قام بتأليف هذا الكتاب الضخم مجموعة من الباحثين الاختصاصيين في شؤون الموسيقى عموما وأعمال موزار خصوصا. وهو أهم كتاب يصدر في اللغة الانكليزية عن هذا الموسيقار العظيم الذي نبغ وعمره خمس سنوات كما يقال. إنه يحتوي على جميع المعلومات التي نريدها عن حياته وأعماله والأماكن التي عاش فيها أو زارها والأشخاص الذين عاصروا حياته القصيرة أو كانوا مقربين منه، الخ. ومنذ البداية تقول الموسوعة ما معناه:
عندما نقرأ حياة موزار تتجلى لنا العبقرية في كل صورها وأشكالها. إنه يجسد الصفاء المطلق للعبقرية الموسيقية. وقد كان يعزف أجمل المقطوعات في مدن ميونيخ، وفيينا، وبروكسل، وباريس، وروما، وميلانو، ونابولي، ولندن، الخ. وقد استفاد موزار من خبرة كبار الموسيقيين الذين التقاهم في هذه البلدان الأوروبية وأكمل بذلك ثقافته الموسيقية التي أخذها عن والده في البداية. لقد اطلع على كل التيارات الموسيقية السائدة في عصره:
أي في نهاية القرن الثامن عشر. وعرف كيف يتغذى منها ثم يتجاوزها ويضيف إليها عطاءه الخاص. وعلى الرغم من أنه لم يعش أكثر من خمسة وثلاثين عاما إلا أنه ترك أثرا لا يمحى على الموسيقى الألمانية والعالمية. ولا يشبهه من هذه الناحية إلا رامبو في مجال الشعر وبعض العباقرة الآخرين الذي تفتحت موهبتهم بشكل مبكر جدا ومدهش.
وقد قال عنه أحد كبار المفكرين ذوي النزعة الإنسانية: لم يكن هناك أي شيء اصطناعي لدى موزار. فقد تفتحت عبقريته كما تتفتح الأزهار، وتفجرت كما تتفجر الينابيع من الصخور والجبال. وكان يصدح بالموسيقى كما تصدح الطيور بأصواتها الغنائية العذبة.
ثم يردف قائلا: لقد منحته العناية الإلهية موهبة طبيعية قل نظيرها في التاريخ. ولهذا السبب استطاع أن يخلف وراءه كل هذه الأعمال الموسيقية الضخمة خلال خمسة وثلاثين عاما فقط من العمر الذي أتيح له أن يعيشه.
ولكن من هو موزار يا ترى؟ على هذا السؤال تجيب الموسوعة الانكليزية العتيدة قائلة: ولد موزار في مدينة سالزبورغ عام 1756 ومات في فيينا عام 1791. ولهذا السبب فإن النمسا وألمانيا والعالم كله يحتفل الآن بمرور قرنين ونصف على ولادته. وقد أقيمت الاحتفالات بهذه المناسبة في كل أنحاء أوروبا وكرست له الفضائيات التلفزيونية العديد من البرامج الخاصة. وكذلك فعلت المجلات والجرائد ومختلف وسائل الإعلام.
فمناسبة من هذا النوع لا يمكن أن تمر من دون احتفال واهتمام. وكانت سالزبورغ آنذاك تابعة للامبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة التي انهارت فيما بعد. ومعظم الخبراء يعتبرون موزار أحد كبار ممثلي الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية بل وأكبر موسيقار شهده التاريخ على مدار عصوره كلها.
وكان والده مؤلفا للقطع الموسيقية وقد أثر عليه تأثيرا كبيرا. وعاش أكثر منه بكثير لأنه لم يمت إلا عام 1787، أي قبل موت ابنه بثلاث أو أربع سنوات فقط. ويبدو أن موزار لم يكن سعيدا في مدينته الأصلية سالزبورغ لأن الأمير كان يمنعه من السفر. وكان يفرض عليه أنواع القطع الموسيقية التي ينبغي أن يعزفها في الاحتفالات الدينية.
