كون أننا قد ساهمنا في تشغيل آلة دكتاتورية». ولا ينسى في هذا السياق أن يشير إلى المائة وخمسين عاما التي احتلت فيها الإمبراطورية العثمانية بلاده.

لكنه مع ذلك لا يعارض دخولها بشكل قاطع إلى البناء الأوروبي إذ «جاءت اللحظة التي ينبغي علينا فيها أن نتساءل ماذا يعني الاندماج والمجتمع ذي الثقافات المتعددة».

إن مؤلف هذا الكتاب ينسج من حكايته الشخصية وحكاية والده وأسرته عالما يدعو القارئ من خلاله إلى التأمل العميق بالكائن الإنساني وبالآليات التي تساهم في تكوين مشاعره، وخاصة يدعو للتأمل بالحرية الإنسانية في ظروف مفروضة وقاسية، وتوجه الضربات أحيانا من حيث لا ينتظر الإنسان... مثل اكتشاف ابن لأكاذيب أبيه.

الكتاب: نسخة مراجعة ومنقّحة

الناشر: اكزيل ـ باريس2005

الصفحات: 400 صفحة من القطع المتوسط

Revu et Corrigé

Peter Esterhazy

Exils- Paris 2005 P.400