ساهم في تأليف هذا الكتاب المثير كل من الصحافي كريستيان انغليش الذي يشتغل في القناة الأوروبية للإذاعة والتلفزيون، والصحافي فريديريك تيبو الذي يكتب في العديد من الجرائد الفرنسية. وكلاهما مختص بكتابة التحريات الصحافية عن الموضوعات الحساسة والخطيرة كجرائم القتل، والانتحار السياسي، وسوى ذلك.
وفي هذا الكتاب يتعرض المؤلفان لبعض القضايا التي شغلت فرنسا في السنوات الأخيرة. نذكر من بينها فضيحة المومسات في مدينة تولوز حيث تورط فيها بعض رجال السياسة الكبار كما يقال. ونذكر أيضا قضية ذلك المجرم الذي أرعب باريس وضواحيها لأنه كان يغتصب النساء ثم يقتلهن.
ولكن من أهم القضايا التي ألقى الكتاب عليها أضواء ساطعة قضية انتحار رئيس وزراء فرنسا الأسبق بيير بيريغوفوا. ومعلوم أنه كان مقربا جدا من الرئيس فرانسوا ميتران قبل أن يختلف معه أو يبتعد عنه وتحصل عملية اغتياله المقنعة تحت اسم: الانتحار. هذا هو على الأقل الاحتمال الذي يرجحه المؤلفان في كتابهما هذا. فهما لا يعتقدان إطلاقا بأن رئيس الوزراء السابق قد انتحر.
ويقدمان أدلة عديدة على ذلك. فالرجل لم تبد عليه علامات القلق أو الانهيار العصبي في الأيام أو الساعات التي سبقت انتحاره مباشرة كما زعمت أوساط الرئاسة الفرنسية آنذاك. وإنما كان يتصرف بشكل طبيعي كعادته. ولكن السلطة أيام ميتران أشاعت عنه أنه كان مريضا نفسيا لكي تقنع الناس بخبر انتحاره. ثم يردف المؤلفان قائلين: الكل يعلم أن هذا الرجل كان نظيفا، مستقيما، نزيها، وأبعد ما يكون عن الفساد. ولا يمكن أن نقول الشيء ذاته عن ميتران أو بعض حاشيته وأصدقائه.
والواقع أن بيير بيريغوفوا كان ابن مهاجر روسي جاء إلى فرنسا في بدايات القرن العشرين. وابنه، أي رئيس الوزراء المقبل، كان عاملا عاديا في المصانع الفرنسية. وما كان أحد يتوقع له أن يصل إلى مرتبة رئيس وزراء فرنسا. كان ذلك يعتبر بمثابة المعجزة بالنسبة لأبناء المهاجرين.
يضاف إلى ذلك أنه لم يكن خريج المدارس العليا أو الجامعات الفرنسية كما يحصل عادة للطبقة السياسية هناك، وإنما كان رجلا عصاميا ثقف نفسه بنفسه ثم ارتفع في المناصب تدريجيا حتى وصل إلى أعلاها بجهده ومثابرته وعصاميته. والواقع أنه انخرط في صفوف النقابات العمالية ثم الحزب الاشتراكي منذ بداية حياته العملية. وهذا ما ساعده على الوصول إلى الحلقة الضيقة التي تحيط بالزعيم الاشتراكي فرانسوا ميتران.
ثم أصبح أحد مساعديه المقربين بمرور الأيام. ولذلك فإن ميتران عينه سكرتيرا عاما لقصر الاليزيه بعد انتخابه مباشرة عام 1981. ثم مرت الأيام وعينه ميتران رئيسا للوزراء في نهاية عهده تقريبا. وبعدئذ اندلعت الفضيحة التالية: لقد اتهموه بأنه استغل منصبه السياسي من أجل الاغتناء غير المشروع وشراء شقة فخمة في أرقى الأحياء الباريسية وفي الدائرة السادسة عشرة بالذات.
وراحت الصحافة الفرنسية تناوشه وتحاصره وتشيع عنه الإشاعات حتى عندما كان رئيسا للوزراء. ولم يعد يعرف كيف يعمل. وأحس بأن هناك مخططا يستهدفه. ولم يعد يعرف من أي جهة تجيء الضربة. والواقع أنه لم يكن مذنبا ولم يستغل منصبه لممارسة الفساد أو قبول الرشوة من الأغنياء.
