مؤلف كتاب «نزهة الجلساء في أشعار النساء» هو العلاّمة جلال الدين عبدالرحمن بن الكمال الخضيري السيوطي المولود في أسيوط بمصر سنة 849 هجرية، نشأ يتيماً، ولكنه درج على سنة أبيه في تلقي العلم، وبدأ ذلك على أيدي كبار علماء عصره، فحفظ القرآن الكريم، وهو دون ثماني سنوات، ثم حفظ العمدة ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، ثم شرع في الاشتغال بالعلم، في مستهل سنة أربع وستين وثمانمئة للهجرة.

وقد خصص السيوطي معجماً كبيراً، ذكر فيه الشيوخ الذين تلقى عنهم، أو أجيز منهم، وبلغوا نحو ستمئة شخص، وقد اعتقد السيوطي أنه بلغ مرتبة المجتهدين من الأئمة، كما صرّح هو بذلك. وعلى كل حال، فقد كان السيوطي ذائع الصيت في عصره، ونشرت شهرته أجنحتها فوق أقطار العالم الإسلامي، حتى جاءته الرسائل التي تعرض عليه مشكلات فقهية من كل أنحاء الوطن العربي.

وقد أغنى السيوطي المكتبة العربية بمئات المصنفات، ولعل ذلك كان رداً على ما فعله المغول والاسبان من إحراق للمكتبات الكثيرة مما دفع جموعاً من الباحثين ليعوضوا ذلك النقص الهائل، حتى أصبح هذا العصر عصر الموسوعات وعصر المجاميع، وكان السيوطي واحداً من هؤلاء المؤلفين الموسوعيين، وكان قد قدم ترجمة لنفسه في كتابه «حسن المحاضرة» وأحصى مؤلفاته، فبلغت ثمانية وثمانين ومئتي كتاب، موزعة على: فن التفسير، فن الحديث، فن الفقه، فن العربية، فن الأصول والبيان والتصوف، فن التاريخ والأدب، وظل طوال حياته مكباً على العلم والمعرفة إلى أن توفي سنة 911 هجرية.

أما كتابه هذا «نزهة الجلساء في أشعار النساء» فقد أراد السيوطي أن يقدم لنا جملة من أخبار الشواعر المحدثات، لذلك صرف عن الشواعر العربيات اللواتي كنّ في الجاهلية وصدر الإسلام وعصر بني أمية، لأن ابن الطرّاح ألّف فيهن كتاباً، جاء في مجلدات عدة.

وقد ترجم السيوطي لتسع وثلاثين شاعرة، بعضهن مشرقيات وأكثرهن أندلسيات، وقد رتب أسماءهن على التسلسل الهجائي وساق لمعاً من أخبارهن وأشعارهن، التي تنوعت أغراضها، بأسلوب سلس بعيداً عن التعقيد والإطالة.

وليس السيوطي بأول من صنّف في هذا الموضوع، إذ سبقه الطراح كما أسلفنا إلى ذلك، وليس ببعيد أن يكون ثمة كتب أخرى صنفت في الموضوع نفسه، ولكن لم يصل إلينا شيء منها، لذلك كان كتاب السيوطي هذا من الكتب القليلة التي صنفت في أخبار وأشعار النساء، قد استقى المؤلف مادة كتابه من كتب كثيرة لعل من أهمها: كتاب ابن الطراح، كتاب المغرب في حلي المغرب، المطرب من أشعار أهل المغرب، الوافي بالوفيات، تاريخ ابن النجار.

وبذا فقد وفّر السيوطي على الباحث عناء الرجوع إلى كتب الأدب والتراجم، إن رام أخبار النساء والشواعر، وقدم للقارئ كتاباً لطيفاً في أخبارهن وأشعارهن.

يبدأ الكتاب بالشاعرة أم الكرام وهي بنت المعتصم بالله أبي يحيى بن معن، كانت تنظم الشعر، عشقت الفتى المشهور بالجمال من دانية، وهي مدينة بالأندلس، من أعمال فالنسيا على ضفة البحر شرقاً، المعروف بالشعّار، وعملت فيه الموشحات ومن شعرها فيه.. من السريع:

يا معشر الناس ألا فاعجبوا

مما جنته لوعة الحب

لولاه لم ينزل ببدر الدجى

من أفقه العلوي للترب

حسبي بمن أهواه لو أنه

فارقني، تابعه قلبي

محمد سطام الفهد