في رواية «المسيرة» من إصدار دار راندوم هاوس، بنيويورك، يلتقط الروائي الأميركي «إ ي. إل. دكتورو» مشاهد لما يسميه جنون الحرب. « المسيرة» هي الرواية الثانية عشرة في سلسلة روايات هذا المؤلف الغزير الإنتاج وهي رواية مجازية تشكك في نزاهة الحرب، تحتوي على تأمل وتجسيد إلى حد كبير للاكتساح الأميركي للعالم مستوحية موضوعها من أجواء الحرب الأميركية الأهلية بالتزامن مع إثارتها الجدل حول مهارة دكتورو الروائية.

ويعد دكتورو أحد أهم كتاب أميركا الأحياء أوصلته إلى الشهرة رواية «رجتيم» (1975 ) وعلى الرغم من أنه لايمكن اعتبار روايته رواية تاريخية إلا أنها تنجح في التقريب بينها وبين الرواية الاجتماعية. من العناصر المهمة في روايته «المسيرة» جملة الإسقاطات الساخنة التي يتعرف إليها القارئ بسهولة من خلال متابعته لأحداث منها، مسيرة الجنرال وليام شيرمان المدمرة التي تنطلق من جورجيا باتجاه البحر في إشارة إلى فكرة التوسع الإقليمي.

والغموض الذي يكتنف الحرب ويبقى كذلك إلى النهاية فيما يبدو المؤلف كما لو أنه يطرح السؤال التالي :الحرب ... هل تضع نهاية للتاريخ؟ تقتفي رواية « المسيرة» المسيرة التاريخية الشهيرة التي انطلقت من أطلنطا إلى جورجيا بقيادة الجنرال، وليام. ت. شيرمان، وضمت 60000 جندي اتحادي عابرة الجنوب سنة (1864) .

بعد إشعاله النار في أطلنطا، اتجهت المسيرة إلى البحر، لكي تنعطف شمالاً عبر كارولينا. في طريقهم كان الجنود يقتلون الأهالي ويزهقون الأرواح ويحرقون المدن والقرى والنبات، ويدمرون الممتلكات. ما قاد، حسب وجهة نظر المؤلف، إلى التحريض على كراهية القوات الأميركية إلى اليوم.

يعبر دكتورو عن بشاعة الحرب بتقديم صورة وصفية لها على لسان عدد كبير من الشخصيات الحقيقية والمتخيلة أو بتجسيده صورة مقززة لشخصياته الرئيسية ومن بينها الجنرال شيرمان، ومن تحت إمرته من الجنود والمدنيين ( الذين لا تعرف جذورهم أو المنتمين إلى طبقة العبيد المحررين) .

ومما يلمسه القارئ بوضوح الحالة التي تعبر عنها إحدى النسوة البيض المنبوذات بقولها: إن كل ما هو واضح في هذه اللحظة هو أن حالة ماتي جيمسون العقلية بدأت تنسجم مع الموقف الذي وجدت فيه نفسها. فقد تحولت صورة الحرب التي تجتاح العالم من حولها إلى حالة مرضية تحملها على التأكد من أنها غير قابلة للإنطفاء.

تضيف هذه المرأة فيما بعد عبارة أخرى «إن هذه ليست مجرد مغامرة، أو حرب لغايات نبيلة، إنها الحرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، موجة عارمة من الجنون مجردة من أي مبررات، أو مثاليات، أو مبادئ أخلاقية».أما الجنرال الأسطوري ذاته فيظهر كرجل مكتئب تراوده فكرة الحفاظ على الإتحاد بأي شكل كان . في إطلالته الأولى على القارئ يظهر كضابط ذي كتف مرصعة بالنياشين، يمتطي صهوة حصان قوي مدرب على الهجوم الشرس .

فيما الشخصية التي تسير أمام هذا الرجل المرعب باضطراب هي بيرل فتاة محررة من العبودية تتنكر في زي صبي طبال . إضافة إلى هذه الشخصيات يجتمع في هذا العمل حشد كبير من الشخصيات التي لا يمكن نسيانها من الرجال والنساء والأطفال، البيض والسود، الاتحاديين المتمردين، الخاصة والعامة.

غير أن دكتورو ينجح في حمل هذه الشخصيات على العيش في عالم يكاد يكون سينمائياً في تصويره للمشاهد التي تتيح للقارئ فرصة الوقوف على تجربة الحرب عموماً بكل زخمها. يقول مارك توين إن موضوع الحرب الأهلية الأميركية كان ولا يزال موضوعاً مهماً استلهم منه الكثير من الكتاب موضوعاتهم الروائية، ولعل القارئ يذكر أسماء منها هورد بار مايكل سهارا، وروبرت هيكس وغيرهم.

وهو استقراء أو على وجه الدقة إعادة قراءة للتاريخ والصراع العرقي والنزوع إلى التوسع الإقليمي.

