عمل المؤلف ماهر راضي، مدرساً بالمعهد العالي للسينما كأستاذ بقسم التصوير وأشرف على تصوير كثير من الأفلام السينمائية إلى جانب عمله ضابطاً في وزارة الداخلية، وكتابه هذا مزيج من الخبرات العملية والدراسات الأكاديمية. وفيه يقوم بتعريف لغة الضوء وعناصرها والأسس العملية التي يستخدمها مدير التصوير ومناهج البناء الضوئي والتأثيرات الضوئية من خلال دراما العمل الفني.

الضوء هو العنصر الأساسي لتحقيق الصورة الضوئية ويتوقف الشكل الفني للصورة على مهارة استخدام الضوء في التعبير عن الموضوع. وقد حدد عالم الجمال سوريو عند تصنيفه الفنون فن الضوء من فنون الدرجة الأولى والتصوير الضوئي من الدرجة الثانية. المصور هو عين المخرج فالضوء هو القيمة الفنية الرئيسية والذي يشكل 90 % من القيمة الفنية للصورة ومدير التصوير هو الوحيد الذي يدرك الشكل الفني الذي يهدف إليه.

ولكي تتحقق الصورة الضوئية وتستوفي شروطها لا بد من أمرين: الجانب العلمي والجانب الفني للضوء وتستوفي الإضاءة هدفها الكمي بتوزيع كمية الإضاءة توزيعا مناسبا وهدفها النوعي بتحقيق الإحساس بالمكان ورسم الجو النفسي والعام ومتابعة الأهداف الفنية والدرامية. عالم الضوء له وجهان مادي وروحي.المعنى المادي نرى من خلاله الأجسام والكتل،

أما المعنى الروحي فيتجاوز الرؤية المادية للعين إلى رؤية أحاسيس الإنسان وتلمس مشاعره.أول من استخدم الضوء تعبيريا هو الإنسان المصري في عهد الفراعنة وقد بنى تصوره للدين ضوئياً : برسوم الصعود إلى السماء عن طريق الأشعة كسلم ، وعن طريق تجلي الإله عبر الشمس التي كان يعبدها.

الضوء في المقابر والقصور والمعابد كان يأتي من السقف. كان ارتباط الضوء بالنظام المعماري ظاهراً في نقطتين: النقطة الأولى بالتدرج من الضوء الشديد إلى الظلام الكامل في قدس الأقداس ( الغموض). الثانية أن الضوء في المعابد كان تعبيرا عن البعث في الآخرة لا عن النور. لذلك اهتم بالزمن وزوايا سقوط الضوء والتباين الضوئي..

أما لغة الضوء في المفهوم السينمائي فهي تعنى بالتأثير على المشاهد وفي العلاقة بين الدراما والعمل السينمائي . لذلك يعنى مدير التصوير بالظروف المناخية السائدة في الوسط البصري وبالطبيعة الجغرافية لموقع التصوير .. ويدرس الكاتب زوايا الضوء فالضوء الأمامي ( المواجه للجسم ) يعطي نفسيا الإحساس بالأمان لعدم وجود ظلال والضوء الأمامي الجانبي يؤدي إلى التجسيم والجانبي الخلفي يقوم بتحديد الأجسام والضوء الخلفي يعطي إحساساً عاطفياً برسم هالة ضوئية حول الممثل

كما يستخدم في حالات التوتر والغموض ، الضوء العلوي يستخدم في تصوير الشخصيات الشريرة الضوء المنخفض ( ضوء الجريمة) يؤدي إلى الإحساس بالخوف والتوتر نتيجة وجود الظلال على الحوائط أكثر ارتفاعا من مستوى الجسم . هناك أسلوبان لتنظيم العلاقات بين الظل والضوء هما: كيارو سكور( كلمة إيطالية تعني الوضوح والغموض ) الذي ينظم العلاقات بين الأبيض والأسود والظل والضوء والتبادل بينها والتبادل بين الموضوع والخلفية وأسلوب نوتان ( كلمة يابانية تنعني المعتم والمضيء) والانتقال بين الفاتح الغامق بهدف الانسجام بين الدرجات اللونية .

