مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الفرنسي المعروف جان ماري روار عضو الأكاديمية الفرنسية وأحد أعمدة جريدة «الفيغارو» الفرنسية العريقة. فهو يشرف على «الملحق الثقافي» أو بالأحرى «ملحق الكتب» فيها. يضاف إلى ذلك أنه على علاقة وثيقة مع الطبقة السياسية الفرنسية بما فيها اليسارية حتى ولو كان ذا ميول يمينية. وكان قد نشر سابقا عدة كتب نذكر من بينها:
ما قبل الحرب (1983، جائزة رينودو)، لقد اختاروا الليل (1985)، شباب في ظل الضوء (2001)، وداعا لفرنسا التي تنقرض، وداعا لا لقاء بعده (2003). ويقصد بذلك أن فرنسا التي كان يعرفها في طفولته وشبابه الأول قد ماتت أو انتهت، وهو يحنّ إليها على الرغم من معرفته أنها لن تعود. أما في هذا الكتاب الجديد فيقدم جان ماري روار عدة «بورتريهات» أو صور شخصية لأهم رجالات السياسة الفرنسية من أمثال:
ميتران، جيسكار ديستان، جاك ديلور، نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الحالي والرجل الصاعد في اليمين الفرنسي، دومينيك دوفيلبان رئيس الوزراء الحالي ومنافس ساركوزي على القمة، جان لوي دوبري رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية والرجل المقرب من جاك شيراك، فرانسوا هولاند السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي، بل وحتى آلان كريفين زعيم التيار التروتسكي أو أقصى اليسار في الساحة السياسية الفرنسية.
وبالتالي فمن يريد أن يعرف كيف تفكر الطبقة السياسية الفرنسية في مشكلات فرنسا والعالم وحتى العرب والمسلمين والعمال المهاجرين ما عليه إلا أن يقرأ هذا الكتاب. من يريد أن يفهم من الداخل وبشكل عميق شخصيات اليمين واليسار الفرنسي ما عليه إلا أن يقرأه أيضا. وذلك لأن المؤلف بارع في تصوير الشخصيات وإعطاء فكرة متوازنة ودقيقة وصائبة عنها.
ومن أجمل فصول الكتاب ذلك الفصل الذي خصصه المؤلف لدومينيك دوفيلبان الشاعر ورئيس وزراء فرنسا الحالي. وفيه يتحدث عن كتاب ضخم كان الرئيس الشاعر قد كرسه للشعر وأصدره عن دار غاليمار الشهيرة في ثمانمئة صفحة. وهو بعنوان: سارقو النار، أي الشعراء. وهنا نجد وجها آخر لهذا الرجل السياسي الكبير الذي كان سفيرا فوزيرا مشهورا لفرنسا في مجلس الأمن، فرئيس وزراء أخيراً.
هنا نجد وجها لا نعرفه لهذا الشاب الطويل الجميل الذي تملأ صورته شاشات التلفزيون وتكاد تغطي على صورة جاك شيراك. أو قل إن الكثيرين يعتبرونه بمثابة ابنه السياسي أو حتى الابن الشرعي الذي كان شيراك يحلم به ولكن الله لم يرزقه إلا البنات! وعلى أية حال فقد سلّمه مفاتيح فرنسا في حالة حصول أي مكروه أو شيء مباغت له. فثقته به مطلقة ولا حدود لها. وذلك على عكس موقفه من ساركوزي الذي لا يثق به على الإطلاق وإن كان يعرف حجم مواهبه ومقدراته السياسية.
وهي مواهب يقدرها الرئيس الفرنسي ويخشاها في ذات الوقت. قلنا إذن بأننا نكتشف هنا وجها آخر لدومينيك دوفيلبان غير وجه رجل السلطة والدولة والمسؤولية. هنا نكتشف أنه شاعر يطرب ويهتز لأي قصيدة شعر، بل وينظم القصائد في أوقات فراغه. هنا نكتشف أن هوايته الأولى والأساسية بعد السياسة ليست شيئا آخر غير الشعر.
ثم يردف المؤلف قائلا: وهو اكتشاف جميل في الواقع لأننا لا يمكن أن نتخيل أن رجل السياسة والقضايا المحسوسة يمكن أن يكون شاعرا ويهتز قلبه وتتحرك كل مشاعره ما إن تنشد أمامه بيتا رائعا من الشعر وبخاصة إذا كان هذا البيت لرامبو أو لرينيه شار!
