في كل مؤتمر أو مهرجان أو اجتماع ثقافي يبعث الحاضرون برقية شكر لراعي المؤتمر ويُرسلون توصياتهم إلى الحفظ، فلا شيء يُنفّذ منها ولا هم يحزنون.

مؤتمرات الثقافة مثل مؤتمرات القمة العربية: قرارات وحبر على ورق وبيانات طنّانة وأوطان محتلة، وأميركا ترعى الجميع كما تهدد إسرائيل الجميع.

هذه المؤتمرات منذ انطلاقها، وحتى اليوم تحوّلت إلى عبء على كاهل الثقافة العربية، فقد كانت تضخ فيها الأموال الطائلة، ويُصرف لها الجهد الكبير ولكن الحصيلة النهائية ضئيلة ولا تستحق الذكر.

حديثنا هذا لا يعني مؤتمراً ثقافياً محدداً، بل ينصب على جميع تلك المؤتمرات التي تستمر عدة أيام وتوزع أعمالها على جلسات صباحية ومسائية ومن ثم حفل عشاء ختامي وبعدها يبدأ موسم التبضع والسفر، حيث تكون الفرصة واسعة للتعرف إلى الجغرافيا الجديدة التي يعقد فيها المؤتمر وكذلك الالتقاء مع معارف لم يجتمعوا منذ مؤتمر بعيد، وها هم اليوم يجددون صداقتهم في عاصمة عربية أخرى.

مؤتمرات الثقافة تلك تعكس حال الثقافة العربية التي استبدلت الحقائق بالمجاملات والنقد بالمديح والكتب بالمجلات الكريستالية، وجعلت الثقافة مجرد إعلام وأخبار.

واليوم يبدو المشهد الثقافي العربي صدى للسياسة، ويمكن القول إن ما يحدث في كواليس السياسة ينسحب على كواليس الثقافة، وفي وقت تكثر فيه الكتب وتتيسر سُبل طباعتها ونشرها تقل المعرفة وتتخلف العقول، وفي مرحلة حرية الهواء والفضاء يضرب الرقيب العربي مقصه الصدئ في عنق الكتاب ليحجب مرور الكلمة.

لو تأملنا عناوين مؤتمرات الثقافة العربية خلال السنوات العشر الماضية لوجدناها وقوفاً على الأطلال ووصفاً للناقة وتمجيداً للتاريخ والأبطال وسيرهم أو في أحسن تلك الأحوال احتفاليات بمرور سنوات على رحيل كاتب عاش مظلوماً فقيراً أو شاعر نُفي بعيداً وحورب طويلاً ولكنه بعد الموت تحول إلى أسطورة وطنية، في حين تغيب عن تلك المؤتمرات مسائل حيوية أبرزها مسألتا التعليم والنشر.

لو أن مؤتمراً عربياً ثقافياً ناقش قضية الرقابة لكان يستحق كل تلك الأموال التي تصرف عليه وكل ذلك الجهد الذي يبذل فيه، لكن فتح ملفات الرقابة يدخل ضمن منطقة المحرمات، وعندما تتسع منطقة المحرمات تضيق مناطق المعرفة ويهيم الناس على وجوههم جهلاً وقلة دراية لذلك تتأخر الأمة ويكثر عدد سجونها وسجانيها ويقل عدد أحرارها وحرياتها.

لقد أفرزت العقلية الثقافية العربية نمطا يشابه النمط السياسي بخطابه التمجيدي القديم المستمد من مدرسة الخمسينات والستينات السياسية وكأن الزمن توقف عند أشخاص بعينهم فتحولوا من رموز ملهمة إلى أحجار تعيق السير.