تلقى كونراد مايكل ريختر الروائي الأميركي اتصالا هاتفيا من ناشره ألفريد كنوف أثار دهشته. كان ذلك في 9 مارس 1961. وعلى الرغم من صداقتهما التي تمتد لما يزيد على عشرين عاما كان كنوف حذرا في اختيار كلماته إذ قال، «أعتقد بأن لدي أخبارا سارة لك».

وخلال دقائق الصمت التي تلت ذلك، كان ذهن كونراد يستقرئ بواطن تلك العبارة، وخمن بأن ناشره سيخبره عن رقم قياسي للمبيعات، أو عن عقد مع أحد نوادي الكتب، أو ربما عقد لتحويل إحدى رواياته إلى فيلم سينمائي. لكنه لم يتوقع أبدا أن يقول له أن روايته الأخيرة «مياه كرونوس» قد اختيرت لجائزة الكتاب الوطني لعام 1961.

وبصرف النظر عن سرعة استيعابه لذلك الخبر، فقد أدرك كونراد مباشرة لم استهل صديقه المحادثة بتمهيد مطول، فحينما فاز كونراد بجائزة بوليتزر عام 1951 عن روايته «المدينة» وهي الجزء الثالث من ثلاثيته «صحوة الأرض»، لم يرافق الجائزة أية مراسم مثل تلبية دعوات عشاء، أو حضور حفل عام.

أما الجائزة الجديدة فتتطلب حضوره لحفل إعلامي سيكون محوره، كما سيتوقع منه إلقاء كلمة. وحينما سأل كونراد صديقه إن كان على الفائز حضور المراسم، كان الناشر حاضر الإجابة ورد بقوله، «حتى فولكنر حضر».

إنما يعطي هذا التمهيد صورة عن شخصية هذا الروائي الذي ولد في مدينة نائية تدعى باين غروف في بنسلفانيا في 13 أكتوبر عام 1890، وتواضعه الجم ورغبته في الاحتفاظ بخصوصيته إلى جانب نفوره وارتباكه من التواجد في محيط يجمع عددا كبيرا من الناس، سيما عندما يكون محط انتباه الجميع.

كان كونراد في طفولته شديد الحساسية، ويشعر بعدم انسجامه مع المحيط، حتى في إطار أسرته، ولطالما تساءل إن كان حقا ينتمي إليها على الرغم من تعلقه وحبه الشديد لوالدته وإخوته. وفي مرحلة المراهقة كان يملؤه الطموح لتحقيق الكثير من أفكاره منها جمع المال لمساعدة والدته في حالة مواجهتها لأية أزمة مالية. وقبل بلوغه العشرين عاما نفذ مشروعا تجاريا عاد إليه بالمال كما توقع.

أما دخوله عالم الرواية والأدب فكانت البداية مع الحكايات التي كان يستمع إليها بشغف عن أسلافه وبدايات بنائهم العالم الجديد. ولم يقتصر مصدر تلك القصص على والدته فقط بل شمل كل من صادفهم من العجائز والمعمرين. وبعد عمله في عدة مهن مختلفة منها سكرتيرا لمسؤول كبير، ومراسلا صحفيا، أسس دارا للنشر،

وبدأ بكتابة القصص القصيرة. ومع نشر مجموعة قصصه الثانية فوجئ كونراد وسر بالنقد الذي كتب عنها. وإن أزعجه وضع صورته إلى جانب العروض الخاصة بكتابه، فقد كان على يقين في قرارة نفسه بأنه مجرد راع أو قروي لا أكثر ولا أقل.

وحينما خسر جميع مدخراته في سوق الأسهم، وافق على العمل في هوليوود وعلى كتابة سيناريو فيلم «المحافظ جولدواين» وذلك بتكليف من شركة إم جي إم التي يملكها ألفريد كنوف أخو ناشره. وحينما تحسنت ظروفه المالية انسحب من هوليوود إلى مدينته الصغيرة للاستمرار في الكتابة.

وحينما كان يسأل عن سر إبداع الكاتب، كان يجيب بقوله، «اخسر كل مالك، واغرق في الديون والفوائد، واحصل على زوجة مريضة تحتاج إلى طبيب وعناية، وطفل بحاجة لمصاريف الدراسة والكسوة. حاول أن يكون كل ذلك خلال فترة ركود اقتصادي، حيث لا يمكنك الحصول على عمل لتنقذ روحك، حينها وبرعاية العناية الإلهية إن كان لديك أي منها، سيأتي إبداعك».