وعندما بلغ السابعة عشرة لم يعد موزار قادرا على تحمل كل هذه الإكراهات والقيود. ولذلك فإن علاقاته مع السلطة تدهورت أثناء السنوات الثلاث التالية. ولكن لحسن حظه فقد تعرف في تلك الفترة على شخص محترم يدعى جوزيف هايدن. وسوف يكون صديقه المخلص على مدار السنوات، أي حتى نهاية عمره. وسوف يشهد تفتح عبقريته التي سحرت القدماء والمعاصرين في آن معا.
وقد قال أحد الكتاب الكنديين المعاصرين عن موازر مرة ما يلي: في أحد الأيام كنت أستمع إلى برنامج على الراديو يدعى: روائع الموسيقى. وفجأة راح المذيع يتحدث على موزار. ثم قدم قطعة من أوبرا شهيرة له وتدعى « الناي السحري» وعندئذ، أحسست بنفسي وكأني أنتقل إلى عوالم أخرى ما كانت أعتقد أنها موجودة! أو قل منت أسمع عن وجودها ولكن دون أن أستطيع التوصل إليها.
لقد فتح لي موزار أبواب الجنة التي كانت ممنوعة علي سابقا. وراحت موسيقاه الملائكية تتغلغل في روحي ودمي حتى نسيت نفسي والمكان الذي أنا فيه. لقد شعرت وكأني ارتفعت إلى أعلى السماوات! ثم تردف الموسوعة قائلة في مكان آخر: ولكن الشيء المدهش لدى موزار هو عدم اهتمامه بالأحداث الكبرى التي كانت تجري في عصره. نضرب على ذلك المثل التالي: لقد مات بعد عشر سنوات من اندلاع الثورة الفرنسية وسقوط سجن الباستيل الشهير.
ولكننا لا نجد لديه أية إشارة إلى هذه الحالة السياسية التي جعلت أوروبا كلها ترتعش من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها. وربما كان انشغاله بإبداعه الموسيقى قد أنساه كل شيء بما فيه هذه الهزة الأرضية الكبرى التي تدعى: الثورة الفرنسية. وهذا شيء مفهوم لدى العباقرة. فهم يكونون عادة مغموسين في إبداعهم أو غاطسين فيه إلى القاع. ولا يستطيعون بالتالي أن يهتموا بشيء آخر غيره. ولو أن اهتمامهم تبعثر في كل الاتجاهات لما أصبحوا عباقرة.
كنا قد قارنا بين الانفجار المبكر لعبقرية موزار في مجال الموسيقى والانفجار المبكر لرامبو في مجال الشعر. وقلنا إن ذلك يشبه ظاهرة طبيعية خارقة للعادة. ولكن نيتشه أيضا كان ذا عبقرية فلسفية مبكرة ومدهشة. وقل الأمر ذاته عن المفكر والعالم الفرنسي باسكال وبعض الآخرين لدى مختلف الأمم.
لكن لنعد الآن إلى حياة موزار وما جرى فيها من أحداث وتقلبات. في عام 1780 عندما كان في الرابعة والعشرين من عمره تلقى طلبا من ميونيخ للعمل في الأوبرا هناك وقد عزف بعض مقطوعاته الخالدة ولقي ترحيبا كبيرا من الجمهور. ولكن الأمير احتقره ونعته بالأزعر والسخيف أمام الناس قبل أن يطرده.
وقد أثر عليه هذا الحادث كثيرا فيما بعد. وهو يثبت لنا مرة أخرى أن أهل السلطة لا يفهمون العباقرة! بل ويوجد عداء أزلي تقريبا بين الحكام، وبخاصة الأغبياء منهم، وبين أهل العلم والفكر وعباقرة الفن. فالشخص الحقير والسخيف لم يكن موزار وإنما الأمير نفسه!
ثم ينتقل الكتاب إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من حياة هذا الموسيقار الذي لا مثيل له ويقول: بدءاً من عام 1782 أصبحت فيينا هي المدينة المفضلة والمناسبة لعبقرية موزار. وهناك أصبح لأول مرة مستقلا عن سلطة والده وسلطة أميره وولي نعمته في آن . ومعلوم أن العباقرة في ذلك الزمان كانوا يعتمدون على هبات الملوك والأمراء والأغنياء والكبار لكي يؤمنوا لقمة عيشهم ويستطيعوا مواصلة عملهم وإبداعهم. لم تكن توجد آنذاك مؤسسات تعليمية أو أكاديمية أو جامعية لكي توظفهم كما هو عليه الحال الآن.