وإنما كل ما في الأمر هو أنه قبل من أحد المليارديرين الكبار قرضا بمبلغ مليون فرنك فرنسي أي ما يعادل الآن مئتي ألف دولار. وذلك من أجل أن يشتري شقته في الدائرة السادسة عشرة. وعندما اندلعت الفضيحة كان رئيس الوزراء بيير بيريغوفوا قد سدد نصف المبلغ وأرجع ديونه كدفعات أولى. وبالتالي فلم يبق له إلا أن يرجع الباقي: أي نصف مليون فرنك فرنسي.
وعلى الرغم من ذلك فإن الصحافة التي لا تعيش إلا على الفضائح والصرعات راحت تتهمه بالفساد. وكانت التهمة ضخمة لأن الرجل كان مشهورا بالنزاهة والاستقامة الأخلاقية. وبالتالي فإن الإشاعة انتشرت في سماء باريس الصاحية كالرعد القاصف أو كالصاعقة. ولم يصدقها أحد في البداية. ولكن وكما قال غوبلز وزير الدعاية لدى هتلر: اكذبوا اكذبوا فلا بد أن يبقى شيء من الكذبة. وبالفعل فقد ابتدأ الناس يقولون: ولم لا، ربما استسلم بيير بيريغوفوا لإغراءات السلطة والمال وقبل الرشوة مقابل خدمة قدمها لهذا الملياردير الذي لا يشبع من المال...
وشاءت الصدفة أن يكون هذا الملياردير الصديق المقرب لفرانسوا ميتران منذ شبابه الأول. كان أقرب المقربين إليه. وكان غنيا جدا. وقد استفاد من صديقه الرئيس في عقد الصفقات المربحة والمشبوهة في آن معا. وبالتالي فإن انتحار بيير بيريغوفوا جاء لكي يغطي على فضائح الرئيس نفسه لا على فضائحه هو، بمعنى آخر لقد دفع الثمن نيابة عن ميتران. وميتران كان داهية وخبيثا جدا في بعض الأحيان.
ثم يردف المؤلفان قائلين: كل الدلائل تشير إلى أن رئيس الوزراء السابق نُحِر ولم ينتحر. لقد قتلوه بكل بساطة لكي لا يفشي بعض الأسرار التي قد تحرج سيده الأعلى: أي رئيس الجمهورية فرانسوا ميتران نفسه. هذا كل ما في الأمر، لا أكثر ولا أقل. ولم يكن الرجل مريضا نفسيا على عكس ما أشاعوا. ولم يكن مصابا بانهيار عصبي بسبب حملة الصحافة عليه. فقد كان واثقا من براءته وليس خائفا من أحد.
ولكن الظروف تألبت عليه وكانت أكبر منه. وجماعة ميتران كانت لا تزال قادرة على الضرب إذا ما لزم الأمر. وأكبر دليل على أنه قتل ولم ينتحر هو أن أحد الجواسيس المشهورين كان موجودا في المنطقة التي مات فيها بشكل مشبوه ويدفع إلى الشك والارتياب. فلم يكن هناك أي مبرر لوجود هذا الجاسوس الخطير في ذلك المكان الذي سقط فيه بيريغوفوا صريعا برصاصتين. ومعلوم أن هذا الجاسوس المتعاون مع المخابرات الفرنسية كان متهما بارتكاب عدة جرائم قتل.
وقد وجدوه، هو الآخر بدوره، مقتولا بعد انتحار بيريغوفوا المزعوم. وبالتالي فقد صفوه لكي لا يفتح فمه يوما ما. والله أعلم. فهذه القضايا خطيرة ومعقدة، وحساسة جدا جدا. ومعلوم أنها كثرت في أواخر عهد ميتران. فمستشاره للشؤون الخارجية والاستخبارات فرانسوا دو غروسوفر وجدوه مقتولا في الاليزيه قبل نهاية عهد ميتران بفترة قصيرة.