فالأنكى من كل ذلك هو أن دوفيلبان ليس شاعرا فقط وإنما لا يحب إلا الشعراء المجانين أو الفوضويين أو المدانين من قبل المجتمع! بمعنى آخر فإن ميوله الشعرية لا تذهب إلى شخص محترم ومقدس من قبل كل الفرنسيين كفيكتور هيغو مثلا. وإنما تذهب إلى الشعراء الملاعين، الشعراء المضادين له تماما: أي بودلير، ملارميه، لوتريامون، رامبو، الخ.
ثم يردف رئيس «ملحق الكتب» في الفيغارو قائلاً: لا ريب في أن جرثومة الأدب أو الشعر كانت قد دخلت إلى قلب بعض كبار رجال السياسة الفرنسيين من أمثال: ديغول، جورج بومبيدو، فرانسوا ميتران. بل ووصل الأمر بالرئيس بومبيدو إلى حد تأليف كتاب بعنوان: منتخبات الشعر الفرنسي أو مختارات من الشعر الفرنسي. وهو لا يزال موجودا في المكتبات حتى الآن.
ولكنه كان يفضل الشعراء المهذبين الذين لا تشوب سلوكهم الاجتماعي شائبة كفيكتور هيغو على رامبو، ذلك الأزعر الذي يكره المجتمع ويكرهه المجتمع.
أو قل إن بومبيدو لم يكن يصرح بإعجابه بحياة الشعراء الصعاليك كما يفعل دومينيك دوفيلبان بدون أي حرج. كان بومبيدو يقول لأصدقائه الخلص: مأساتي هي أن الشعراء الذين أحبهم لا أستطيع أن أستقبلهم في الاليزيه لو كانوا أحياء بسبب سمعتهم السوداء في المجتمع. والشعراء الذين لا أحب شعرهم هم وحدهم الذين أستطيع استقبالهم في صالونات القصر الجمهوري الراقية! وهنا يكمن التناقض العجيب الشكل.
ثم يطرح جان ماري روار هذا السؤال: هل كان دوفيلبان الذي لا يتوانى عن إبداء إعجابه بلا تحفظ بحياة الشعراء الصعاليك من أمثال بودلير، ورامبو، ولوتريامون، كان سيفتح لهم أبواب قصر ماتينيون (أي مقر رئاسة الوزراء) لو دقوا على بابه يوم ما؟ هل كان سيسمح لرامبو الفوضوي بالجلوس على الأرائك الأنيقة لصالونه؟
وكيف يوفق هذا الرجل السياسي الذي وصل إلى قمة السلطة بين حبه للنظام وإدارة شؤون الدولة من جهة وبين حبه لأكبر فوضوي أو انقلابي في التاريخ كرامبو من جهة اخرى؟ على هذا السؤال لا يجد الناقد الفرنسي الكبير جوابا. وهذا ما يحيّره في شخصية رئيس وزراء فرنسا الشديد الأناقة والجمال والتهذيب والنزعة الأرستقراطية. فالواقع أن دوفيلبان ينتمي إلى عائلة نبلاء فرنسيين لا إلى عائلة شعبية أو حتى بورجوازية كجورج مارشيه أو فرانسوا ميتران أو حتى جورج بومبيدو.
إنه ينتمي إلى أعلى الطبقات وأكثر العائلات عراقة في المجتمع الفرنسي. ومع ذلك فإن ميوله العميقة لا تذهب إلا إلى الشعراء المجانين، الشعراء الفوضويين الذين أعلنوا الحرب على المجتمع في عصرهم! لكن جان ماري روار لم ينتبه في تحليله الذكي والعميق لشخصية هذا الارستقراطي النبيل إلى الحقيقة البديهية التالية:
وهي أن الإنسان يحب ما ينقصه! فبما أن القصور لا تنقصه ولا كذلك الصالونات الأنيقة والحياة المرفهة الناعمة فإنه يحب حياة التصعلك والجنون والفقر المدقع والسوداوية لشخص كبودلير أو رامبو أو لوتريامون! وربما كان يحسدهم عليها لأنها هي التي أنتجت شعرهم الخلاق ولأنه بحكم منصبه ومسؤولياته لا يستطيع أن يعيش بحرية مثلهم.
