قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور هارفي غولدبيرغ أستاذ علم التاريخ في جامعة ويسكنسون. وهو مختص بتاريخ فرنسا والحركات الاشتراكية بشكل عام. وفي هذا الكتاب يقدم الباحث صورة متكاملة ودقيقة عن مؤسس الحزب الاشتراكي الفرنسي جان جوريس.
وعلى الرغم من أنه ولد في عائلة بورجوازية ميسورة عام 1859 إلا أنه أصبح قائد الحركة الاشتراكية العمالية الفرنسية لاحقا. وكان قد تزوج من فتاة تدعى لويز بوا وتنتمي هي الأخرى إلى عائلة غنية جدا. وبالتالي فسيرة حياته تنقض الرأي القائل بأن الفقراء هم وحدهم الذين يناضلون من أجل الفقراء.
فقد أثبت لنا التاريخ أن العديد من قادة الأحزاب الشيوعية والاشتراكية كانوا من أصول بورجوازية. ثم يردف المؤلف قائلا: وكان جان جوريس قد درس الفلسفة في البداية إلى جانب زميل آخر له سوف يصبح مشهورا فيما بعد هو: هنري بيرغسون. ثم أصبح جوريس أستاذا لمادة الفلسفة في إحدى الثانويات الفرنسية. ولكنه ترك مهنة التعليم بعدئذ وانخرط في السياسة عام 1884: أي وهو في الخامسة والعشرين من عمره.
وقد انتخبوه كنائب عن الحزب الجمهوري البورجوازي. ولكن بعد ذلك بخمسة أعوام فقط انتخب كنائب أيضا وهذه المرة عن الحزب العمالي الفرنسي. وهذا يوضح النقلة الكبيرة التي تعرض لها خلال خمس سنوات فقط. لكي نفهم كل ذلك ينبغي العلم أن فرنسا في ذلك الزمان كانت مقسومة إلى ثلاثة تيارات سياسية أساسية هي: حزب الملكيين المحافظين، وحزب الجمهوريين المؤيدين للثورة الفرنسية والمضادين للنظام الملكي، وحزب العمال الاشتراكيين الذي كان في بداياته.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبالتالي ففي البداية لم يكن جوريس اشتراكيا وإنما كان بورجوازيا ينتمي إلى صفوف الجمهوريين اعداء الملكيين الذين يريدون العودة إلى الوراء ويكرهون الثورة الفرنسية كرها شديدا لأنها أطاحت بالنظام الملكي الذي حكم فرنسا طيلة قرون وقرون. ثم اندلعت المعارك بعدئذ بين جوريس وبين كبار ممثلي النظام الرأسمالي أو البورجوازي الفرنسي. وخاض الانتخابات عام 1898 ضد صاحب مناجم الفحم ويدعى المركيز دوسولاج.
واستطاع أن ينتصر عليه هذا الأخير بسبب شرائه للأصوات والقيام بحملة دعائية ضخمة ومكلفة وهي حملة لا يستطيع جوريس أن يقوم بمثلها لأنه لم يكن بنفس الغنى. فالمركيز دو سولاج كان يلعب بالملايين. وهنا تطرح مسألة الديمقراطية والفلوس، وكيف يمكن إفساد اللعبة الديمقراطية عن طريق شراء الأصوات بالمال.
وعندما فشل جوريس في الانتخابات ولم يعد نائبا استغل فترة ابتعاده المؤقت عن السياسة لكي يناقش أطروحته لشهادة الدكتوراه في السوربون. وكانت بعنوان: بحث عن حقيقة العالم المحسوس. ثم راح ينخرط في تأليف كتابه الضخم والمشهور تحت عنوان: التاريخ الاشتراكي للثورة الفرنسية.
وعلى الرغم من أن جوريس كان ينكر دائما كونه ماركسيا إلا أنه حرص منذ البداية على توحيد الطبقة العمالية والنقابية الفرنسية. وكان يقول بأن الطبقة العاملة هي محرك التقدم الاجتماعي في البلاد. وشن هجوما صاعقا على الطبقة البورجوازية الرأسمالية التي تستغلها. ومعلوم أنه كان خطيبا مصقعا لا يشق له غبار. وربما لا يوجد أي سياسي معاصر يستطيع أن يحاربه في هذا المضمار.
