مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي الأميركي كونراد بلاك. وهو هنا يقدم سيرة ضخمة عن واحد من أهم الرؤساء الأميركيين في القرن العشرين: فرانكلين روزفلت. وهو الرئيس الوحيد الذي انتخب أربع مرات متتالية كرئيس للولايات المتحدة الأميركية. وكان ذلك لأسباب استثنائية نظرا لاندلاع الحرب العالمية الثانية واضطرار أمريكا للمشاركة فيها بقيادة هذا الرئيس الفذ. أما بعده فلم يعد ممكنا لأي رئيس أن ينتخب أكثر من مرتين.

يبتدئ المؤلف بإعطاء لمحة عامة عن نشأة روزفلت ويقول: إنه الرئيس الثاني والثلاثون للولايات المتحدة الأميركية. وقد ولد عام 1882 ومات عام 1945 عن عمر يناهز الثالثة والستين. وقد انتخب رئيسا أربع مرات متتالية: عام 1933، 1937، 1941، 1945. ومات قبل أن يكمل فترة رئاسته الرابعة. ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن الشيء الغريب العجيب هو أنه استطاع أن يقود أكبر بلد في العالم وهو رجل مقعد ومشلول !

ففي عام 1921 أي عندما كان في التاسعة والثلاثين من عمره أصيب بمرض خبيث جعله مقعدا طيلة حياته كلها. والواقع أنه كان يقضي العطلة الصيفية في كندا عندما حصل له هذا الحادث بعد أن استحم في الماء وسبح بطريقة خطرة. وبعدئذ فقد استخدام فخذه الأيسر ولم يعد قادرا على القيام والجلوس إلا بمساعدة العكازات.

وهكذا توقف نشاطه السياسي لمدة سبع سنوات في الحزب الديمقراطي. ومعلوم أنه كان أحد أعضائه البارزين، بل وانتخب على لائحة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ عامي 1908 و1912. وقد عينه الرئيس ويلسون وزيرا للبحرية أو نائب وزير بالأحرى. وأثبت عندئذ مهارته وكفاءته في إدارة شؤون وزارته. فقد ساهم في زيادة القوات البحرية للجيش الأميركي ودعم الأساطيل وصرف عليها مبالغ ضخمة. ثم ساهم في دخول أميركا في الحرب العالمية الأولى التي كانت محتدمة آنذاك في أوروبا. ووقف عندئذ إلى جانب معسكر الحرية.

وبعد أن انتخب فرانكلين روزفلت رئيسا للمرة الأولى عام 1933 كشف عن نزعته الإنسانية المضادة للرأسمالية الجشعة. وراح يدافع عن البيئة وعن حقوق العمال في آن معا. فالرأسمالية لم تكن تراعي المناخ الطبيعي للإنسان لأن كل همها يكمن في زيادة الإنتاج بأي شكل، وبالتالي زيادة الربح. ولذا فإن تلوث البيئة أو تدميرها ما كان يعنيها في قليل أو كثير.

يضاف إلى ذلك أن الشركات الرأسمالية كانت تتنافس على الأسواق والمنافع بضراوة منقطعة النظير. ولم تكن تبالي بمصير العمال ووضعهم البائس المزري. كانت تستغلهم إلى أقصى حد ممكن وبشكل لا إنساني. وقد وقف الرئيس روزفيلت ضد هذا الاتجاه وقال: ينبغي أن يتوقف التنافس بين الرأسماليين عند حدود معينة لكي يحل محله التعاون من أجل مصلحة البلاد ككل.

ولذلك نعتوه بالاشتراكي باعتبار أن هذا النعت كان سلبيا في أميركا الرأسمالية. والواقع أن أفكاره في العشرينات من القرن الماضي كانت مضادة لأفكار معظم السياسيين الآخرين. وحتى فيما يخص الهجرة كان أكثر تسامحا من غيره. ووقف ضد تحديد نسبة معينة لكل شعب يريد أن يهاجر إلى أمريكا. ووقف أيضا موقفا إيجابيا من الصراع الذي اندلع آنذاك داخل الحزب الديمقراطي بين اليهود، والبروتستانت، والكاثوليك.