وفي فيينا تعرف موزار على آخر بنت للسيدة فيبر التي كانت تشفق عليه وتساعده فتزوجها من دون أن ينتظر موافقة والده على الموضوع. ويبدو أن والده كان ذا شخصية قوية ويتدخل في كل صغيرة أو كبيرة في حياته. وكان يرافقه في كل رحلاته إلى الخارج: أي إلى فرنسا، وإيطاليا، وانجلترا، وهولندا، الخ.
ولكنه هذه المرة لم يرافقه إلى فيينا لأن الأمير طلب منه ذلك بل وفرض عليه البقاء في سالزبورغ. وهكذا أتيح لموزار أن يتنفس ويذوق طعم الحرية للمرة الأولى في حياته. أخيرا أصبح يستطيع أن يطير بجناحيه. نقول ذلك ونحن نعلم أن الحرية ضرورية لتفتح العبقرية. الحرية والعبقرية صنوان.
ولكن موزار تعذب كثيرا على ما يبدو في السنوات الأخيرة من حياته. فقد كان غارقاً في الديون على الرغم من نجاحه الكبير والمبالغ المالية الضخمة التي كان يربحها من جراء عزفه لمقطوعاته الرائعة. والسبب هو أنه كان يصرف من دون حساب.
وأخذ يعاني من المرض للمرة الأولى وبدا كأنه شاخ وهو لا يزال في الثلاثين أو أكثر قليلا! فما هو سر ذلك يا ترى؟ ولماذا يبدو التعب الكبير على وجوه العباقرة؟ ربما لأن الهم يؤثر عليهم أكثر من غيرهم. فالعبقري شخص يعيش في سنة واحدة ما يعيشه الآخرون في سنوات. كل ساعة من حياة العبقري مليئة بالهم والمعاناة والاحتراق. وهنا يكمن الاختلاف بينه وبين الناس العاديين. ولولا ذلك لما تميز عن جميع الناس وأصبح عبقريا.
ولكن البعض يقول إن العبقرية العفوية أو حتى المجانية لموزار ليست إلا أسطورة، والناس تحب الأساطير والمعجزات. فالواقع أن موزار كان يشتغل كثيرا. وربما كان العمل المتواصل هو الذي أرهقه وجعله يشيخ قبل الأوان. والواقع أن الروائع الموسيقية وسواها هي نتيجة العبقرية والعمل المتواصل في آن . ولكن هذا لا ينفي أهمية العبقرية الفذة لموزار. فلولاها لما كانت كل هذه الروائع التي لا تضاهى.
وبالتالي فالعبقرية هي نتيجة الموهبة والعمل في آن معا وليس الموهبة فقط أو العمل فقط. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن عبقرية موزار هي أصفى عبقرية عرفها تاريخ الموسيقى كله. إنها الأنقى. إنه يمثل الموسيقى المطلقة، الموسيقى التي ترتفع بك إلى ذروة عليا لا ذروة بعدها. لقد كان هبة الله للبشر كما قال أحدهم تماما كنيتشه في مجال الفلسفة أو كرامبو في مجال الشعر أو كمايكل انجلو في مجال النحت، أو كفان غوخ، الخ.
ولا تزال موسيقى موزار منذ قرنين وحتى الآن تدهشنا وتؤمن لنا أكبر متعة في الحياة. إنها تنسينا همومنا ومتاعبنا وتنتقل بنا إلى عوالم أخرى لا عهد لنا بها. وبالتالي فنحن بحاجة إلى موزار اليوم أكثر من أي وقت مضى. ليس غريبا إذن والحالة هذه أن يكون العالم كله يحتفل بمرور مئتين وخمسين سنة على ولادته (1756 ـ 2006). العالم كله مدين لهذا الموسيقار الذي لم يعش عمره القصير إلا لكي يضع روائعه الخالدة ثم يمضي.
الكتاب : موسوعة كامبردج لموزار
الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2006
الصفحات : 638 صفحة من القطع الكبير
The Cambridge Mozart Encyclopedia
Cliff Eisen, Simon P. Keefe
Cambridge University Press 2006
p.638
