مؤلف كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» شهاب الدين أبو الفتح محمد بن أحمد الأبشيهي، الذي ولد سنة تسعين وسبعمئة للهجرة في «أبشويه» في مصر، ثم حفظ القرآن الكريم، وصلى وهو ابن عشر، وحج سنة أربع عشرة، ودخل القاهرة غير مرة، وسمع بها دروس «الجلال البلقيني» أحد العلماء المعروفين في ذلك الوقت،

ثم ولي خطابة بلده بعد والده، له مؤلفات أخرى غير «المستطرف» منها: صناعة الترسل، أطواق الأزهار على صدور الأنهار، وهو كتاب في مجلدين، موضوعه الوعظ، وكتاب تذكرة العارفين وتبصرة المستبصرين.

أما كتابه «المستطرف» فإنه يعد من الكتب الجامعة لمعارف عصره، ضمه المؤلف مقتطفات من العلوم والآداب والمعارف، ويقول في مقدمة الكتاب: «أما بعد فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم، جمعوا أشياء كثيرة من الآداب والمواعظ والحكم، وبسطوا مجلدات، في التواريخ والنوادر والأخبار والحكايات واللطائف، ورقائق الأشعار،

وألفوا في ذلك كتباً كثيرة، تفرد كل منها بفرائد فوائد لم تكن في غيره من الكتب، فاستخرت الله تعالى وجمعت من مجموعها هذا المجموع اللطيف، وجعلته مشتملاً على كل فن ظريف، واستدللت فيه بآيات كثيرة من القرآن الكريم، وأحاديث صحيحة من أحاديث النبي الكريم، وطرزته بحكايات حسنة عن الصالحين الأخيار».

وهكذا نرى كثيراً مما أودعه «الزمخشري» في كتابه «ربيع الأبرار» وكثيراً مما نقله «ابن عبد ربه» في كتابه «العقد الفريد» كما نرى لطائف وظرائف عديدة من منتخبات الكتب النفيسة المفيدة، من أحاديث نبوية شريفة، وأمثال شعرية، وألفاظ لغوية ونوادر هزلية. وقد جعل المؤلف كتابه في أربعة وثمانين باباً، وكل باب ينقسم إلى فصول، فهو في الباب الأول والذي جاء بعنوان «في مباني الإسلام» نراه يقسمه إلى خمسة فصول:

في الإخلاص لله تعالى والثناء عليه، في الصلاة وفضلها، في الزكاة وفضلها، في الصوم وفضله وما أعد الله للصائم من الأجر والثواب، في الحج وفضله. وفي كل فصل من هذه الفصول، يبدأ حديثه بإيراد آيات من الذكر الحكيم تبين الغاية من الفصل، فمثلاً في فصل الحج، يأتي بالآيات التي تحث على الحج، ثم بأحاديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، تبين أهمية الحج وفضله وثوابه، ثم يسرد لنا قصصاً من التاريخ عن حوادث حول الحج وما جرى فيه، فمثلاً يورد في الحج القصة التالية: رؤي الحسن بن علي رضي الله عنهما يطوف بالبيت، ثم صار إلى المقام فصلى ركعتين، ثم وضع خده على المقام فجعل يبكي ويقول: عبيدك ببابك، خويدمك ببابك، سائلك ببابك، مسيكينك ببابك، يردد ذلك مراراً ثم انصرف، فمر بمساكين معهم خبز يأكلون، فسلم عليهم، فدعوه إلى الطعام، فجلس معهم وقال: لولا أنه صدقة لأكلت معكم، قوموا بنا إلى منزلي فتوجهوا معه، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدراهم.

ثم يورد المؤلف مختارات من الشعر فيما قيل في الحج ومناسكه فيورد قول «أبو الشمقمق:

إذا حججت بمال أصله دنس

فما حججت ولكن حجّت العيرُ

ما يقبل الله إلا كل طيبة

ما كل من حج بيت الله مبرور

ومن الأبواب الملفتة، الباب السادس، وهو الذي جعله المؤلف في الأمثال السائدة، بادئاً هذا الباب بالفصل الأول، والذي كان «فيما جاء من ذلك في القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فمن القرآن الكريم قوله تعالى: لكل نبأ مستقر، الآن حصحص الحق، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، كل نفس ذائقة الموت»، ومن الأحاديث الشريفة يورد: آفة العلم النسيان، من غشنا فليس منا، الحياء شعبة من الإيمان، الوحدة خير من جليس السوء، انتظار الفرج عبادة، الأعمال بخواتيمها»

ثم يورد في الفصل الثاني: في أمثال العرب أمثالاً كثيرة منها: إن من البيان لسحرا، آفة المروءة خلف الوعد، بلغ السيل الزبى، اشتدي أزمة تنفرجي، رب رمية من غير رام» وفي الفصل الثالث يورد أمثال العامة والمولدين، ومنها: الحاجة تفتق الحيلة، الطير بالطير يصاد، الناس أتباع لمن غلب، وفي الفصل الرابع يورد الأمثال من الشعر المنظوم مرتبة على حروف المعجم.