تطرح قضية الاستبداد والتسلط وغياب الحريات في المجتمعات المحكومة بأنظمة شمولية في هذه المرحلة بقوة نابعة من طبيعة المتغيرات الدولية وتنامي الوعي الداخلي بضرورة انتهاء مرحلة الدولة الأمنية وتأكيد حقوق المواطنة وتحقيق الحرية والمشاركة الفاعلة في صنع القرار وإعلاء قيمة المواطنة والقانون،

وفي هذا السياق يأتي كتاب الكاتب والصحافي السوري محمد منصور «الكتاب الأسود للديكتاتورية» الذي يحاول فيه مقاربة ظاهرة السلطة الديكتاتورية من حيث طبيعة أسلوبها في الحكم وممارساتها القمعية وأثر هذه الممارسات على المجتمع والحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية ومنظومة القيم والسلوك وتطور الحياة،

وتتبدى أهداف الكتاب من خلا ل الإهداء الذي يتوجه به إلى كل من قال كلمة حق في وجه سلطان جائر تأكيداً على المعنى الخاص الذي يمثله مثل هذا الموقف على المستوى السياسي والأخلاقي والوطني. يقدم للكتاب الباحث السوري المعروف ميشيل كيلو فيؤكد على غنى مضامين الكتاب وذهابه في تناول ظاهرة الديكتاتورية والاستبداد السياسي بأسلوب يختلف عما سبق طرحه من قبل كتاب آخرين إذ يحاول الكاتب أن يتقصى ويصف تجليات ممارسة السلطة الديكتاتورية وآثارها في الحياة اليومية للمواطنين دون مبالغة أو تصنع

وعلى الرغم من إفادته من كتاب «طبائع الاستبداد» للكواكبي إلا أنه لم يسقط تحت وطأة التقليد أو النسخ لاسيما، وأن الكاتب يتابع تغطية الظواهر الجديدة للديكتاتورية والتي لم يعرفها الكواكبي في زمانه، لكنه بالمقابل يشير إلى محدودية الكتاب في تغطية الآثار المختلفة للديكتاتورية في الحياة العامة للمجتمع .

ويمكن القول إن الكاتب يحاول التأكيد على المعاني المشتركة التي تمثلها ظاهرة الديكتاتورية في العالم وآثارها المدمرة على الحياة والإنسان وذلك من خلال المقتطفات الكثيرة التي يصدر بها فصول الكتاب والرسوم الدالة للرسام الكاريكاتوري علي فرزات ما يسهم في تنوع أدوات التعبير وتكاملها على صعيد الرسالة التي يعمل الكتاب على إيصالها إلى المتلقي.

يتناول المؤلف في تقديمه للكتاب هذه الظاهرة باعتبارها أمراضا مزمنة عرفها التاريخ البشري منذ طغاة اليونان وقياصرة الرومان وصولا إلى هتلر وموسوليني وستالين وأنظمة الاستبداد العربية إلا أن ما يلفت النظر في تاريخ هذه الديكتاتوريات في العالم هو عدم تساوي توزيع ظهور الطغاة في التاريخ من جهة،

ومن جهة أخرى تشكيل هذا الظهور حالات منفردة في أغلب الأحيان في الوقت الذي كان فيه حكم الطغاة يشمل عددا كبيرا من البلدان في مراحل تاريخية معينة مع اختلاف استمرار هذه الديكتاتوريات من بلد إلى بلد آخر ومن الملاحظات الأخرى التي يسجلها الكاتب تحول هذا النظام إلى نظام سياسي عادي لبعض البلدان في وقت كان يجب فيه أن يشكل نظاما سياسيا استثنائيا

وهذا ما جعل تكرار ظهور هذه الأنظمة أشبه بالأمراض والأوبئة التي كان يعم انتشارها بسرعة، وقد جرى استخدام مفهوم النظام الشمولي أو حكم الفرد المطلق قبل خمسين عاما في وصف نظام الحكم الديكتاتوري المتطرف أيام حكم هتلر وستالين إذ كان هذان النظامان يمارسان سيطرة شبه شاملة على المواطنين وحياتهم مستخدمين جميع أشكال المراقبة وقمع الحريات من خلال الشرطة السياسية أو السرية

ويستعين الكاتب بما كتبه محمد جابر الأنصاري في توصيف أكثر أشكال الديكتاتورية خطرا والمتمثلة في ديكتاتورية الفرد وديكتاتورية الأقلية الحزبية أو الفئوية.

