محمد جدوع كاتب وباحث سوري، استهوته الحياة الأدبية والسياسية لمواطنه الدكتور عبدالسلام العجيلي، فرأى أن أسرته تنتمي إلى عشيرة «البوبدران» بعدما قدمت من الموصل لتستقر في الرقة. وهذه العشيرة تتحدر في أصولها، كما يقول العجيلي نفسه، إلى (آل البيت من أبناء الحسين بن علي بن أبي طالب).
وقد شاركت أسرة العجيلي بشكل فعلي في تأسيس دولة الرقة التي أعلنت عن قيامها الحركة الوطنية التي تشكلت فيها بعد اجتياح الجيوش الفرنسية لسوريا إثر إنذار الجنرال غورو، ووقوف الأسرة جميعها متحالفة مع زعيم الحركة الوطنية «حاجم بن مهيد» شيخ قبيلة عنزة النجدية، هذه الدولة التي عاشت كما يؤرخ العجيلي نفسه من 10 أغسطس 1920 حيث أصدرت الحركة هذه بيانها الذي وعدت فيه أن تحكم الرقة حكماً ديمقراطياً، وقد وفت.
فحاربت الجيش الفرنسي وزحفت شمالاً على منبج وتخوم حلب ذلك حتى 17 ديسمبر 1921 حيث سقطت دولة الرقة. ثم يذهب محمد جدوع إلى قراءة «جمالية العجيلي» في مجمل نتاجه فيرى أنها ليست مباهاة فكرية ولا أداة زينة، لأن ذات العجيلي الفكرية ذات متعددة المشارب مختلفة الرؤى، دينامية الإبداع من خلال الربط بين الثابت والمتحول، والمتحول والثابت، وليس من خلال علاقة سكونية (ستاتيكية) وإنما عبر علاقة جدلية تدرك علاقة الثابت بعلاقة المتحول. إذ لا يجنح المتحول لديه لسحق الثابت ونفيه من الوجود.
كما ويقر الثابت بشرعية المتحول وضرورته الزمنية التاريخية والاجتماعية، ولا يتناقض عند العجيلي ـ إلا في ما ندر ـ القديم السالف مع الجديد المعاصر، ما دام يثبت صلاحيته لحاجتنا ومقاييسنا الحياتية المعاصرة وبالقدر الذي يكون فيه الإنسان ابن بيئته، فإن تربيته يصبح لها شأن كبير في صياغة مفاهيمه حسب البيئة التي أنجبته.
إن ذخيرة العجيلي المعرفية وخبرته التجريبية أكسبتاه نظرة جيلية نابعة عن عقلية استشرافية، لا تضع في حساباتها الأحكام المسبقة، أو المواقف الثابتة التي تنضح عن عقلية احادية النظرة، تحتكر الحقيقة وتنفيها وتنكرها على غيرها، كما تنأى ذات العجيلي بنفسها عن الآراء التكرارية التي لا ترى الكون إلا ساكناً،
ولا ترى الحقيقة إلا حسبما رسمتها اعتقاداتها. إن إدراك العجيلي لحتمية التطور ولَّدت لديه فكراً متجايلاً لكل مستجد، متفاعلاً منسجماً مع متطلبات الواقع المستجد بمقتضياته ومتطلباته. وهذا ما أكده في محاضرته المعنونة «قبل أن تزول الصور» في منوعته «أحاديث العشيات».
ثم ينتقل الجدوع في بحثه إلى الإقرار بأن «اللحظة» التاريخية عند العجيلي واقعة بين عدمين: هما الماضي الذي مضى ـ مات ـ ولم يعد للتكوّن، وبين المستقبل الذي لم يتكوَّن بعد. وتكمن حيوية «لحظة» العجيلي في انتقالها من إطارها الزمني الماضي عندما تبدأ بمعرفتها أولاً، وعندما نتمثلها تصبح في حاضرنا المعاش ثم تنتقل إلى المستقبل عندما ننوي تحقيقها.
ولا بد من الانتباه إلى أن اللحظة التاريخية تختلف عن الواقع التاريخي الذي انتهى إلى الأبد وبقيت أحداثه تدل عليه، بينما اللحظة التاريخية ترتبط بالحاضر ولا تنتهي إلا في رحم المستقبل الذي تطمح لتحقيقه من خلال الذاكرة التي استخدمتها لتحقيقه، ومع انها مبدعة بذاتها لأنها تحرر المخيلة الإنسانية من حدود الزمان والمكان.