يبحث الكتاب في عنصر اللون ودخوله على الضوء والتأثير النفسي للون والوزن البصري للون وخداع النظر والأحاسيس التي تعطيها الألوان فاللون الأحمر لون ساخن ويعطي الإحساس بالحرارة والحيوية واللون البرتقالي لون الاشتعال والإثارة والتوتر واللون الأصفر لون المزاج المعتدل والسرور

كما يستخدم للجبن والحيرة والخداع واللون الأخضر يوحي بالراحة واللون الأزرق يوحي بالخفة وللأجواء الخيالية واللون الأرجواني للحزن وعالم الأحلام واللون البني لون محافظ عموما واللون الأسود يرتبط بالموتى وفقد البصر والغموض واللون الرمادي يوحي بالوقار والأبيض بالطهارة والرقة والسلام.

الرسم بالضوء هو أسلوب فني يستخدم للتعبير عن الأفكار والأحاسيس واهم مواصفات الرسم بالضوء هو تحديد مصدر الضوء والتأكيد على البعد الثالث (العمق) واستخدام أسلوب الكيار سورو والاهتمام بالتجسيم ونسيب التباين وطبقة الإضاءة. أما البناء الضوئي للفيلم فيعتمد على نوع الدراما ومراحل البناء الدرامي ففي الفيلم الكوميدي يميل الشكل الإضائي إلى الأبيض ودرجاته والتراجيدي يميل إلى الدرجات الرمادية والسوداء.

لكل مرحلة من الفيلم إضاءة خاصة ففي مرحلة البداية تزداد مساحات الإضاءة وتنخفض نسبة التباين وفي مرحلة الوسط تزداد نسبة الظلال لازدياد حدة الصراع وفي مرحلة النهاية تزداد نسبة التباين لازدياد عناصر التشويق والإثارة، لكل مشهد توزيع ضوئي (مشاهد الهجوم، مشاهد العقدة، مشاهد الأزمات،مشاهد الذروة)

وهناك عدة أساليب لعرض الأحاسيس والأفكار إلى المشاهد مثل أسلوب العرض عن طريق رسم الجو العام من ديكور وملابس وعادات وطباع ومعلومات ومكان وبيئة وأسلوب الإيحاء والذي يوصل الأفكار بشكل غير مباشر وذلك بدفع المشاهد لاستخدام مخيلته وغالباً ما تستخدم هذه الطريقة في أفلام الرعب .

يفرد الكاتب فصلا لفن البورتريه وخصائص الوجه وتشريحه عارضا أنواع الوجوه ( بيضاوي والطويل ومستدير ومثلث ومثلث مقلوب ومربع ومعين ) واهم صفات الوجه تدرس من خلال الحواجب والعين والأنف والفم .

فالحواجب الثقيلة تدل على نشاط صاحبها بالنشاط الذهني والخفيفة تدل على تقلب صاحبها في الرأي والحواجب العالية تدل على الغرور ونقص التركيز. وللعين عدة أشكال فالعيون الجاحظة للحالمين والفلاسفة والفنانين والغائرة للدلالة على القوة الذهنية والعقل التحليلي والعيون الضيقة تعطي أحساسا بالشك والدهاء والعيون المائلة للدلالة على الخداع والعيون الواسعة تدل على الغرور ، وللأنف عدة أنواع

فالكبير يدل على قوة الشخصية والأنف الروماني يدل على النشاط والأنف الإغريقي يدل على الحساسية والذوق والأنف المستقيم علويا يعطي الإحساس بالطموح والخيال والأنف المستقيم سفليا يعطي إحساساً بالبرودة والكآبة. أما الفم فهو الأهم بعد العين فالشفاه الرفيعة تدل على السيطرة العقلية والشفتان الرفيعتان اللتان تتدلى زاويتهما إلى أسفل نذير سوء الطباع والشفاه الممتلئة والمتجهة إلى أعلى تدل على التفاؤل والممتلئتان تدلان على شخصية عاطفية.

لا يغفل الكاتب شيئا مما يتعلق بفن الضوء التصويري مثل فتحة العدسة وشدة الإضاءة مقرونة بالمعادلات العلمية اللازمة ولا ينسى توابع التصوير من ماكياج وتسريحات شعر وارتفاع كاميرا وديكور..

أحمد عمر

الكتاب: فن الضوء

الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2005

الصفحات : 255 صفحة من القطع الوسط