قام بتأليف هذا الكتاب الصحافي والباحث الفرنسي المعروف بيير بيان وهو مختص بالتحقيقات السرية عن القضايا الحساسة وشؤون الاستخبارات. وقد نشر سابقا عدة كتب عن أعمال بعض المسؤولين الفرنسيين في إفريقيا وبخاصة جاك فوكار. كما ونشر كتابا مهما عن الرئيس السابق فرانسوا ميتران.

ثم أحدث ضجة كبيرة قبل عامين عندما كشف عن فضائح جريدة «لوموند» الفرنسية وكان كتابه بعنوان: «الوجه المخفي من جريدة لوموند». ويقال بأنه تعرض للتهديد بسبب هذه التحقيقات السرية الخطيرة. بل ويروي أنه تعرض لمحاولة اغتيال بسبب كتاباته هذه التي تحرج بعض الشخصيات النافذة أو المراجع العليا. وهو هنا يقوم بالعمل نفسه ولكن بخصوص موضوع يخص استعمار الجزائر.

فنحن نعتقد أن فرنسا قررت استعمار هذا البلد انتقاما لقنصلها الذي أهانه «داي» الجزائر، أي حاكمها التركي، عندما صفعه بمروحة يدوية. ولكن بيير بيان يشرح لنا الأمور بطريقة أخرى ويكشف عن سر خطير ما كان أحد يعرفه سابقا. أو قل لم يتجرأ أحد حتى الآن على الكشف عنه. وقد اضطر لاستشارة الأرشيف السري في فرنسا وانجلترا وبلدان أخرى قبل أن يتوصل إلى حقيقة الأمر.

فالواقع أن ملك فرنسا آنذاك شارل العاشر اتخذ هذه الحادثة البسيطة كذريعة من أجل السطو على أكبر كنز موجود في العاصمة الجزائرية وفي حي القصبة تحديدا. فقد علم عن طريق مخابراته أن «داي» الجزائر حسين باشا كان قد خبأ في مكان ما كنزا من الذهب والجواهر والعملات الأجنبية لا يقدر بثمن.وتقدر قيمة هذا الكنز بأربعة مليارات يورو بالعملة الحالية وهو مبلغ ضخم يسيل له لعاب أي دولة كبرى.

وقد أراد الملك شارل العاشر الاستيلاء على هذا الكنز لأغراض السياسة الداخلية. فقد كان يريد إعادة النظام الملكي الذي أطاحت به الثورة في فرنسا. كان يبغي عودة سلالته التي حكمت البلاد مئات السنين ثم أطاح بها نابليون. ولكن بعد هزيمة هذا الأخير في معركة واترلو الشهيرة أمام الجيش الانجليزي أصبح الطريق مفتوحا أمام عودة الملكية إلى بلاد فولتير وموليير.

ولكي يعيد فرنسا إلى الوراء، أي إلى النظام السابق الذي خلفته الثورة كان على شارل العاشر أن يقنع الشعب الفرنسي بذلك عن طريق الانتخابات. ولكي يربح هذه الانتخابات كان عليه أن يصرف أموالا طائلة لشراء الأصوات! وبما أنه لم يكن يمتلك كل هذا المبلغ المطلوب فإن بعض معاونيه أقنعوه بغزو الجزائر والاستيلاء على الكنز الذهبي الموجود فيها.

وهذا ما كان. ولكن لسوء حظه فإنهم خلعوه عن العرش أثناء العملية وبالتالي لم يستفد منه هو شخصيا. ولكن استفاد منه آخرون وفي طليعتهم الملك الجديد لويس فيليب وبعض كبار العسكريين وأصحاب المصارف والبنوك. ومن بين هؤلاء الجد الأكبر لرئيس أرباب العمل الفرنسيين الحاليين: أي لرئيس الرأسمالية الفرنسية المعاصرة بيير أنطوان سيليير.

وقد قابله المؤلف بيير بيان وقال له الحقيقة. فذهل هذا الأرستقراطي الكبير وقال له بأنه لم يسمع بهذه القصة من قبل ولم يكن يعرف أن جده هو أحد أولئك الذين سرقوا كنز داي الجزائر حسين باشا التركي. ثم يردف بيير بيان قائلا: لقد رفضت عائلة سيليير الأرستقراطية الغنية هذه أن تفتح لي أرشيفها الخاص على الرغم من أنه مر على الحادثة حوالي مئتا سنة ! وهذا موقف عجيب الشكل وغير مفهوم على الإطلاق.

مهما يكن من أمر فإن صناعة الحديد والمعادن الفرنسية قامت على أكتاف الأموال الجزائرية المسروقة. والأنكى من ذلك هو أن قادة الحملة الفرنسية زعموا أنهم ذاهبون إلى الجزائر ليس فقط لتأديب الداي التركي الذي أهان قنصلهم وإنما أيضا من أجل خير البشرية كلها وإدخال الشعب الجزائري في الحضارة! وكانت النتيجة أنهم استعمروا الجزائر لمدة مئة وثلاثين سنة، أي حتى عام 1962 تاريخ استقلال البلاد بعد نضال طويل وحرب تحرير وطنية رائعة ومليئة بالبطولات.

ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن إغراءات كنز الجزائر ابتدأت قبل استعمار البلاد بزمن طويل. ففي عام 1827 ذهب قنصل فرنسا إلى قصر الداي حسين باشا لتقديم التهاني له بأحد الأعياد الإسلامية. وكان القصر يعج بالمسؤولين الرسميين الذين جاؤوا لنفس الغرض. فقد كان هناك مترجمون، ووزراء، وقادة عسكريون، وموظفون كبار،الخ. ولكن قنصل فرنسا بيير دوفال بدا متعجرفا ومتكبرا عن قصد. وكان يبدو كمن يبحث عن حادث أو مشكلة لكي يستفز الداي الذي يحكم البلاد باسم الأتراك العثمانيين. كان يريد أن يثير حادثا دبلوماسيا من أجل افتعال مشكلة بين فرنسا والجزائر.

ولذلك بادر الداي بالطلب التالي: إننا نطلب منكم حماية إحدى السفن التابعة للفاتيكان والتي وصلت بالأمس إلى شواطئ الجزائر، فرد عليه الداي قائلا: أنت تأتي دائما لإزعاجي بقضايا لا تخص فرنسا وإنما تخص دولة أخرى هي الفاتيكان. يضاف إلى ذلك أن حكومتك لم ترد على رسالاتي التي بعثتها لها منذ فترة، فماذا تريد بالضبط؟وعندئذ رد عليه القنصل الفرنسي قائلا:

معلمي (أي ملك فرنسا) لا يرد على شخص من أشكالك!

وكان هذا الجواب يعتبر استفزازا ما بعده استفزاز. وعندئذ تصاعدت حدة اللهجة بين الرجلين وهدده بيير دوفال بأنه سيشتكي عليه إلى الحكومة الفرنسية. وعندئذ جن جنون حسين باشا وفقد أعصابه فضربه بالمروحة الصغيرة التي كانت بيديه. وأصبح هذا المشهد أشهر من نار على علم. بل وتحول إلى لوحة فنية أخاذة على يد عشرات الرسامين. وعندئذ رد بيير دوفال على الإهانة بتهديد الداي التركي شخصيا وقال: أنت لم تهن شخصي وإنما شخص ملك فرنسا، وسوف يكون عقابك صارما.

فرد عليه حسين باشا قائلا: لا أخشى ملك فرنسا ولا ممثله فاذهب وافعل ما تشاء... وعندئذ أمر الداي قنصل فرنسا بالخروج من المكان فورا وعندما سمعت الحكومة الفرنسية بخبر الحادث الدبلوماسي هذا أمرت بيير دوفال بترك الجزائر إذا لم يقدم له حسين باشا اعتذاره عن هذه الإهانة. وبالطبع فإن الداي رفض تقديم أي اعتذار نظرا لوقاحة وصفاقة قنصل فرنسا.

ثم يردف المؤلف قائلا: والحال أنه كان يطالب الحكومة الفرنسية منذ زمن طويل باستبداله وإرسال قنصل آخر محله. يضاف إلى ذلك أن فرنسا كانت مديونة للجزائر بمبلغ من المال وترفض أن تسدد ديونها على الرغم من مطالبة الداي بذلك مرارا وتكرارا.

وكانت النتيجة أنها لم تكتف فقط بعدم تسديد هذه الديون وإنما راحت تغزو بلاده وتستولي على كنوزه الضخمة! ثم راحت الحكومة الفرنسية تنافق وتقول بأن هذا السطو على أموال القصبة كان من فعل الجنود غير المنضبطين الذين شاركوا في الحملة العسكرية. ثم أردفت تقول: إنه حادث عرضي مؤسف ولكنه غير مقصود من قبلنا.

ولكن جميع المؤرخين من بعد عرفوا بأن الحملة العسكرية قد تمت من أجله. والواقع أن داي الجزائر حسين باشا كان يعيش في قصره المحصن الواقع في منطقة القصبة ولا يغادره أبدا خوفا من الاغتيال على يد الجيش الانكشاري الذي لم يكن يثق به. ويقال بأنه ظل أكثر من عشر سنوات معتكفا في هذا القصر مع حرمه وخدمه وحشمه وحراسه لا يبرحه أبدا.

وكان قد جمع ثروة طائلة ووضعها في مكان أمين داخل القصر. ولكن خبر الكنز وصل إلى آذان ملوك المسيحية الطامعين فيه. ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: ولكن كيف تشكل هذا الكنز العظيم يا ترى؟ عن طريق أعمال القرصنة البحرية التي كانت تقوم بها عصابات جزائرية خطيرة ومرهوبة الجانب.

ومعلوم أنها كانت تخيف السفن كثيرا عندما تعترضها في وسط البحر وتهددها وتجبرها على تسليم كل ما تملكه من بضائع ثمينة أو ذهب أو نقود أوروبية. ولذلك وجدوا في الكنز الكثير من النقود الإسبانية والبرتغالية والإيطالية وسواها.

وبالتالي فهذا الكنز لم يكن حلالا في الواقع، ولكن هذا لا يبرر السطو عليه من قبل الجيش الفرنسي. كما ولا يبرر بشكل خاص استعمار بلد بأكمله بعدئذ. فقد كان بإمكانهم أن يأخذوا الكنز ويتركوا البلاد لحالها بدون أن يستعمروها لمدة مئة وثلاثين سنة متواصلة!

الكتاب : السطو على الجزائر

تحريات عن عملية سلب ونهب ـ يوليو 1830

الناشر: بلون ـ باريس 2005

الصفحات : 271 صفحة من القطع الكبير

Main basse sur Alger

enquête sur un pillage - juillet 1830

Pierre Pean

Plon- Paris 2005

P.27