كتاب جماعي يشارك فيه عدد من الباحثين الذين اجتمعوا في إطار ندوة نظمتها جامعة ليون الفرنسية في شهر يونيو من عام 2002 بالمشاركة مع الجامعة اليسوعية في بيروت. وقد تركزت أبحاث هذا الكتاب حول ثلاثة محاور أساسية. المحور الأول يخص تحديد واضح لتعبير «المشرق» وذلك من خلال المفاهيم المطروحة حوله.

ومتغيراته تبعا للفترات الزمنية والقوى الفاعلة فيه والرهانات المتعلقة به. المحور الثاني يجمع سلسلة من الأبحاث حول السياسات والمشاريع والمؤسسات التي قامت في المشرق وذلك على ضوء مناطق النفوذ. وقد أعطيت في هذا السياق أهمية كبيرة لدراسة مكانة ودور الأقليات في مجتمعات البلدان المعنية وكذلك دراسة منظومات حمايتها وذلك في وقت تبرز فيه أشكال من المواجهات والمنافسات.

أما المحور الثالث فإنه يبحث خاصة في المبادلات وانتقال البشر والمنتوجات بين فرنسا والمشرق، ورؤية هذه المبادلات على ضوء التاريخ وموازين القوة الثقافية. وفي السياق نفسه أيضا تتم دراسة دور الدول ـ الأمم في الفترة المدروسة. المساهمة الأولى في هذا العمل يكتبها الباحث هنري لورنس، مؤلف العديد من الكتب الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي من بينها «الشرق العربي والنزاعات الدولية» المترجم للغة العربية.

تحمل المساهمة عنوان «الوجود الفرنسي في الشرق الأوسط من القرن السابع عشر حتى الحرب العالمية الأولى (الحرب الكبرى)». ويشير الكاتب بداية إلى أنه إذا كانت هناك «رؤية أسطورية» للتاريخ تعيد العلاقة بين فرنسا والمشرق العربي إلى الأزمنة القديمة وأنها قد بلغت ذروتها في زمن الحروب الصليبية، فإنه يعيد بداية العلاقة الحقيقة و«المستمرة» إلى فترة لويس الثالث عشر. علاقة «مستمرة» ولكن مع العديد من التحولات.

ومن أبرز هذه التحولات الانتقال من الاهتمام الذي أبدته سلالة ملوك فرنسا حيال المشرق إلى «الميل الاستعماري». ويشير الكاتب في هذا السياق إلى وجود تيارين فرنسيين عريقين آنذاك. تيار ضم المدافعين عن الإمبراطورية العثمانية الذين كانوا يرون بأن بقاء أوروبا يمر عبر تحديث تلك الإمبراطورية على الطريقة الفرنسية.

وهكذا تم تقديم المساعي من أجل تجديد معارفها المحلية. أما التيار الثاني فقد كان يرى بأنه ينبغي على فرنسا أن تضع يدها على مصر وعلى قسم كبير من سوريا ضمن إطار عملية اقتسام للنفوذ مع النمسا وروسيا بالترافق مع ظهور جديد لدولة يونانية. ويحدد الكاتب القول إنه «حتى عام 1796 كان ذلك هو الخط الذي انتهجه وزراء لويس السادس عشر ثم بعدهم الثوريون». وبكل الحالات كان الجميع يتفقون على ضرورة أن يكون لفرنسا دور مهم على صعيد العلاقات الدولية.

وطيلة القرن التاسع عشر، وخاصة بعد عام 1840 «برزت فرنسا في هذه المنطقة من العالم كقوة مسيحية وكاثوليكية مع دعمها المباشر للتحالف الإسرائيلي - بالمعنى الديني - الكوني الذي قام عام 1860»، كما يشير هنري لورنس ليضيف أنه بالوقت نفسه تنشط دور المبشرين خاصة في مجال التربية.

وفي المحصلة يرى الكاتب بأن فرنسا قد نجحت بواسطة عمل دؤوب ومستمر بأن تجد لنفسها مكانة مرموقة في هذه المنطقة، لكنها لم تستطع التوصل إلى ذلك إلا عبر الانفتاح على ثقافة الشرق الأوسط وعلى أهله إلى درجة أنها هي نفسها قد أصبحت «شرق أوسطية قليلا» من حيث الثقافة ومن حيث الواقع البشري.