فعندما كان يصعد على منصة البرلمان الفرنسي كانت الأصوات تسكت كليا، وكان الجميع يخرسون وينصتون إليه وكأن على رؤوسهم الطير كما يقال. وكان الخصم الأكبر لممثلي الكتلة النيابية الرجعية أو الملكية أو الكتلة النيابية الرأسمالية.
كان يسكتهم جميعا بفصاحته وبقوة منطقه وهيبته الشخصية وصوته المجلجل في كل أنحاء البرلمان الفرنسي. ثم يردف المؤلف قائلا: لم يكن جوريس في بداية حياته السياسية اشتراكيا ولا ماركسيا كما ذكرنا آنفا. بل إنه لم يكن ماركسيا أبدا لأن اشتراكيته كانت ذات نزعة إنسانية مؤمنة لا مادية ولا إلحادية. ولهذا السبب انقسمت الحركة الاشتراكية الفرنسية في مطلع القرن العشرين إلى تيارين عريضين: الأول ماركسي شيوعي، والثاني اشتراكي بقيادة جوريس.
ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن النظام السياسي الفرنسي في القرن التاسع عشر حيث ولد جوريس لم يكن مستقرا أبدا. فالتضاد بين أنصار النظام الملكي القديم وأنصار النظام الجمهوري الجديد كان لا يزال على أشده. وأحيانا كان الملكيون هم الذين ينتصرون وأحيانا العكس.
وكان هناك تيار ثالث تابع لعائلة نابليون بونابرت ومؤيد للنظام الإمبراطوري. ومعلوم أن الامبراطورية الثانية بقيادة نابليون الثالث (أي ابن أخ نابليون بونابرت) لم تسقط إلا عام 1870. وكان عمر جوريس آنذاك أحد عشر عاما فقط. ثم تلاها النظام الجمهوري ولكن الملكيين كانوا يسيطرون على مجلس النواب. وبالتالي فالسلطة كانت مشتركة تقريبا بين الملكيين والجمهوريين، بين أتباع القديم وأتباع الجديد.
ولم تحسم الأمور فعلا لصالح النظام الجمهوري إلا في أواخر القرن التاسع عشر عندما يئس الملكيون من إعادة النظام الملكي واعترفوا ولو مرغمين بنظام الجمهورية الفرنسية المنبثق عن الثورة الكبرى. هذا هو الإطار السياسي العريض الذي ولد فيه جوريس ونشأ وترعرع. ولكن كان هناك تيار سياسي رابع قد ابتدأ ينبثق ويتشكل هو التيار الاشتراكي العمالي الناتج عن الثورة الصناعية وازدياد المعامل في فرنسا وبالتالي ازدياد عدد الطبقة العاملة.
هذا التيار لم يكن موجودا تقريبا في بداية القرن التاسع عشر ولكنه أصبح قويا جدا في نهايته. وإليه انضم جوريس قلبا وقالبا بسبب ميله للفقراء والمقهورين والمضطهدين من قبل الطبقات العليا في المجتمع الفرنسي. والرجل كان ذا حسّ إنساني عالي المستوى، وكان قلبه يتألم لآلام المحرومين. وهنا تكمن عظمته الحقيقية.
ولهذا السبب لا توجد مدينة واحدة في فرنسا كبيرة كانت أم صغيرة إلا وفيها شارع يدعى: شارع جان جوريس. وأحيانا توجد عدة شوارع بهذا الاسم داخل المدينة الواحدة. ولا ينافسه على هذا التكريم إلا شخص واحد هو فيكتور هيغو، وربما شارل ديغول أو الجنرال لوكلير إلى حد ما.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد وضع جان جوريس كل فصاحته الخطابية في خدمة الطبقة العاملة الفرنسية. ومعلوم أن العامل كان يشتغل آنذاك أكثر من ثمانين أو تسعين ساعة في الأسبوع! وأما الآن فلا يشتغل أكثر من أربعين ساعة أو حتى خمس وثلاثين ساعة. فلمن الفضل في كل هذا التقدم؟ إنه يعود لجوريس وللحركة الاشتراكية والشيوعية الفرنسية.
