في آخر أعماله «حياتان»،الصادر عن دار هاربر كولينز، يرسل الروائي الهندي الأصل «فيكرام سيث» رسائل مهمة عن حياته العائلية على الرغم من أنها لا تبدو تماماً على هذا النحو (من وجهة نظر بعض النقاد). إلا أنها تنجح في إلقاء الضوء على تاريخ قرن بأكمله، أي القرن العشرين، من خلال وصفه لحياة شخصيتين مغمورتين تاريخياً معروفتين بالنسبة له.
تقول، جورج إليوت: عندما تكتب عن حياة أشخاص ليس لهم تأثير قوي في التاريخ. أناس ينامون بسلام في «قبور لا يزعجهم فيها أحد» تكون لديك حينئذ الحرية الكاملة للنبش في تفاصيل حياتهم على نحو لا يمكن أن يفعله أي مؤلف سيرة على الإطلاق. كذلك يأتي عمل مثل «حياتان» الذي تتداخل فيه التفاصيل وحتى الأشكال الإبداعية ليصنف بين، الرواية والمذكرات الشخصية والسيرة، مانحاً شخصيتيه فرصة التعبير عن نفسيهما وعن العالم الخارجي بذكاء على الرغم من إخفاقاته الجانبية حسب اعتبارات النقاد. إلى أين ينتمي كل من شانتي وهني، إن لم يكن إلى عائلتيهما وأصدقائهما؟
في كتابه «حياتان»، يلقى فيكرام سيث الضوء على حياة كل من شانتي سيث، عمه الأكبر وزوجته، هني . وهو ما استطاع أن يجمعه من تفاصيل كان قد عثر عليها مكتوبة كرسائل أو شفهية خلال إقامته الطويلة معهما في لندن. لقد ترك شانتي، الشاب، دلهي أو موطنه الأصلي الهند مثلما فعل أحد أقاربه قبل 40 سنة متوجهاً إلى أوروبا لإكمال دراسته . وعلى الرغم من أنه لم يكن يتكلم الألمانية، إلا أنه قبل للدراسة في أحد معاهد طب الأسنان في برلين وظل يعيش في العديد من الأماكن هناك. أثناء إقامته بمنزل إحدى العائلات وتعرف إلى ابنتها الشابة، هني، المخطوبة إلى شاب آخر.
كأجنبي يعيش في ألمانيا الرايخ الثالث يمنع شانتي من ممارسة مهنة طب الأسنان وكل ما يتعلق بها من القيام بأنشطة دراسية وبحثية فيغادر إلى بريطانيا مكرهاً. في الوقت ذاته تواجه عائلة هني سلسلة من المشكلات السياسية والاجتماعية يفقد على إثرها أفرادها صلاتهم بالناس من حولهم وبوظائفهم ما يضطرها إلى إرسال ابنتها التي تعاني من مشكلة عاطفية إلى لندن للإقامة مع أسرة بريطانية وعلى نحو لم يكن متوقعاً يلقى بقية أفرادها حتفهم في المعتقلات.
في تلك الفترة يلتحق شانتي بإحدى الوحدات الطبية العسكرية ويسافر إلى دول أخرى كمصر وسوريا وعلى نحو مفاجيء يصاب في إحدى المرات أثناء وجوده في، مونتى كاسينو، فيفقد ذراعه اليمنى. على الرغم من صعوبة الأمر حيث لايمكن لطبيب أسنان العمل بيد واحدة، إلا أنه يحصل في النهاية على وظيفة مناسبة في إحدى المؤسسات البحثية.
غير أن طموح شانتي يقوده إلى العودة لممارسة مهنة طب الأسنان مقتدياً بطبيب آخر تبتر ذراعه في الحرب العالمية الأولى فيواصل العمل بيد واحدة متحدياً واقعه الأليم. إن تلك التطلعات تحمله على مواصلة المسيرة على الرغم مما كان يواجهه من ضغوط عملية ناجمة عن العمل في المؤسسة البحثية والعمل في منزله بشكل خاص.
عندما يلتقي كل من شانتي وهني في لندن يتزوجان سنة 1951. في هذه الأثناء يعرف القارئ أن شانتي ظل يراسل حبيبته المخطوبة ستة أعوام دون انقطاع ولم يكن قد تجرأ على مفاتحتها في أمر حبه لها إلا في نهاية الأمر خوفاً من أن تكون العلاقة بينها وبين خطيبها السابق قائمة، غير أنهما ما أن يلتقيان حتى يعلم بأن، «هانز»، قد تركها لكي يتزوج من فتاة بولندية.
هذه القصة التي لم يتوقع سيث مطلقاً الاستماع إليها بتفاصيلها، حيث إن هني لم تكن مميزة بالصمت والتكتم على ماضيها فقط بل إن ما فعله زوجها شانتي بعد موتها كان أكثر إثارة للخوف من عدم الوصول إلى شيء.
بعد موتها يهم شانتي بحرق صورها وكل تذكار يعود إليها. إلا أن ثمة ما يساعد سيث على معرفة تفاصيل تتعلق بحياتها. في صندوق يعثر عليه مخبأً في غرفة تحت سطح المنزل تقع عين سيث على كومة من الأوراق المهمة. كانت تلك الأوراق مما يخص زوجة عمه،الأرمل الكئيب . كانت هني تحتفظ بمجموعة من الرسائل والوثائق التي تعودت على أن تضمنها أسرارها الشخصية التي لم تكن تجرؤ على البوح بها لزوجها، أسرارها الخاصة التي تسنى لسيث أن يطل من خلالها على عالمها الحقيقي .