الفصل الأول من الكتاب يبحث في ظاهرة الديكتاتورية وموت الزمن لأن هذا الزمن في ظل هذه السلطة يتحول إلى ظل لها، فهو يمشي بطيئا في تجلياته وأبعاده ويلقي بثقله على كل شيء في الحياة من علاقات وأفكار وأشياء وأماكن مع غياب الحرية حتى يصبح حالة نموذجية من حالات الاضطراب المعنوي في الحياة فهو يمتص الحركة

وفي مواقع القرار يمضي معصوب العينين والأذنين حيث الإحساس بألم الناس وحاجاتهم غائب، أما في السجون والمعتقلات فإن الزمن هو لعنة الحياة والوجود المسكونة بالدمار النفسي والجسدي وفي هذا الفضاء المغلق تمارس فنون القهر والإذلال وتحطيم الإرادة الإنسانية والشعور بآدمية الإنسان لدى السجين والسجان معا.

إن الزمن في ظل هذه الأنظمة يسير بقوة الفعل الأمني والانتظار هو سيد الموقف في هذا الزمن حيث يكتسي هذا الانتظار طابع القرف والتمرد والغضب المحتقن إذ أن هناك من تنتظر أن يفرج عن ولدها أو زوجها وهناك من يريد معرفة مصير أخيه أو أبيه المفقود ومن ينتظر أن يرد له ماله المصادر أو حقوقه المدنية التي جرد منها ومن ينتظر العودة إلى وطنه من منفاه القسري لكنه بعد سقوط الديكتاتورية تظهر محاولات استرداد هذه الحقوق إلا أن الزمن الذي ضاع من أعمارهم لا يمكنهم استرداده.

الفصل الثاني من الكتاب يبحث في ظاهرة الفوضى التي تسم هذا النظام على العكس مما يظنه البعض، فهو يبدو لهم شديد التماسك والقوة ومن أجل معرفة صيرورة هذا النظام يرسم صورة للمراحل التي يعيشها هذا النظام بدءاً من وجود حراك سياسي يعيشه المجتمع بقدر من الحيوية وحالة من التوازن السياسي التي تنجم عن وجود مجموعة قوى فاعلة تعيش في حالة صراع دائم تنتهي بصورة تدريجية إلى إمساك فرد من المؤسسة العسكرية غالبا بالسلطة مستغلا ظرفا خاصا تمر به البلاد ومستخدما قوة الجيش في غفلة من حلفائه لتركيز السلطات في يده

وهنا يجري استبدال حركية المجتمع بقوة الأجهزة الأمنية التي تصبح صاحبة الأمر والنهي في جميع مجالات الحياة، ونظرا لكون الديكتاتورية هي حالة اعتداء على القانون فإنها تفتح الباب واسعا أمام التجاوزات والاستثناءات التي تنتهي بخلق حالة من الفوضى، تؤدي بطبيعة الحال إلى استبدال الكفاءة بالولاء المطلق،

لكن ما تناساه الكاتب هو سعي هذه السلطة إلى ممارسة عمليات الفساد الواسعة بهدف ضرب منظومة القيم في المجتمع كشرط لتهديم حصانة المجتمع اتجاه ذلك لتقبل هذا الواقع والانغماس فيه لكي يجري حرف الوعي والسلوك عن دوره في مواجهة هذا الواقع إلى المشاركة فيه والبحث عن المكاسب الخاصة بدلا من النضال من أجل المصلحة العامة.

إضافة إلى أن هذا الواقع الجديد يجعل المسؤولين في أي موقع في دائرة الاتهام ما يجعلهم يتحولون إلى أدوات دائمة الخوف على امتيازاتهم وأنفسهم بسبب معرفتهم بما ارتكبوه من فساد محمي من أجهزة السلطة لاسيما الأمنية منها.

ويتابع الكاتب استجلاء الآثار الواسعة للسلطة الديكتاتورية وفي مقدمتها زرع الخوف في نفوس الناس كمقدمة لبسط السيطرة والإمساك بالسلطة بقبضة من حديد فهذا النهج يشكل عنوانا من عناوين النجاح والاستمرار ولذلك تلجأ إلى محاولات قتل الثقة عند الناس فيما يتعلق بحقهم في الوطن والكرامة الإنسانية كما يحدث ذلك في الاعتقال التعسفي والاعتداء على الناس في الأماكن العامة وسيطرة أجهزة الأمن على كل مرافق الحياة العامة،

الأمر الذي يجعل الشجاعة تصبح سلوكا غير مبرر لأنها تدل على التهور، ومن الممارسات التي يرتكبها هذا النظام تجريد الناس من الشرف عبر شراء الضمائر والذمم والخوف على لقمة العيش ومستقبل الأبناء ما يقود إلى صنع دمى بشرية.