حققت جميع رواياته نجاحا كبيرا ومنها روايته الأولى «بحر العشب» ونشرت عام 1937، والجزء الأول من ثلاثيته التي ورد ذكرها في البداية ونشرت عام 1949. كان ينتج بواقع رواية كل عامين وبصورة منتظمة، ونشر الجزء الثاني من الثلاثية «الحقول» عام 1940، ليصدر الجزء الثالث «المدينة» عام 1950.

ومن الروايات التي حققت شهرة كبيرة أيضا روايته «الضوء في الغابة» ونشرت عام 1953. وبلغ مجموع إصداراته ما يقارب من عشرين كتابا كان آخرها روايته «الارستقراطيون» ونشرت قبل وفاته عام 1968 بوقت قصير. كما جمعت ملاحظاته الخاصة التي دونها على مر السنوات ونشرت في كتاب بعنوان «الكتابة للبقاء على قيد الحياة».

تدور أحداث الثلاثية في مدينة جبلية صغيرة في أوهايو في أواخر عام 1700، حيث كانت الروابط بين السكان المقيمين متينة وذلك قبل أن توجد التكنولوجيا لتربط بين أجزاء البلد، وهذا ما انعكس في عمله. وترصد الثلاثية تحول أوهايو من الطبيعة البكر إلى مزرعة ومن ثم إلى موقع للصناعة المدنية وكل ذلك من خلال حياة شخصية واحدة.

وقد حققت الثلاثية لمؤلفها لقب المؤرخ الروائي. ويرصد هذا العمل حياة السيدة سايورد لاكيت ويللر وعائلتها، ابتداء من هجرة عائلتها من بنسلفانيا إلى جنوب أوهايو. وتبدأ حينما استقرت سايورد على أطراف الضاحية وأصبحت أما لإخوتها الأيتام، وتنتهي بابنها الأصغر تشانسي، الذي أصبح صحافيا في السنوات التي سبقت الحرب الأهلية.

تمر العائلة بالكثير من الانتصارات والمآسي التراجيدية أسوة بما تواجهه العائلات في واقع الحياة سواء في الماضي أو الحاضر. ولهذا سبب نالت ثلاثيته وأعماله الأخرى نجاحا كبيرا حيث يعرض المؤلف كيف يعيش الناس العاديون. أما سرده فقد كان يتجه به دوما نحو الحوار الواقعي للإقليم والزمن الخاص بالحدث، وهذا ما أضاف المزيد من المصداقية للكتاب.

أما شخصية السيدة والأم سايورد، التي تقف دوما ورأسها شامخا وكتفاها مشدودان، فإنها باتت بمثابة رمز للمرأة القوية في الأدب الأميركي، وتفوقت في ذلك على شخصية سكارليت أوهارا. فسايورد هي في الحقيقة العقد الذي يلم شمل عائلتها ومجتمعها. وهي أفضل من يمثل الريادة الأميركية المتمثلة في قوة الشخصية، والسيطرة على النفس والتعاطف مع الآخرين.

وحينما تبدأ حياة الماضي بالتلاشي من حولها، تحتفظ سايورد بكبريائها وقدرتها على تقبل الواقع على الرغم من رفضها لكل مظاهر المدنية وما يدخلها من صناعة وتقنيات تساهم في قلب بنية المجتمع وأفكاره. وهي مثل بلدتها، تكبر وتتطور باطراد وإن تميزت بجرأتها وقوتها منذ البداية، إذ كانت المرأة الوحيدة في منطقتها التي كانت تجرؤ على محاججة الرجال وإبداء الرأي.

ويمكن تلخيص الثلاثية بالقول بأن الجزء الأول «الأشجار»، يعرض صراع البقاء على قيد الحياة واختيار مقر الإقامة وتشييد منزل في البرية النائية، وفي الجزء الثاني «الحقول»، يتم رصد التطور لمجتمع يعيش في عزلة البراري وتحوله إلى الزراعة، أما الجزء الأخير «المدينة» فيأتي ليجمع سيرة الكتابين بتسلسل تاريخي يعرض التحول نحو المدنية.

رشا المالح