واتخذ مواقف غير طائفية على الرغم من أنه كان ينتمي إلى الأغلبية البروتستانتية. ومعلوم أن معظم رؤساء أمريكا منهم ما عدا جون كندي الكاثوليكي من أصل ايرلندي. ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1929 أصبح روزفلت الحاكم الديمقراطي لولاية نيويورك في وقت كانت الانتخابات لصالح الجمهوريين بالأحرى وليس الديمقراطيين. وعندئذ راح يتخذ عدة تدابير تقدمية لصالح الطبقات الشعبية والعمالية.

فقد خفض مثلا ساعات العمل في المصانع بالنسبة للنساء والأطفال. وانخرط في مشروع واسع لإصلاح المشافي وتحسين المعالجة فيها. كما وأصلح الأوضاع داخل السجون وزاد من هيبة الدولة والسلطات العامة في أعين الناس. وشعر الجميع عندئذ بأن السلطة تهتم بهم وبمشاكلهم فعلا. وتحسنت أوضاع السكان في ولاية نيويورك بالقياس إلى بقية المناطق أو الولايات الأخرى.

وفي عام 1932 قدم روزفلت نفسه للانتخابات الرئاسية بعد أن استرد صحته كليا ما عدا عدم القدرة على استخدام ساقيه. وراح ينخرط في حملة انتخابية صعبة ومنهكة. وقد ساعده الملياردير هنري مورجنتو عندما صرف دون حساب على هذه الحملة المكلفة عادة.

وأحاط روزفلت نفسه بمستشارين عديدين من بينهم أساتذة في جامعة كولومبيا بنيويورك. وكشف عندئذ عن خصائصه النفسية وملكاته العقلية والخطابية. وبدا قادرا على جذب الشعب الأميركي إلى صفه. والواقع أن الرجل كان يتمتع بجاذبية شخصية لا تنكر. وكانت هالة المجد والعظمة تحيط به كبقية الزعماء والكبار.

وهكذا استطاع أن يقنع الشعب الأميركي بالتصويت له ويسقط منافسه الجمهوري الذي كان رئيسا منتهية ولايته آنذاك. وكان يدعى هربرت هوفر. وقد تغلب عليه روزفلت بنسبة عالية من الأصوات. وبالتالي فنجاحه في الانتخابات الرئاسية كان ساطعا ولا يناقش ولا أحد يستطيع أن يعترض عليه. لماذا نجح روزفيلت وتغلب على خصمه الجمهوري؟ لأن حالة الشعب الأميركي كانت في الحضيض آنذاك.

فالأزمة الاقتصادية والمالية التي حصلت عام 1929 أنهكت البلاد. والبطالة كانت تشمل آنذاك ثلاثة عشرة مليونا من الأميركيين. والهوة بين الأغنياء والفقراء كانت كبيرة جدا. ولم يستطع الرئيس الجمهوري أن يفعل شيئا يذكر لتحسين أوضاع الشعب. وحده روزفلت استطاع إقناع الأميركيين بأنه قادر على حل المشكلة. وقد أعجبهم جدا عندما رفع الشعار التالي: ينبغي توزيع الثروة بشكل عادل على الشعب الأميركي.

وبعد أن انتخب رئيسا عام 1932 عين امرأة على رأس وزارة العمل. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تصبح فيها سيدة أميركية وزيرة. قبل ذلك كانت كل المناصب الوزارية من حظ الرجال فقط. وهذا دليل أيضا على الطابع التقدمي لشخصية روزفلت. فقد استبق على عصره وساهم في تطوير العقليات.

ثم يردف المؤلف قائلا:

في عام 1941 قرر روزفلت أن يرشح نفسه لرئاسة ثالثة على الرغم من أن جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة كان قد حصر فترة الرئاسة بثماني سنوات أو بدورتين فقط.