أو قل إنه يشعر بالتعاطف معهم لأنهم عانوا ما عانوه ونزلوا إلى الطبقات السفلى للجحيم قبل أن يكتبوا لنا أشعارا خالدة تبقى على جبين الدهر. وبالتالي فقد دفعوا ثمن إبداعهم عدا ونقدا ولم ينزل عليهم مجانا من السماء. وهذا ما يعجب رئيس وزراء فرنسا الشاب الذي لم يتجاوز الخمسين إلا قليلا. إنه مذهول بكل ما لم يعرفه، بكل ما لا يستطيع أن يعرفه بحكم طبقته العالية ومسؤولياتها الجسيمة على رأس حكومة فرنسا. وهذا شيء مفهوم في علم النفس. فالفقير يحلم بالقصور في حين أن الغني يحلم بالأكواخ لكي يخرج من حياته الرتيبة المترفة ولو للحظة.
مهما يكن من أمر فإن مؤلف الكتاب يقنعنا عندما يقول بأن الشيء الذي يذهلنا في شخصية دوفيلبان هو هذا التناقض الذي لا يعرف أحد سره ولا مصدره. البعض يقول بأن موت أخيه في أول الشباب، وكان قد تربى معه وتعلق به، جعله يميل إلى الأشخاص التراجيديين، الأشخاص المنكوبين في الحياة.
وهذا جائز. فليس من المستغرب على الرغم من كل المظاهر أن يكون دومينيك دوفيلبان شخصا مجروحا من الداخل ويبحث في شعر بودلير ورامبو وفيرلين وكل المنكوبين عن علاج لجراحاته. ويمكن أن نضيف إلى قائمتهم رينيه ماريا ريلكه الذي لا يخفي رئيس وزراء فرنسا الشاب إعجابه اللامحدود به. ويمكن أن نضيف آخرين عديدين ليس أقلهم رينيه شار وسان جون بيرس وبعض المجاهيل الذين لم ينالوا حظا في الشعر ولا في الحياة.
نقصد بذلك أنهم عاشوا أبشع حياة ولم يشتهروا في ذات الوقت. وذلك على عكس بودلير، ورامبو، ولوتريامون الذين كان حظهم من الشهرة كبيرا إلى درجة أنهم أنزلوا فيكتور هيغو عن عرشه وحلوا محله! وبالتالي فبقدر ما كانوا تعيسين في الحياة كانوا سعيدين في الأدب.
ثم يواصل المؤلف حديثه عن كبار شخصيات فرنسا السياسية الذين قابلهم وحاورهم مطولا كفرانسوا ميتران الذي كان يساريا في السياسة ويمينيا في الأدب! بمعنى أنه كان زعيم اليسار الاشتراكي وفي ذات الوقت لم يكن يستسيغ إلا كتابات الأدباء اليمينيين أو المعروفين بميولهم اليمينية الواضحة.
وأما آلان كريفين زعيم اليسار التروتسكي المتطرف فيبدو لنا عقلانيا ومتوازنا جدا عندما يحكم في قضية فلسطين. فهو يرى أن بعض مثقفي اليهود في فرنسا ـ وهو يهودي الأصل- ينحازون لشارون بسبب عصبيتهم الطائفية في حين أنه المعتدي والفلسطيني هو المعتدى عليه. بالطبع فإنه يدين معاداة السامية التي يعتبرها شكلا من أشكال العنصرية ولكنه يرفض أن يستخدمها كسلاح من أجل الإرهاب الثقافي لمناصري القضية الفلسطينية في فرنسا كما يفعل بعضهم.
هنا تتجلّى يسارية آلان كريفين الذي استطاع أن يتجاوز كل العصبيات الطائفية بفضل إيديولوجيته ونزعته الإنسانية الكونية. ولكن مثقفي الطوائف من كل الأديان لا يفهمون مثل هذا الموقف الواسع بل ويتهمونه بالخيانة للأمة أو الدين، الخ. مهما يكن من أمر فإن الكتاب يقدم معلومات ثمينة عن كبار شخصيات فرنسا ويستحق أن يقرأ بكل شغف ونهم.
الكتاب: حيواناتي المتوحشة
الناشر: غراسيه ـ باريس 2005
الصفحات: 334 صفحة من القطع المتوسط
Mes fauves
Jean-Marie Rouart
Grasset- Paris 2005
p. 334