وتكتب «كاترين فيردوار» الباحثة المهتمة بشؤون الشرق مساهمة تحمل عنوان: «المجالات والطموحات والسياسات» وهي تدرس المعطيات الجيوسياسية في «المجال السوري ـ المشرقي خلال الحقبة العثمانية». وهي تركز في دراستها على تحليل فترة تفكك القومية الإمبريالية العثمانية في المنطقة خاصة مع وصول أحمد باشا الجزار إلى السلطة في عكا عام 1776،

ذلك أن الفترة ترافقت مع اختزال سلطة السلطان العثماني وكذلك سلطة حكامه. وتعاظمت ظاهرة لامركزية السلطات وهذا ما جعل «المجال السوري» أكثر تعقيدا. ذلك أن ضعف الباب العالي جعله غير قادر على توجيه سياسات المقاطعات. هكذا استطاع باشوات عكا أن يمتلكوا هامشا كبيرا من المناورة يكفي ل«إعادة صياغة المجال السوري على مقاسهم». لقد فرضت عكا نفسها كعاصمة إقليمية لعبت كل من صور ودمشق آنذاك دورا سهل التوجهات الاقتصادية لحكامها وخاصة لتجارها.

وتقدم «آنا بورادييه دونيل ـ لوازيدو» من مركز البحث العلمي في قبرص مساهمة تحت عنوان: «موازنة قبرص بين السيادة العثمانية والحماية الفرنسية في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر»، ودراسة لأنطوان حكيم من الجامعة اللبنانية تحت عنوان «الحماية الدينية لفرنسا في الإمبراطورية العثمانية: الأسس والتطبيق والحدود»، ومساهمة ثالثة عن «فرنسا وحماية أرمن الإمبراطورية العثمانية: دراسة حالية كيليكيا».

وبعد هذا كله يدرس عباس الحلبي، عضو اللجنة اللبنانية للحوار الإسلامي ـ المسيحي« العلاقات الفرنسية ـ الدرزية، نظرة أخرى، وأثر أشكال النفوذ الأوروبي على الطائفة الدرزية». وهو يؤكد على أن الدروز خلال تاريخهم في سوريا ولبنان قد أثبتوا تمسكهم بالقضايا العربية وساندوا حركات التحرير. كما أن المنطق السياسي الذي وجه عملهم يقوم على أساس أن النظام الوطني غير الطائفي هو وحده الذي يشكل الضمان الوحيد للأقليات.

وينتهي الكاتب إلى القول بأن أوروبا المجاورة ـ وخاصة فرنسا ـ التي عاشت في منطقة الشرق الأوسط، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وحتى لو أن العلاقات قد عرفت توترات ومجابهات، عليها أن تتجنب كل تبسيط للمشاكل المطروحة عبر رؤيتها من خلال المنظور الطائفي أو على أساس صدام الحضارات.

وبالمقابل يرى عباس الحلبي بأنه على أوروبا، وعلى فرنسا خاصة، ومن خلال التراث المتوسطي المشترك، أن تشجع القيم التي يدعو لها الجميع، أي قيم التسامح والعدالة ومبتدئ حقوق الإنسان وخاصة حقوق الأقليات. وبالتالي لا يحق لأحد وحتى باسم المصالح القصيرة أو المتوسطة الأمد المساس بهذه القيم والمبادئ.

ويحظى الوجود التربوي والثقافي الفرنسي في المشرق خلال الفترة المدروسة بعدد من المساهمات في هذا الكتاب حيث يقدم «فريديريك ابيكاسيس» من جامعة ليون دراسة تحت عنوان «حول الحماية بواسطة المدرسة: تعليم اللغة الفرنسية في مصر خلال القرن التاسع عشر»،

حيث يرى أن المدارس والبعثات التبشيرية كانت في خدمة مشروع إمبريالي فرنسي في مصر، ولكن اللغة الفرنسية تراجعت، خاصة في التعليم الرسمي المصري، بعد الاحتلال البريطاني للبلاد، الأمر الذي لم يمنع استمرار تعلم الفرنسية لدى بعض الشرائح عبر شبكة كان في طليعة مكوناتها الجهود التي قامت بها الكنيسة الكاثوليكية التي جذبها الازدهار الاقتصادي الذي عرفته مصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والتي كانت تريد في الوقت نفسه جلب الأقباط الأرثوذكس إلى الولاء للكنيسة الكاثوليكية وإبعادهم عن نفوذ البعثات التبشيرية البروتستانتية.

وتحظى المدارس الفرنسية في سوريا خلال سنوات 1880-1914 بمساهمة كتبتها شانتال فيرديل من جامعة السوربون بباريس لتؤكد فيها أنه في نهايات القرن التاسع عشر، وحتى لو كانت الإمبراطورية العثمانية لا تزال تمارس السيادة على المقاطعات العربية فإن سلطتها كانت تتضاءل في مواجهة توسع الغرب في هذه المنطقة من العالم.

وقد كان توسع في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية وخاصة الثقافية. وفي هذا الإطار كان «المبشرون اللاتينيون» بمثابة الناقل الأفضل للثقافة واللغة الفرنسيتين. وتشير الكاتبة إلى أن المدارس كانت مكرسة أولا للكاثوليك الشرقيين وخاصة من أجل «حمايتهم» من البروتستانتية.