ولكن أميركا والعالم الغربي كله كان بحاجة إلى روزفلت لكي يقهر النازية والفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية. وكان أول قرار اتخذه هو مراقبة كل الأميركان من أصل إيطالي أو ألماني أو ياباني. ومعلوم أن دول المحور، أي إيطاليا وألمانيا واليابان كانت ضد الحلفاء أثناء تلك الحرب الشهيرة.

ولكن روزفلت كان يستهدف في الواقع المواطنين اليابانيين بالدرجة الأولى. لماذا؟ لأن اليابان هي وحدها التي تجرأت على مهاجمة أميركا في عقر دارها أثناء ضربة بيرل هاربر الشهيرة.

وهي الضربة التي دمرت الأسطول البحري والجوي الأميركي في ذلك الميناء الشهير وقتلت ما لا يقل عن ثلاثة آلاف ضابط وجندي دفعة واحدة. وقد جن جنون روزفلت بعد تلك الغارة الشهيرة، وقرر دخول الحرب على إثرها ضد اليابان وحلفائها النازيين والفاشيين الإيطاليين. وألقى بثقله كله في المعركة.

وأثبت بذلك أنه بطل الحرية في الغرب لأنه هو الذي قاد المعسكر الغربي إلى النصر. وتم ذلك بالتنسيق مع تشرشل بطبيعة الحال. إن مراقبة اليابانيين من قبل البوليس الأميركي بعد ضربة بيرل هاربر الشهيرة تذكرنا بمراقبة العرب والمسلمين من قبل الإدارة الأميركية الحالية بعد ضربة 11 سبتمبر.

فبوش تصرف مثل روزفلت تماما مع فارق وحيد: هو أنه لم يتجرأ على جمع العرب الأميركيين في معسكرات اعتقال خاصة كما فعل روزفلت مع اليابانيين الأميركيين ! فالظروف تغيرت والعالم تحضر أكثر من ذي قبل ولم يعد يسمح بنفس الممارسات.

ثم يردف المؤلف قائلا:

فيما يخص السياسة الخارجية ظلت أميركا حيادية تجاه ما يحصل في أوروبا من أحداث جسام حتى عام 1939. فلم يعترض روزفلت على استيلاء هتلر على السلطة في ألمانيا عام 1933. ولم يتدخل في الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت عام 1936 بين اليمين المتطرف بقيادة فرانكو والجمهوريين الثائرين.

ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939 كانت أميركا ميالة بشكل واضح إلى معسكر انكلترا وفرنسا. ولذلك قدمت لهما المساعدات والأسلحة. ولكنها لم تعلن الحرب على ألمانيا. ولم تفعل ذلك إلا بعد ضربة بيرل هاربر عام 1941 كما ذكرنا. عندئذ ألقى روزفلت بكل ثقله في المعركة. وكان ذلك أمرا حاسما في الواقع لأن ألمانيا النازية أصبحت في مواجهة قوة عظمى ذات جيوش جرارة.

واستطاعت القوات الأميركية أن تقوم بالإنزال الشهير على الشواطئ الفرنسية وتحاصر الجيش الألماني المحتل لفرنسا. وكانت تلك بداية النهاية بالنسبة لهتلر. فالجنرال ايزنهاور الذي أرسله روزفلت لقيادة العمليات العسكرية في أوروبا كان قائدا عسكريا من الطراز الأول. وهكذا ساهم روزفلت مساهمة حاسمة في القضاء على الفاشية والنازية في أوروبا. ولذلك لقبوه ببطل الحرية.

وأخيرا فإن روزفلت قطف ثمار انتصاره مع تشرشل على هتلر واليابان. فقد تقاسم العالم مع ستالين في مؤتمر يالطا الشهير الذي قسم أوروبا إلى قسمين: شرقية وغربية. ثم خسر الاتحاد السوفييتي المعركة بعد أربعين سنة عندما سقط جدار برلين.

الكتاب : فرانكلين ديلانو روزفلت

الناشر: بوبليك أفيرز ـ نيويورك 2005

الصفحات : 1280 صفحة من القطع المتوسط

Franklin Delano Roosevelt

Conrad Black

Public Affairs - New York 2005

p.1280