كانت الطبقة الرأسمالية الفرنسية تعامل العامل وكأنه عبد لديها. ولم تكن تمنحه أي عطلة وكان يشتغل حتى يوم السبت، ولم تكن له أي ضمانات اجتماعية أو صحية. وكانوا يسرحونه أو يطردونه من العمل متى شاؤوا. ولولا نضال جوريس ومن تلاه من زعماء النقابات العمالية الفرنسية لما تحققت كل هذه الإنجازات التي يتمتع بها العامل الفرنسي حاليا والتي يحسده عليها كل عمال العالم.
أنظر ما يحصل في الصين حاليا وفي بلدان الرأسمالية الصاعدة جنوب شرق آسيا حيث يعامل العمال كآلات وبشكل لا إنساني تماما كما كانت تفعل الطبقة الرأسمالية الأوروبية في القرن التاسع عشر.
في الواقع أن جان جوريس كان ابن الثورة الفرنسية. ولكننا نعلم أن هذه الثورة ولدت تيارين سياسيين الواحد بعد الآخر: التيار الأول كان ليبراليا وبورجوازيا، وأما التيار الثاني الذي تلاه بعد عام 1848 فكان اشتراكيا ثوريا. وكل تاريخ فرنسا الحديث نجد فيه هذا الصراع بيت التيارين الأساسيين المذكورين: أي التيار البورجوازي والتيار الاشتراكي، أو تيار اليمين وتيار اليسار.
ولكن مشكلة جوريس في أواخر حياته هي أنه كان من أنصار الحركة السلمية المناهضة للحرب ضد ألمانيا. وكان يقول بأن هذه الحرب إذا ما اندلعت سوف تكون مضادة لمصالح الطبقة العمالية في كلتا الجهتين: الألمانية والفرنسية. وقال بأنها لصالح البورجوازيين والرأسماليين وتجار الأسلحة واليمين الرجعي. وهذا الموقف المضاد للحرب سوف يكلفه حياته في الواقع.
فقد هاج عليه اليمين المتطرف الفرنسي، أي اليمين القومي الشوفيني الحاقد على الألمان وأرسل له أحد المجرمين. وقد استطاع قتله بسهولة عندما كان مجتمعا مع بعض الرفاق في أحد مقاهي حي المونمارتر الشهير في باريس. وكان يدير ظهرة للنافذة عندما أطلق عليه القاتل رصاصات الغدر والخيانة.
وهكذا ذهب جان جوريس ضحية مواقفه السياسية التي لم تكن مفهومة في وقتها. فالواقع أن مقتله بدلا من أن يدفع حزبه الاشتراكي للابتعاد عن منطق الحرب راح يتبناه وينضم إلى كل القوى السياسية الأخرى لمواجهة ألمانيا. وهكذا تحقق التحالف القومي الفرنسي المقدس على أنقاض جان جوريس وأصبح الشعب كله بيمينه ويساره معبأ لخوض هذه الحرب المدمرة التي ستدوم أربع سنوات: أي الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918).
ولكن بعد أن انتهت الحرب عرف الشعب الفرنسي معنى تحذيرات جوريس واقتنع بأنه كان على حق. فلم تبق عائلة فرنسية إلا وفقدت أحد أعضائها في هذه الحرب الطاحنة. ومعلوم أنه ذهب ضحيتها الملايين في كلتا الجهتين الفرنسية والألمانية وأعادت أوروبا الحضارية إلى عصر الهمجية والبربرية.
هذه هي قصة حياة جان جوريس التي انتهت فجأة عام 1914، أي قبل اندلاع الحرب بثلاثة أيام وكان عمره آنذاك خمسة وخمسين عاما فقط. لقد دفع حياته ثمنا لأفكاره، وهذا أكبر شرف له.
الكتاب : حياة جان جوريس
الناشر: مطبوعات جامعة ويسكنسون 2005
الصفحات: 602 صفحة من القطع الكبير
The life of Jean Jaures
Harvey Goldberg
University of Wisconsin press 2005
P. 602