هذا إلى جانب الأمل ب«استعادة» بعض الأرثوذكس إلى الكنيسة الرومانية. هكذا كانت المدارس في خدمة البعثات التبشيرية عمليا لتشكل ما يشبه «الشبكة الكاثوليكية الشرقية». وتتسم تلك المدارس بتبنيها برامج تعليم أخلاقية ودينية مع مسحة من معاداة البروتستانتية، ومعاداة السامية أيضا.

هذا إلى جانب المساهمة الكبيرة في تعليم اللغة الفرنسية. وتحت عنوان: «فرنسا في دمشق: اللغة الفرنسية، مناهضة البروتستانتية والسياسة حول المسلمين. نموذج البعثات اللاتينية الفرنسية 1860 ـ 1914»، يؤكد «جيروم بوكيه» من جامعة السوربون في باريس على الدور الذي لعبه «الرواد الأوائل» من المبشرين الذين «عملوا في خدمة الدين والحضارة». كما ينقل الكاتب عن قنصل فرنسا في دمشق عام 1859. ولكن أيضا وقبل كل شيء في درء «خطر البعثات التبشيرية البروتستانتية».

ويشير الكاتب في هذا السياق إلى أن الدبلوماسية الفرنسية قد رأت في المدارس اللاتينية محركا ممكنا لسياسة فرنسا حيال دمشق، عاصمة سوريا التي كانت محط طموحات فرنسا. هكذا جرى التأكيد على ضرورة أن تضم هذه المدارس نسبة من الطلبة المسلمين في المدارس المعنية يشكل «وسيلة لإشاعة النفوذ الفرنسي في الأوساط المسلمة التي تم تجاهلها حتى ذلك الحين».

ويكتب يوسف حميد معوض،المحامي والأستاذ في الجامعة الأميركية ببيروت عن «التعليم في المعهد الثانوي للآباء اليسوعيين في بيروت 1875 ـ 1914».

ويشير إلى أن هذا المعهد قد ضم آنذاك خاصة أبناء الفرنسيين والأوروبيين المتواجدين في عين المكان وكذلك أبناء المشارقة ذوي الأصول «الفرنجية» الذين أقاموا في الشرق منذ عدة أجيال، والذين لعبوا إلى حد ما، دور الوسيط بين الغرب المسيحي والشرق المسلم. وكانت اللغة الفرنسية في هذه المعاهد «صاحبة الامتياز ولغة أصحاب الامتياز أيضا«. ومن معهد، مثل عائلات شهاب وأرسلان وجنبلاط والخازن وطرد وسرسق، يؤكد على أن الأصول الاجتماعية لهؤلاء تعود الشرائح العليا من المجتمع اللبناني.

وتحت عنوان «دور الماسونية في نشر الأفكار الجديدة في المشرق» تكتب سعاد عبد الرسول سليم، من جامعة بالاماند، بأن الحركة الماسونية قد دعمت استيقاظ النزعة القومية العربية، وذلك اعتمادا على مقولات المؤرخ زين زين في كتابه «نشوء القومية العربية» الصادر في بيروت عام 1986. وبعد الإشارة إلى أن عددا من شخصيات «النهضة» العربية كانت له انتماءات للماسونية، تؤكد الكاتبة بأنه «لم يكن هناك أي تمييز بين البلدان أو الطوائف».

ومن الأسماء المذكورة هناك محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وجرجي زيدان وخليل سعادة وعبد الرحمن الكواكبي. لكن بالمقابل تؤكد الكاتبة أيضا بأن حركة الماسونية، رغم الدور الذي لعبته في نهوض المفهوم القومي في الإمبراطورية العثمانية، فإنها قد عانت من آثار الشقاق بين مختلف الجنسيات.

تقول الكاتبة: «إن المخلصين السابقين للإمبراطورية العثمانية أصبحوا فيما بعد متزمتين مصريين أو سوريين أو أتراك أو لبنانيين لكنهم أدخلوا في بلدانهم أو في أوساطهم القيم الجديدة التي سوف تقلب بنى الشرق». وإلى جانب المساعدة على نهوض النزعة القومية، ساعدت تلك القيم أيضا في نشوء الشكل الجنيني للمجتمع المدني.

ويحتوي هذا الكتاب أيضا مساهمات بطرس لبكي، رئيس المعهد اللبناني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية حول «تطور المقاطعات اللبنانية من القرن 17 إلى القرن 19»، وليليان كفوري، من معهد الدراسات الإسلامية ـ المسيحية في الجامعة اليسوعية، وعدد من المساهمات الأخرى.

الكتاب : فرنسا ـ المشرق

من نهاية القرن 17 حتى الحرب العالمية الأولى

الناشر: غوتنر ـ باريس 2005

الصفحات: 428 صفحة من القطع المتوسط

France-Levant, du XVII siècle à la première guerre mondiale

Bernard Delpal et

Geuthnr - Paris 2005

P.428