لور ادلر، مؤلفة هذا الكتاب هي باحثة فرنسية سبق لها وقدّمت عدة أعمال من بينها «تاريخ للعنصرية» و«رواندة: مذبحة اثنية» وكتاب عن سيرة حياة الروائية الفرنسية الشهيرة «مرغريت دوراس». هذا العمل الجديد كتاب «على خطى حنّة أرنت» يخص، كما يدل عنوانه، أحدى أهم الشخصيات الفكرية في القرن العشرين، أي حنّة أرنت التي قدّمت مساهمات مشهود لها في ميادين السياسة والأخلاق والفلسفة.

وكانت حياة حنّة أرنت مرآة لفكرها، إذ ناضلت ضد النظام النازي في بلدها الأصلي ألمانيا، كما كانت في طليعة المدافعين عن حقوق الإنسان، ومعارضة معروفة لكل أشكال الأنظمة الشمولية وصاحبة العديد من النظريات حول الأخطار التي تهدد الديمقراطية، باختصار كانت امرأة ملتزمة في جميع المعارك الرئيسية للقرن الذي عاشت فيه.

وإذا كانت حنّة أرنت قد انفعلت في الأحداث الجارية فإنها كانت بامتياز فيلسوفة «الهشاشة الإنسانية» هكذا عاشت بكل جوارحها ما صاغته من تنظيرات. و«لهذا دون شك لا تزال أعمالها بعد ثلاثين سنة من وفاتها تثير فينا الكثير من الانفعالات» كما تقول لور ادلر مؤلفة هذا الكتاب.

إن هذه المؤلفة ومن خلال عشرين فصلا تتعقب خطى المفكرة الكبيرة في مسيرة حياتها المليئة ب«المنعطفات» منذ فترة الطفولة وحتى ترسخ صورة المفكرة الفيلسوفة ومرورا بالمحطات الأساسية في فترات المراهقة ثم الطالبة الجامعية المناهضة للنازية والصحافية المناهضة للنازية والمرأة العاشقة حيث عاشت قصة حبّ مع الفيلسوف مارتن هايدغر.

ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب هو أن المؤلفة تعتمد على عدة مصادر لم يتم استخدامها قبل الآن من طرف أولئك الذين اهتموا بحنّة أرنت وبمسيرتها الفكرية، وهم عديدون. ومن أهم هذه المصادر مراسلاتها مع عدد من أصدقائها، مع مقابلة العديد من هؤلاء الأصدقاء. كما أن المؤلفة سارت «على خطى حنّة أرنت» من فترة النضال ضد النازية في ألمانيا إلى فترة المنفى في الولايات المتحدة الأميركية، وحيث أنها قد رفضت في كل حالاتها «الفكر الجاهز» لتصبح بمثابة مرجعية «أساسية» لكل من يهتم بمشارب السياسة الحديثة و بـ «مصير الديمقراطيات»، حسب التحليلات المقدّمة.

وترى مؤلفة الكتاب بأن أكبر الصعوبات التي يواجهها الباحثون في فكر «حنّة أرنت» تتمثل في صعوبة أسلوبها وبأنها تقدم أفكارها بإيحاءات بحيث تدعو إلى التفكير ولا تقدمها جاهزة أبدا. «إنها تريد أن تثير المفاجأة أو التحريض». وكانت مواقفها، كما ترى مؤلفة هذا الكتاب، ممهورة بشيء من التناقض أحيانا،

خاصة فيما يتعلق بمواقفها من «الحركة الصهيونية» ومن «إسرائيل». بل ويتم الذهاب أبعد في هذا السياق حيث تتم الإشارة إلى أن فكر حنّة أرنت يجمع بين بعض مظاهر الفكر التحرري الصريح مثل تأكيدها على أهمية المجالس العملية والمديح الذي كررته حيال المناضلة اليسارية روزا لوكسمبورغ، وبين بعض المظاهر المحافظة وخاصة فيما يتعلق بالتأكيد على التقاليد والموروث في نقدها للثقافة المعاصرة. ولو أنها كانت تأكد في الوقت نفسه على رفضها لهذه التقاليد وهذا الموروث، أي ما ترى به المؤلفة نوعا من التناقض أيضا.

إن حنّة أرنت قد انطلقت في مسيرتها الفكرية من الفلسفة الصرفة حيث كانت قد تلقت الدروس من فلاسفة كبار، ليس أقلهم شأنا هوسرل وياسبرز وهايدغر وقدّمت أطروحة لنيل درجة الدكتوراه عام 1928 عن القديس أوغسطين، ثم انتقلت في اهتمامها إلى الفكر السياسي وقدّمت أحد أشهر أعمالها، بل وأحد أهم المراجع في ميدانه، أي كتاب «أصول التوتاليتارية» بالنسبة للسياسة وكتاب «أزمة الثقافة» في الميدان الثقافي، هذا قبل أن تعود في السنوات الأخيرة من حياتها إلى الفلسفة من جديد في عمل «لم يكتمل» ويحمل عنوان: «حياة العقل».

هذا المسار الفكري الفلسفي توازى مع مسار «جغرافي» قاد صاحبته من ألمانيا إلى فرنسا ثم إلى الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت مرجعا بالنسبة لحنّة أرنت في مجال الديمقراطية. ولكن ليس من أجل تمجيدها وإنما «كي لا تكون فوق النقد». وهي تركز في نقدها على تواطؤ النخب التي لا تتوانى عن استغلال الجماهير.

وتحاول لور ادلر في هذا الكتاب أن تلقي الضوء على علاقة حنّة أرنت العاطفية مع الفيلسوف مارتن هايدغر، وهي العلاقة التي أطلقوا عليها صفة «الفضيحة»، على أساس أن هايدغر كان نازيا، أو على الأقل كانت لديه ميول نازية.

ومهما كانت الصفة التي يمكن نعت هذه العلاقة بها فمن الواضح أنها استمرّت فترة طويلة، إلى حد أن الفيلسوف الفرنسي الكبير الراحل جاك ديريدا، كما تنقل عنه المؤلفة، قد وصف علاقتهما بأنها قصة «هيلويز وابيلار» جديدة، وهذان عاشقان يشابهان «قيس وليلى» غربيين. وكتاب على هيئة تحقيق على مدى أكثر من ستمئة صفحة، لامرأة استثنائية وُلِدت ألمانية وأصبحت مواطنة أميركية، لكنها ظلّت دائما «محبّة» للحياة.

الكتاب: على خطى حنّة أرنت

الناشر: غاليمار ـ باريس 2005

الصفحات: 645 صفحة من القطع المتوسط

Dans les pas d'Hannah Arendt

Laure Adler

Gallimard-Paris 2005

P.645