صحيح أن اللحظة ـ الأمثولة ـ شاهدة على الماضي، ولأن ربط الماضي بالحاضر ينتهي إلى نسبية المعرفة لأن كل واقعة حادثة تاريخية موسومة بلون الحاضر ودواعيه وأغراضه، إلا أن انطلاق اللحظة التاريخية ليس من حدثها تحقق وقوعها وإنما من أثرها ودلالاتها.
لأن المعرفة القطعية في التاريخ لا تتم إلا بالأسانيد الصحيحة التي تحوز على إجماع الجميع، أما اللحظة لدى العجيلي فتتخلص من أسر الأسانيد أولاً وتتحرر من خلال انتقائيتها من الأسر التراثي، فعندما تستدعي الذاكرة استحضار لحظة تاريخية ما تتحرر من تناول الأحداث التاريخية بشكل تراتبي وهو ما يلزم المؤرخ المرور على جميع الأوضاع التراثية التي تعتبر بمنزلة مستودع فيه كل الرؤى.ثم يعتبر الجدوع أن العجيلي تجنّب الصدام مع السلطة السياسية ـ الايديولوجية،
فلم يخض حرباً مكشوفة معها على اختلاف توجهات الأنظمة التي يعيش في ظلها أبطاله ليس في وطنه سوريا فحسب، وإنما جنّب أبطاله وبطلاته جميع المواجهات مع سلطات بلدانهم. ومع ذلك فهو لم يسلم من السلطة اليسارية فنعتته باليمين، وكذلك صوّبت السلطة اليمينة سهام اتهامها نحوه وتجنّبه المواجهات الصدامية ـ رغم ممارسته للسياسة ـ فالعجيلي ينطلق من مقولته في «أشياء شخصية»:
قيم السياسة.. قيم متحولة بتحول أشخاصها الذين كثيراً ما نراهم يتهاوون كالأصنام بعد أن ظلوا فترة معبودين كالأصنام. وواجب المثقف تجاه السياسة بنظره: أن يكون مخططاً أو مقوماً من اعوجاجها بفكره وتعبيره، لا أن يكون مجروفاً بتيارها.
وأخطر ما تمارسه السلطات المستبدة هو تسلحها بالايديولجي تحت شعار «حماية الوطن والتصدي لأعداء الداخل والخارج» وعندما لا تقل السلطات الايديو ـ سياسية إلا خطابها الايديولوجي يُعدم الرأي الآخر وتصبح الساحة بدون معارضة كالدائرة بلا محيط. كما تُغتال الحقيقة وتطمس المصداقية وطأة السلاح الأيدو ـ سياسي عندما يستعين ـ إضافة لشعاره الإيديولوجي بسلطتي (العرف والدين)
وفي حالة كهذه تسود حالة عمى الأبصار وعمه العقول، لتتولد تحت هذه الوطأة جماعات تطرف سياسي وديني مكبوت تمارس أعمالاً لا تحترم كل شيء، ولا تقيم وزناً للمعايير والقيم الروحية والأخلاقية وحتى الدينية، كما تنمو أيضاً ظاهرة قبول الآخر ـ المستعمر.
وفي عود للقبض على اللحظة التاريخية في أدب العجيلي يرى المؤلف أن غاية اللحظة عند العجيلي ـ ليس لتفسير الحاضر من خلال الماضي، بل إن العجيلي بنى لحظته هذه من خلال علاقة جدلية تربط الأحداث بمسبباتها والعلل بمعلولاتها، لإيجاد دلالة الماضي التي تساهم في توصيف الحاضر المعاش والمستقبل الآتي،
ولم تقيد خياله أو مخيلته بمخيلة معزولة واقعياً وفكرياً إذ في موقفه هذا يلتقي مع رؤية «كيركغارد» في التعاطي مع الماضي: «يمكن أن تعاش الحياة باتجاه الأمام، ولكنها لا تفهم إلا بالعودة إلى الوراء».
ولهذا جاءت لحظته لاستمرار عناصر الاستمرار، وبيان طبيعة الآخر المتجدد أو الساكن مبتعداً عن النزعة الماضوية اللاتاريخية التي تنظر للتاريخ على أنه لا يعمل إلا في اتجاه واحد هو تدوين أحداث الماضي. بل سعى إلى خلق ذاكرة مشتركة من خلال لحظته التاريخية، لأنه إذا لم نحقق الذاكرة الجمعية فلن نتذكر الماضي ولن نتصور المستقبل، ولهذا جاءت لحظة العجيلي مختلفة في معالجاتها، متوحدة في طريقة عرضها.
أنور محمد
الكتاب: التاريخ والعجيلي / دراسة
الناشر: دار الفرقد ـ دمشق 2006
الصفحات: 271 صفحة من القطع الكبير
