في ظل ارتفاع ثمن الكتاب وفي ظل غياب ضابط ينظم علاقة المنتج «بضم الميم» بمستوى الدخل بحيث يتوافق مع إمكانية الفرد في الحصول على هذه السلعة الراقية، ينحسر الاهتمام العربي بالكتاب تبعاً للدخول الاقتصادية ويأتي في مؤخرة الأولويات حتى بالنسبة لعشاق القراءة، فالكتاب لا يصمد أمام الرغيف والمعادلة غير متكافئة أصلا في ظل هذا الضغط الاقتصادي الذي يمارس على الإنسان فلا تعود موارده تغطي نفقاته، ولا تلبية احتياجاته.
صناعة الكتاب واحدة من الصناعات النبيلة في كل دول العالم وهي تتبع نزعة أخلاقية ميالة إلى تعليم الإنسان وتعريفه ونقل الجديد إليه ليكون ابناً لحاضره ولمستقبله وهي تخضع لشروط عالية الدقة لا تحكمها قوانين الربح والخسارة بقدر ما تحكمها قوانين الفائدة الإنسانية والرسالة الحميدة، وتلك الصناعة نتاج حالة حضارية فرضتها دورة الحداثة التي شملت المجتمع المعاصر فأصبح الكتاب دليل رقي المجتمعات وعنوان تقدمها،
وبات ينظر إلى حامل الكتاب في المقهى أو في وسائل المواصلات نظرة تقديرية لأنه لا يهدر وقته ولا يضيع متعة المعرفة بأشياء سطحية فكان الكتاب أفضل وسيلة لحماية حضوره ولاحترام خصوصيته ولذلك نلاحظ أن الذين يجاورون طاولة شخص يقرأ كتابه يعملون تلقائياً على خفض وتيرة صوتهم ومنحه مزيداً من خصوصية العزلة التي فرضها الكتاب.
وإذ أدرك صُناع الكتاب حاجة الإنسان إلى المعرفة سارعوا لسد هذا الجانب فعلا هدير المطابع وتفوق على دوي القنابل، وتخلص الإنسان من همجية التفوق العضلي إلى عذوبة التفوق العقلي، وبهذا الصدد فإن عدداً كبيراً من معامل الأسلحة في أوروبا أغلقت وتحولت إلى متاحف أو مكتبات عامة إقراراً بما للكلمة من فعل يفوق فعل المدفع.
ما يقود إلى هذا الحديث هو افتقاد الإنسان العربي للكتاب بسبب انخفاض دخله وارتفاع ثمن الكتاب ويمكن إحالة هذا التمايز إلى سبب مهم يتمثل في توقف كثير من الدول العربية عن دعم هذه الصناعة التي أصبحت حكراً لفئة لا تراعي الجانب الاقتصادي وحولته إلى مصدر ثراء مادي بدلاً من الثراء المعنوي وكانت الحجة الواهية في غلاء أسعار الورق الذي يستورد من دول أخرى.
وهنا لابد «من وجهة نظرنا» من تدخل حكومي لدعم هذه السلعة الحيوية أسوة بالمادة الغذائية والدوائية التي تدعمها الحكومات، ومن تدخل فعلي في تحديد أسعار الكتب ضمن شروط هذه الصناعة وقوانينها بحيث يكون الربح معقولاً والفائدة أكثر شمولاً.