على هامش نشر آخر إصداراته «حياتان» عن دار هاربر كولينز في لندن أجرى محرر «صحيفة الغارديان» حواراً مع الروائي الهندي فيكرام سيث تحدث فيه عن تجربته في تأليف هذه الرواية ومبررات الكتابة حول حياة اثنين من أفراد عائلته.
بوصفه الابن المدلل لعائلته العريقة، فإن ذلك يمنح فيكرام سيث الفرصة للتأمل في شخصيتي كل من عمه وزوجته اللتين تظهران في روايته الجديدة. نتساءل: هل يسعى إلى تزويدنا بوصف كامل لحالة الإنغلاق التي استمرت طويلاً؟.
تتصل الفكرة الأساسية لرواية فيكرام سيث الأخيرة «حياتان» بكل من «شانتي، وزوجته هني»، اللذين أقام معهما في منطقة هيندون شمال لندن، عندما كان في السابعة عشرة من عمره قادماً من الهند بهدف إكمال دراسته العليا في تاونبريدج. إلا أن حياته معهما ولدت فيه رغبة جامحة للتعرف إلى كل منهما ومن ثم الكتابة حولهما.
شانتي طبيب أسنان غادر مدينته دلهي بالقطار متوجهاً إلى أوروبا، وعلى الرغم من فقده إحدى ذراعيه في، مونتى كاسينو، أثناء تطوعه للخدمة في الفريق الطبي في الحرب العالمية الثانية، إلا أنه استمر في وظيفته حتى وصل إلى سن التقاعد.
أما زوجته فهي يهودية ألمانية فرت من ألمانيا سنة 1939، قبل إلقاء القبض على شقيقتها وأمها وإرسالهما إلى المعتقل. وكان سيث قد أمضى القسط الأكبر من سنوات حياته الست الماضية في محاولة لإعادة تركيب تفاصيل حياتهما الزوجية اعتماداً على رسائلهما ومذكراتهما ومقابلاتهما التي تسنى له إجراؤها مع عمه قبل موته.
إلا أنه لم يشعر بالرضا التام عما فعله على الرغم من الجهود التي بذلها. يقول تعقيباً على ما توصل إليه: «الحقيقة أنني لست متأكداً من أن أي منا يمكنه فهم حياة بأكملها، حتى لو كانت حياته».
بمحاورته حول هذا التاريخ الطويل، يراودك شعور بأن سيث ما يزال إلى اليوم الابن المدلل في عائلته الممتدة. والحقيقة أن تاريخه العائلي هو ما حرضه على كتابة ملحمته الروائية «صبي مناسب»، الأطول بين رواياته المنشورة إلى الآن، وفي هذه السلسلة يستمر اعتداده بأصوله وموروثه.
يقول بنبرة يشوبها الحماس الصبياني على الرغم من سنواته الثلاث والخمسين «إن عائلتي هي الشيء الأهم في حياتي. هذا الموضوع يشكل أكثر من مجرد مصدر لكتابتي. والواقع أن الشعور بأنني ابن تلك العائلة كان يراودني باستمرار. أتصور أنه شعور يوجد في كل عائلة ممتدة، سواء كانت إيطالية أم يهودية أم هندية. لا يوجد شعور بالاستقلالية. تشعر باستمرار بأنك طفل مدلل لأبوين، حتى لو كانا غير موجودين على قيد الحياة».
أسأل عما إذا كانت « حياتان » التي يسعى من خلالها إلى التأكيد على فكرة الخلود عبر الأجيال تأتي متأخرة عن موعدها بعض الشيء.
يجيب أنه لا يوجد لديَّ أبناء على الرغم من أن من المفترض في من هو في مثل سني أن يكون جداً، وبالتالي فالمسألة لم تكن سوى سؤالي لنفسي: متى أصبح مؤهلاً لقول شيء؟ أعتقد أن هذه هي المرحلة التي أعنيها. إنه أول عمل ذاتي، بعيد عن الخيال وشديد الذاتية.
إن كتابة المذكرات تحتاج فعلاً إلى الكثير من الرزانة. حيث الموضوعات التي تحتاج إلى أجوبة موضوعية محددة. يمكنك القول بأن هذه المسألة تطلبت منه وقتاً أطول مما يمكن تصوره. ككاتب كان سيث قد يتعمد البقاء لصيقاً بأبويه.
فبعد دراسته في إنجلترا ثم دراسته عشر سنوات أخرى وهو في العشرينات بجامعة ستانفورد الأميركية بكاليفورنيا، حيث كتب رواية «البوابة الذهبية» المستوحاة في جوانب من جوهرها الشاعري من قصائد بوشكين، عاد إلى بلاده ليكتب رواية « صبي مناسب» وليعيش وهو في الثلاثينات في الغرفة التي أمضى فيها طفولته، مستحضراً عوالم ضائعة. بالعودة إلى هذه الجزئيات، أتساءل عما إذا كان ما فعله طوال تلك السنوات شيئاً غريباً.