في أحد مقالاته يلقي الكاتب الأميركي مارك توين باللائمة على سير والتر سكوت بسبب كتاباته الرومانسية عن الحرب .

كانت تلك الكتابات ( كتابات سكوت الساحرة ) من وجهة نظر توين، قد أسهمت في التحريض عليها بتصويرها كنوع من البسالة والشرف والفروسية والتحضر على نحو أصبح معه أمر اشتعالها محتماً.

أما دكتورو فهو يتحدث عن الحرب بشكل مقزز دون أن يتوانى عن الكشف عن حقيقتها حتى من وجهة نظر قادتها أنفسهم . إن هذه الرومانسية التي يتحدث عنها سكوت لو وضعت مقابلها وجهة نظر كتلك التي يلخصها شيرمان ببساطة، «الحرب لعبة وحشية ولا بد من أن يخوض المرء غمارها بشراسة إذ لابد من أن يتحقق من خلالها النصر الكاسح» فلا بد من أن يكشف ذلك عن جوهرها الحقيقي، إنها كما يقول مصدر الدمار الذي لا يتحقق إلا على أيدي كلابها المسعورة.

في أحد الحوارات التي أجريت معه مؤخراً صرح دكتورو بأنه كان يسعى إلى إضفاء ما أسماه النكهة الروسية على روايته الجديدة ويبدو أن ذلك قد تسنى له فعلاً باحتواء رواية المسيرة على حشد كبير من الشخصيات الحقيقية والمتخيلة، التي تلتقي وتتفاعل وتتفرق بينما أجواء الحرب مستمرة في تشكيل المناخ الذي يحيط بها، وهو ما يمكن مقارنته بروايات بعض أهم الكتاب الروس من أمثال، تولستوي وباسترناك . والحقيقة أن كل من لغة وأسلوب دكتورو تساعده على إنجاز مثل هذا العمل الذي يقترب في نكهته من الأدب الروسي دون أن يكون نسخة منه.

أحد أهم عناصر نجاح رواية «المسيرة »التحول السهل لشخصياتها. هذه الشخصيات تبدو كما لو أن لديها القدرة على الظهور بشكل مختلف سواء كان في هيئتها الخارجية أم تفكيرها. في حين أن الشخصيتين الأكثر مهارة هما كل من بيرل و ويل و آرلي.

إن بيرل تنجح في أشياء كثيرة منها على وجه التحديد أنها في المرة الأولى تتحول إلى صبي طبال يتقدم الحشود الزاحفة المحرضة على الحرب، وفي المرة الثانية تتحول إلى فتاة عاشقة تقوم بمهمة التمريض وتقع في حب شاب ايرلندي مهاجر هو ستيفن الذي يبادلها العواطف نفسها، وفي المرة الثالثة تتحول إلى شخصية مشككة في نزاهة الحرب. لقد أمسك دكتورو بما يسمى جوهر الحرب أو طبيعة ما يطلق عليه جنون الحرب.

على الرغم من الهنات التي تعتري روايته الجديدة والتي يأتي في مقدمتها امتلاء العمل بالشخصيات وتحميلها بما يمكن أن تقوم به وما لا يمكن أن تقوم به من أقوال وأفعال. وعلى الرغم من أن روايته لا يمكن تصنيفها كرواية تاريخية إلا أنها تنجح في إمدادنا بصورة واضحة للتاريخ نفسه.

على مدى الثلاثة عقود الماضية استطاع هذا المؤلف ان يفرض نفسه كأحد أهم كتاب الرواية الأميركية المعاصرة. وربما كان ذلك قد تسنى له منذ نشر رائعته الشهيرة «رجتيم» (موسيقى أميركية زنجية). إن كلاً من الحلم الأميركي، الوهم، الحقيقة التاريخية تلعب دوراً مهماً في تحفيز الراوي على سرد العديد من القصص التي تدور موضوعاتها حول التمييز العنصري وحب المال ووضع المرأة في مجتمع نيويورك.

في هذه الرواية يقتفي خيوط حياة إحدى العائلات الزنجية الفقيرة وصراعها مع الحياة وعلاقاتها الإجتماعية في مرحلة مهمة في التاريخ هي مطلع القرن العشرين. أبصرت رواية دكتورو الأولى «تحية للأوقات الصعبة»( 1960) النور بفضل تجربته العميقة في القراءة، لا سيما مراجعة السيناريو التي أراد محاكاتها فنجح إلى حد لم يتصوره نفسه. في حين تعتبر رواية، «كتاب دانيال»(1971) تجريباً في كتابة رواية الخيال العلمي.

الكتاب: المسيرة

الناشر: دار راندوم هاوس للنشر نيويورك 2006

الصفحات: 384 صفحة من القطع الكبير

The March

E.L . Doctorow

Random House - N.y .2006

P. 384