وهذه المرة كان خبر الانتحار صحيحا. ولكن لماذا انتحر يا ترى؟ لا أحد يعرف بالضبط. وربما لن يعرف أحد الحقيقة قبل ثلاثين أو أربعين سنة عندما تكون الأمور قد هدأت وكل الأشخاص المعنيين قد ماتوا. عندئذ يظهر مؤرخون جدد وتتكشف الأرشيفات السرية وتعرف الحقيقة، أما اليوم فلا.ثم يتحدث المؤلفان بعدئذ عن قضية أخرى لا تقل خطورة ألا وهي اغتيال النائبة الفرنسية يان بيا في شهر فبراير من عام 1994. وهذه هي أول مرة تغتال فيها امرأة ونائبة منتخبة من قبل الشعب.
فالحياة السياسية الفرنسية شهدت بعض عمليات الاغتيال في تاريخها كبقية البلدان ولكنها كانت محصورة بالرجال فقط. فلماذا قتلوا هذه المرأة؟ لسبب بسيط: هو أنها كانت قوية الشخصية وتريد إصلاح الأوضاع السياسية والأخلاقية في منطقة الشاطئ اللازوردي جنوب فرنسا. وهذا ما أزعج بعض أعضاء الطبقة السياسية المحلية وبخاصة تلك المرتبطة بالمافيا. ومعلوم أن أعمال الرشاوى والفساد منتشرة بشكل خاص في تلك المنطقة من مناطق فرنسا بسبب قربها من إيطاليا حيث تنتعش المافيا.
يضاف إلى ذلك أن تجارة المخدرات شائعة هناك أيضا. كل ذلك حاولت النائبة يان بيا أن تقضي عليه. وعندئذ احمرت عليها الأعين وابتدأوا يفكرون جديا باغتيالها. ثم يردف المؤلفان قائلين: ولكنهم لم يفعلوا ذلك فورا وإنما بعد أن حذروها عدة مرات لكي تتراجع عن ملاحقة المافيا. وعندما رفضت أخذوا يخططون لتصفيتها. وفي أحد الأيام تلقت تهديدا جديا بالقتل. ثم تكرر أكثر من مرة، وعندئذ ذهبت إلى عند رئيس الشرطة في المدينة وأخبرته بالموضوع. فوضع تلفونها تحت جهاز التنصت وأمر المخابرات بحمايتها عن بعد.
ثم تراخت أعمال الحماية بمرور الزمن. وعندئذ عادت المافيا إلى ملاحقتها والتجسس عليها. وكثيرا ما كانت تفتح نافذتها ليلا فتجد بعض الأشخاص يدورون حول بيتها بعد أن دخلوا إلى حديقة المنزل. وعندئذ شعرت بالرعب فعلا وخافت على ابنتها التي كانت تعيش معها أكثر مما خافت على نفسها.
فالمافيا كثيرا ما تهددك بأولادك قبل أي شيء آخر لأنها تعرف أنهم أعز عليك من نفسك. وفي أحد الأيام كانت «يان بيا» عائدة إلى منزلها بعد انتهاء عملها في المكتب وسط المدينة. ولم يكن معها إلا سائقها الذي يقود السيارة. وفجأة اقتربت دراجة نارية من سيارتها وكان على ظهرها شخصان. ثم أطلقا النار عليها فلم يصيباها إلا بشكل هامشي. وعندئذ عاودا الكرة واستهدفاها بشكل جيد وأصاباها في الرأس والصدر والقلب.
ثم ضربا السائق حيث أصاباه في فخذه. وعندئذ جن جنونه ولم يعد يعرف ماذا يفعل. فتوجه مباشرة إلى مركز الشرطة حيث أنقذوه في آخر لحظة. ولكن النائبة كانت قد ماتت منذ دقائق عديدة. وأحدث موتها صدمة كبيرة في فرنسا. ولا يزالون حتى الآن يبحثون عن القاتل الحقيقي.
الكتاب : قضايا لا تزال عالقة
الناشر: فيرست ايديسيون باريس 2005
الصفحات : 294 صفحة من القطع الكبير
Affaires non-classées
Christian English et Frédéric Tibaud
First Editions - Paris 2005
P.294