قصة حياتها، فقدها لحبيبها الأول،علاقات عاطفية عابرة تباعد المسافة بينها وبين زوجها أحياناً، وسلسلة الأمور الفاجعة التي تتعرض لها في حياتها. لكن يبقى أن أكثر التفاصيل المتعلقة بحياة هني هي التي تدور حول علاقتها بأصدقائها القدامى في برلين الذين لم ينجح أحد منهم في إنقاذ أفراد أسرتها من الموت.
إن شيئاً كتأكيد سيث على أهمية الروابط العائلية يبدو أمراً مفروغاً منه وعلى الرغم من ذلك فهو لا يتوانى في الاعتراف بأن التحركات التي يقوم بها الأفراد خارج نطاق حياتهم العائلية من شأنها أن تجعل العالم أكثر إنسانية وأمنا على الرغم مما يعترض طرقهم من مشكلات كالفقر والخوف والألم والظلم.
إن هني، على سبيل المثال، تشعر بالألم والكآبة نتيجة ما واجهته من أحداث مفجعة، إلا أنها بعيداً عن ذلك تظل متعلقة بعالمها، متوارية فيه فهو كالجنة بالنسبة لها . لقد التقى كل من شانتي وهني وهما المنتميان إلى عالمين مختلفين وعلى الرغم من ذلك توحدا لينتميان في النهاية إلى عالم خاص بهما يثير فضول سيث الذي يسعى إلى الكشف عنه.
يقول: إلى أي عالم ينتمي كل من شانتي وهني، إن لم يكن إلى عائلتيهما وأصدقائهما؟ إن أياً منهما لا ينتمي إلى عالم تقليدي . فهو لا ينتمي إلى الهند وهي لا تنتمي إلى ألمانيا. لقد ابتعدا عمن حولهما من الناس وصارا ينتميان إلى عالم أكبر أعادا تأسيسه على التنوع والاختلاف المؤديين إلى الانسجام التام.
غير أن سيث يتساءل من جهة أخرى عما إذا كان هذان الاثنان روحين في جسد واحد. الواقع أنهما كما يرى روحان كونيتان، مواطنان عالميان أزيلت بينهما الحدود وفتحت أمامها أبواب الحياة ليطلا منها على العالم بدلاً من الإطلال على ذاتيهما . إن كلاهما أجنبي، منفي وجد في الآخر صورته الحقيقية. إن الموضوع الرئيسي لهذا العمل يدور حول حياتين تجمع بينهما خلفية مشتركة، فنحن نعيش في مجتمع إنساني عالمي واحد يشمل الناس من كل الثقافات، وفي هذا المجتمع يمكن لأحدنا أن يختار الآخر الذي يشبهه أو يختلف عنه.
بداية يقول سيث إنهما اجتمعا حول ما يفرق بينهما من الاختلافات الثقافية، كانت تلك الاختلافات تشير إلى التشابه أكثر منها إلى التنافر ثم تمكنا فيما بعد من إضافة نكهة أخرى إلى حياتهما المشتركة بالوصول بها إلى مستوى الطبقة الوسطى في المجتمع الإنجليزي . وكما هي حياة الآخرين ظلت حياتهما تراوح بين الجزر والمد. إن أسراراً أخرى لا تزال خافية عنا وهو ما يبدو أن سيث يشعر من أجله بالقلق. إن هذه الحياة لم تكن تخلو من المعاناة من القلق والعزلة والتجاهل.
بنشره، «حياتان»، يتحدى فيكرام سيث مقولة المؤلف الذي يتمسك بكتابة نوع أدبي واحد. فقد صدر له قبل ذلك كتاب في أدب الرحلات «من بحيرة السماء» إضافة إلى ملحمته الروائية الشعرية «البوابة الذهبية» ونص أوبرالي «أريون والدولفين». ولا ينسى قارئ سيث على الإطلاق رائعتيه الروائيتين «صبي مناسب» و«موسيقى متناغمة».
والحقيقة أن كتابه «حياتان»، لم يكن ليقدر له الظهور بمستوى ممتع حقاً لو لم يكن سيث نفسه كاتباً متميزاً. إن ما يقدمه لنا هنا هو لغة بسيطة جميلة استطاع من خلالها أن يجسد صورة حقيقية لشخصيتين تظلان ماثلتين في الذهن. في هذا العمل تبدأ الأحداث بالتركيز على التفاصيل الصغيرة الدقيقة ثم تتسع دائرتها لتشمل تنقل شخصياته وحياتها في أكثر من بلد بكل ما تتضمنه من موضوعات تتعلق بما شهده القرن العشرون. يضاف إلى ذلك أن هناك قصص حب وصداقة وخيانة، وبحثاً في الهوية والمنفى والإغتراب وكسراً للحواجز العرقية.
الكتاب: حياتان
الناشر: دار هاربر كولينز للنشر لندن 2006
الصفحات: 512 صفحة من القطع الكبير
Two Lives
Vikram Seth
HarperCollins - London
P. 512
