سحر طه لبنانية،عراقية الأصل، ناقدة وفنانة موسيقية، أحيت أمسيات غنائية في عدة عواصم عربية وأجنبية، وشاركت في عدة مسابقات موسيقية لبنانية وعربية كعضو لجنة تحكيم، كما أصدرت ألبومات موسيقية: بغداديات مع عمر بشير (بيروت 2001)، مهرجان الموسيقى الأندلسية (دمشق 2002)، أغنيات من التراث العراقي (هنغاريا 2003)، جولة اليمن، أغاني غونتر غراس (ألمانيا 2004).
وعلى امتداد السنوات الأخيرة، ملت صوتها وراحت تغني مقامات الحزن في عراقها الجريح، مقامات الألم والدمع والمعاناة، دون أن يتزعزع إيمانها بأن الأوطان لا تموت، مهما تجَبر الغزاة. لهذا تكتب عن تراجيديات الحزن البغدادي، في كتابها الجديد (مقامات بغدادية/ من يوميات الاحتلال الأميركي للعراق) الصادر مؤخراً عن دار رياض الريس للنشر ببيروت، وتعلق على الكثير من المشاهد الإخبارية التي غطت الأحداث طوال فترة ما قبل الحرب وأثناءها وحتى لحظة احتلال بغداد بدخول القوات الأميركية والبريطانية، وما تبعها وبداية رحلة آلام جديدة لم تنته بعد.
كل ذلك بلغة هي أقرب إلى البوح، على شكل رسائل فيها الكثير من الحميمية والذكريات الأولى عن نشأتها في حي «شارع فلسطين» وشجرة التوت التي ترعرعت في حضنها وعلى زنودها بعد أن زرعها والدها أوائل الستينات في حديقة البيت الخلفية الواسعة، مروراً بانتقالها إلى بيروت واستقرارها فيها في العام 1980.
ففي بيروت تعلمت «سحر» لغة الصبر وعانت ما عاناه اللبنانيون من ويلات الحروب والقتل والموت والخراب، لكنها لم تكن تتخيل أن يصبح العراقي عبداً مسلوب الحرية والإرادة بعد سنوات الحصار و«حكايات ضربة بوش الأب عام 1991 وترقب ضربة بوش الابن».
مع أنها تعترف في يومياتها أن خوف العراقيين قبل الغزو كان أضعاف ذاك الخوف الذي اعتراهم إبان الضربة الأميركية الأولى التي تمت لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي، فبعد تلك التجربة القاسية لم يعد الخوف من الموت بحد ذاته، بل من غيلان الحرب ـ على حد تعبيرها ـ
وتقصد: غيلان الجوع والتشرد والعوز والنقص في الموارد، والخوف من عدم وضوح أو معرفة الفترة التي سيقضونها تحت وابل القنابل، وهدير الطائرات ورعب الصواريخ، والخوف كذلك من الظلمة وانقطاع الكهرباء ونقص الطعام أو تلفه، إلى جانب نقص مياه الشرب، وانقطاع الاتصال بين الأفراد والعائلات بعضها ببعض أثناء القصف والاجتياح بحيث لا يعرف أحد مصير أحد وإلى متى ستدوم هذه الحالة.
عن بغداد والبصرة والنجف.. تكتب «سحر طه» عن أبجديات العشق العراقي الموله بالحزن، وهي تروي انتهاكات الجيوش المحتلة لخصوصيات المواطنين العراقيين والنيل من كرامتهم عبر شتى طرق الإذلال من ضرب وتركيع، ووضع القيود حول الأيدي، والأكياس حول الرأس، وحتى قطع المياه والكهرباء، وقصف مخازن الأغذية وكل الأماكن الحيوية وما يتعلق بالبنية التحتية.
كما لا تبرح مخيلتها الصورة التي بثتها العديد من محطات التلفزة مراراً عن الطفل ذي الأعوام الخمسة، يرفع يديه الطريتين الصغيرتين أمام رشاشات يشهرها الغزاة في وجهه وعائلته، نساء ورجالاً وإخوته الأطفال، يبكي هلعاً وهو يتابع كيف اقتادوا والده بعد أن قيدوا يديه وراء ظهره، فيما عدسات مصوريهم تتابع الحدث وكأنه فيلم سينمائي من أفلامهم.
صارخة بدهشة.. هل هي صدفة إفراغ المتحف العراقي من آلاف القطع الأثرية الثقيلة والثمينة خلال ساعات، لتأتي الكاميرات وتصور المتحف وقاعاته الفارغة وبقايا القطع الأثرية المهشمة في الصباح، فيما وزارة النفط هي الوزارة الوحيدة التي تمت حمايتها وتطويقها..
ولا تنسى «سحر طه» في يومياتها، أن تعود إلى التاريخ وتقلب أوراقه العتيقة وتطلعنا ما نشره الإنجليز من بيانات وما خططوا له، مؤكدة أكثر من مرة أن التاريخ أيضاً يعيد نفسه، وكأن كل وعود الحرية والديمقراطية ما هي إلا ذريعة لفتح الأبواب مشرعة للمخربين والإرهابيين حتى امتلأت بهم الشوارع، وبات العراق مسرحاً لهم يعيثون به خراباً وقتلاً وفوضى عارمة، وما الصورة..
إلا وسيلة تحمل كل ما في الكون من نكهات المرارة والعلقم واللامعقول والدناءة، حتى أصبح إعلان الانتماء الصهيوني في العراق مسألة عادية ومشروعة، فيما تفتح إدارة الاحتلال أبواب السجون والمحاكم، تعتقل العشرات يومياً، تكبلهم حتى الأطفال منهم.
قائلة: هل هذا هو عراق الحرية الذي حلمنا به جميعاً، مواطنون حلموا بمستقبل نظيف وهانئ لأولادهم، وآخرون من أحزاب وانتماءات شتى، ومختلف المشارب والطوائف ومن أصحاب الإيديولوجيات والرؤى لعراق ما بعد صدام، هل هذا هو العراق الذي انتظرنا طويلاً معجزة تنتشله من الآلام والاضطهاد وتحرره بعد حروب دمرته وتركت شبابه ضعيفاً، معوقاً يعاني البطالة والتخلف عن الركب العالمي.. بعد أن كان الخريج العراقي يوظف في اليوم الثاني لتسلمه شهادته..؟
أسئلة كثيرة.. ورفض لكل ما يحمله الوضع الراهن من سلبيات، ومزيج بين الهم الشخصي والإنساني.. يوميات خطتها أنامل سحر طه، بمداد روحها، وحزنها، وأملها بغد واعد يحمل براءة الطفولة وليالي السهر المقمرة على أنغام الطرب والأصوات الرخيمة والألحان الشجية.
أنس الأموي
الكتاب: مقامات بغدادية
من يوميات الاحتلال الأميركي للعراق
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2006
الصفحات: 184 صفحة من القطع المتوسط