يرد «بالتأكيد، إنني أنظر إلى تلك المرحلة في الواقع على أنها نوع من المراحل الإستحواذية في حياتي. لقد قررت أن أنهي رواية (صبي مناسب) في غضون سنة أو سنتين، إلا أنها تأخرت».
ولكن كيف كان وقع ذلك على أبويه، أمه أول امرأة هندية تقلدت منصباً قضائياً رفيعاً، وأبوه تاجر الأحذية الشهير؟ يضيف :«على الرغم من أنني لست متأكداً من ارتياح أبوي لفكرة عودتي إلى الهند. إلا أنهما قبلا بها». لقد قالا «إن بإمكانك أن تتناول الطعام معنا، وأن تحصل على الفراش، نحن سنسعى من جانبنا إلى حمايتك من أعين المتطفلين من الجيران».
رغم أنني أقول له أنك تعني أنها كانت بشكل أو بآخر حياة عزلة، أو على الأقل حياة من يتحمل الآخر رغماً عن أنفه. إلا أن سيث يعتقد من جانبه أن ذلك ما يميز حياة الروائيين. لقد كان ابواي يستقبلان ضيوفهما، فيما أنا أجلس في غرفتي، لكي أكتب لأيام طويلة. والأسوأ من ذلك أنني لم أكن اسمح لأحد بالإطلاع على ما أكتب قبل إكماله.
في مرحلة مبكرة من حياته، تعلق بالرياضيات ولا يزال كذلك إلى اليوم. يقول: «إنني مغرم بالتفكير والتأمل على نحو ما يحدث في معالجة المسائل الرياضية. كذلك أتعامل مع صفحة الشطرنج في الجريدة. ذلك يساعدني على الاسترخاء».
الواقع أنني في أمس الحاجة إلى التأمل المفضي إلى أي شيء لكي يمكنني مواجهة كسلي الفطري. وعلى سبيل المثال، أصبحت مغرما بفكرة الخط فتعلمت لغة المندارين. والسباحة. على الرغم من ولعي، الواضح بالاختلاء بنفسي والجلوس لفترات طويلة للكتابة، إلا أنني، مغرم كذلك بمشاهدة المسلسلات البوليسية أو مباريات كرة القدم الأميركية التي تعرض في أوقات متأخرة من الليل وما شابه.
يضيف أن كل رواياته أبصرت الحياة على هذا النحو. بالطريقة نفسها كانت تعلن عن نفسها على نحو لا يمكن تجاهله.
قبل موت عمه وزوجته كان يدرك أنه سيكتب عنهما، فهو يعتقد أن ثمة ما كان يثير انتباهه إليهما بالإضافة إلى قصة حياتهما الحقيقية.
يستأنف «عندما تكتب عن أشخاص لم يكن لهم تأثير بالغ في التاريخ، أولئك الذين لا يزعجهم أحد في قبورهم، على حد تعبير جورج إليوت، لابد وأن تترك لك حرية التنقل التامة في تفاصيل حياتهم على نحو لا يستطيع القيام به أي مؤلف سيرة تقليدي.
بالنسبة لعمي، فإن أهم التفاصيل إضافة إلى ما حدث له في الحرب العالمية الثانية، تتعلق بالعشر سنوات الأخيرة من حياته، عندما كان في الثمانين من عمره، بعدما ترمل وظل يسيطر عليه الحزن والوهن والوساوس وما إلى ذلك».
صورة عائلية
عندما تحدثت إلى العم شانتي بشأن شقيقة الأكبر راج ، وزوجته تشاندا، كانت إجابته جذابة بالنسبة لي. كانت جدتي تشاندا سيث ،التي اعتدت على مناداتها بعبارة «أما » الجدة الوحيدة التي عرفتها في حياتي كانت السيدة روبا ميهرا الشخصية الرئيسية في روايتي « صبي مناسب » مبنية عليها .
لم تكن هذة الرواية التي نشرت بعد سنوات قليلة من رحيلها مهداة لروح أبوي فقط وإنما لروحها أيضا. أما بالنسبة لجدي الأسطوري فقد كان مجرد ذكر اسمة كافياً لحملها على البكاء إلى أن يحمر أنفها . حيث أن أي معلومات عنه لا بد أن تضيف شيئاً ولو كان قليلاً إلى الصورة التي عكفت على ترقيعها لسنوات طويلة.
أما الصورة التي تتراءى لي من خلال الوصف الذي يقدمه له العم شانتي فهي صورة الرجل العاقل العملي ، المستقيم ،السريع الغضب ، القليل الاحتمال ،الحنون المدمن إلى حد ما على عمله . كان يعمل في محطة القطارات بوظيفة مهندس رئيسي وكان لديه قرص فضي صغير يسمح له بالصعود إلى أي قطار.
مقتطف من رواية « حكايتان »