ولا تتوقف الآثار التي تنجم عن الديكتاتورية فئة الرجال بل هي تطال الأطفال والشباب على حد سواء من خلال المنظمات القائمة على التلقين السياسي بحيث تغطي هذه المنظمات فئات المجتمع كلها وهذه المنظمات في واقع الحال ليست سوى أجهزة مرتبطة بالمؤسسة الأمنية وتابعة لها، كذلك يلجأ النظام إلى تسميم أجواء الحياة عبر الممارسات التي ينتهجها في حربه ضد خصومه ومعارضيه ما يؤدي إلى سيادة قيم الكراهية والعداء

ويرى الكاتب إن أول ما يكرهه الناس في ظل الأنظمة الديكتاتورية هو كراهية القانون ورجاله وتكون هذه الكراهية في مؤسسات الدولة هي العملة الرائجة كما يكرهون الإعلام الرسمي بسبب طبيعة مهمته القائمة على تبرير الأخطاء والتغطية على الجرائم المرتبكة،الأمر الذي يجعل الكراهية المضمرة في النفوس تتحول إلى حالة احتجاج سلمي ضعيف وخائف.

إن انعكاسات تلك السلطة تتجاوز الإنسان إلى العمران والسياحة والذائقة الجمالية والبيئة والمكان من خلال الإجراءات الأمنية ومحاولة مراقبة تحركات الناس وسيادة الخوف بالعدوى وأكذوبة مقولة السياحة الداخلية وفقدان الثقة بمصداقية الإعلام التلقيني الساذج لكن الجانب الأكثر مأساوية في هذا النظام هو مفهوم الحوار القائم على محاولة رشوة الطرف الآخر بالمكاسب وبعض الامتيازات وعلى سوء النية والسرية والتكتم

وعندما لا تكون هناك استجابة من قبل الطرف المعارض فإن التهم جاهزة وهي لا تختلف في المضمون عند أي نظام ديكتاتوري كان، ومقابل هذه الممارسات هناك تكريس كلي لمفهوم القائد الرمز حيث يجري منع ظهور أية شخصية منافسة ويجري العمل على خلق أتباع لا يتوانى عن إظهار ضعفهم والتندر عليهم في الوقت الذي يعمد فيه إلى إبراز رجال في موقع أمنية لكنه يختارهم من الذين تورطوا في ارتكاب أعمال إجرام وترويع.

بعد ذلك يطرح الكاتب سؤالاً مركزياً عن البديل الممكن لاسيما في المرحلة التي تلي سقوط النظام والتي يجد الناس فيها أنفسهم في حالة عجز وأنه لا بديل عن الديكتاتور، وإذا كان السؤال عن البديل يمكن أن يكون في نهاية الكتاب إلا إن المؤلف يعود في الفصل العاشر إلى الحديث عن الديكتاتورية وصناعة الانتصارات الإعلامية

ويستحضر في هذا المقام أسماء أهم الرموز التي اشتهرت في تاريخ العرب الحديث بدءاً من الحرب العالمية الأولى كأحمد سعيد ويونس بحري ومحمد سعيد الصحاف ثم ينتقل إلى مجال العلاقة بين الديكتاتور والشاعر كما تجلت في نصوص كثيرة من الشعر العربي المعاصر تظهر ملامح شخصية الديكتاتور وسماته النفسية وهي نصوص تعبر عن الشجاعة في الموقف والكلمة الصادقة، ومن الشعراء الذين اختار قصائدهم بدوي الجبل والجواهري وأمل دنقل وبدر شاكر السياب ونزار قباني ومحمود درويش،

لكنه تجاهل الحديث عن الدور الذي لعبه كثير من الشعراء في مدح الديكتاتور والتغني ببطولاته وأمجاده وانتصاراته وضرورته التاريخية كمنقذ وملهم إضافة إلى أن عدداً من الشعراء السابقين قالوا في مدح السلطة القصائد المطولة التي تغنت بأمجاده ومناقبه العظيمة حيث تندرج هذه الظاهرة في إطار سياسات الترغيب والترهيب التي تمارسها السلطة على المثقف وطبيعة الثقافة التي تمجد الرمز، والفحولة وتعلي من قيمته

والغريب أن الكاتب الذي يعمل ناقدا فنيا يغفل عن الحديث عن استخدام الديكتاتور للفن وفي مقدمته الغناء وسيلة مفضلة للتغني بمناقبه وعطاءاته وأمجاده ومحبة الشعب له، حيث تتحول وظيفة وسائل الإعلام المملوكة من قبل النظام إلى أدوات لا عمل لها سوى تكريس هذه الأغاني وتعميمها للتأثير في وعي الناس ومزاجهم ولكن إلى حين.

مفيد نجم

الكتاب : الصندوق الأسود للديكتاتورية

الناشر : دار كنعان للنشر ـ دمشق 2005

الصفحات : 138 صفحة من القطع المتوسط