في احتفالية ثقافية أدبية ميزت العام المنصرم 2005 واستقبلها العام الحالي 2006 بالحفاوة ذاتها أعلنت دار كانونغيت للنشر، لندن، عن صدور الترجمة الإنجليزية لرواية «الخليفة » لمؤلفها الروائي والشاعر الألباني «إسماعيل قادري». يأتي نشر الترجمة الإنجليزية في أعقاب صدور الترجمة الفرنسية للرواية 2005،

أما النسخة الأصلية فقد صدرت باللغة الألبانية سنة 2003. رواية الخليفة عمل مجازي سياسي تاريخي، يرمز ويحاكم من خلاله الديكتاتورية والاستبداد والسلطة المطلقة على لسان بطله الذي يروي الأحداث كنوع من إعادة تشكيل المشهد الروائي أو ترتيبه على نحو يجعلها أكثر منطقية. وهي رواية لا تختلف في موضوعها الرئيسي عن رواياته السابقة وإن كانت تبدو في واقع الأمر تكليلاً لتاريخ طويل أمضاه قادري في الكتابة الروائية والشعرية.

الخليفة، الاسم الذي يظهر كعنوان للرواية هو، محمد شيحو، الذي ظل حتى لحظة وفاته المفاجئة عام 1981 الخليفة المرتقب للرئيس الألباني الأسبق، أنور خوجا، وذراعه الأيمن. كانت هذه الشخصية التي فارقت الحياة ليلة أحد أيام شهر ديسمبر لتثير حولها التكهنات قد تقلدت منصباً قيادياً أثناء الحرب العالمية الثانية واشتهرت بشراستها وتسلقها الوحشي سعياً إلى الوصول للسلطة، وعقدها تحالفات مع شخصيات سياسية قوية ومهمة في ذلك الوقت منها الرئيس اليوغسلافي الأسبق تيتو والزعيم السوفييتي ستالين.

في روايته يطرح قادري المزيد من التساؤلات الأخلاقية التي تستند في الأساس إلى الغموض الذي يحيط بحياة شخصياته الرئيسية وحياة الناس أو المواطنين الذين ربما أتت حياتهم حسب ترتيب المشهد الحياتي على الهامش وعلى الرغم من ذلك فهم مقحمون في الصراع لاسيما إذا لم تكن الأمور واضحة بالنسبة لهم... ما الذي حدث ليلة وفاته، هل قتل شيحو (الرجل الثاني)؟ هل انتحر؟ هل يعتبرونه شهيداً أم مجرماً ؟ هل هو انتقام من الرئيس (المرشد)؟ ما هي علاقة بعض الشخصيات المهمة مثل أحد الوزراء ومهندس قصره بما حدث؟

في سبعة فصول مشوقة تتوالى أحداث الرواية التي تتخللها جرعة غير عادية من الكوميديا السوداء التي تأتي عبر لغة تراجيدية هي الأكثر تعبيراً عما يجري خلف الكواليس. وبين هذا وذاك يسلط الضوء على شخصيتي كل من شيحو وخوجا على نحو يظهر كل منهما من خلال مشاعره التي يلتقطها المؤلف في لحظة استثنائية، كما يسلط الضوء على مشاعر شخصيات أخرى لا تقل أهمية في الرواية كمشاعر الخوف والهلع التي تطارد الوزير وتوعز له بكتابة اعتراف بمسؤوليته عن كل الجرائم الممكنة والمتخيلة.

كما يلتقي القارئ شخصية أخرى هي مهندس قصر شيحو الذي بنى له قصراً تفوق روعته روعة قصر خوجا مما يوقعه تحت وطأة الخوف من العقاب. وكذلك لا ينجوالطبيب الشرعي الذي يتولى مهمة تشريح جثة شيحو من الخوف من الاغتيال. غير أن مشهد الموت على الرغم من ملحميته أو حتى مجرد غرابته لا يزال يعطي انطباعاً بأنه ليس حادثاً اعتباطياً وأنه مما يمكن أن يدبر بواسطة شخصية مجرمة لم تحم حولها الشبهات وظلت تحوم حول من يدورون في فلكها.

على الرغم من سؤاله الفلسفي... هل يغفر لمولود الديكتاتورية ذنبه؟ هل يبرأ الأفراد من مسؤولية ما يفعله الديكتاتور؟ هل يبرء الكاتب، أو الفنان على وجه التحديد من تورطه إلا أن الإجابة التي تأتي على لسان الراوي على تكون على هذا النحو « ما الذي يفعله فنان نظيف اليدين في مثل هذه الأوضاع المظلمة؟». وربما كان قادري نفسه مديناً ببقائه حياً على الرغم من ذلك إلى روايته التي نشرها سنة 1973 التي يدور موضوعها الرئيسي حول انفصال ألبانيا عن الاتحاد السوفييتي، والتي تظهر فيها شخصية خوجا جميلة بطولية.

مما يراه عدد كبير من النقاد أن المقارنة بين رواية، الخليفة، وروايتي فرانز كافكا الشهيرتين «المحاكمة » و«القلعة» بالإضافة إلى روايتي غابرييل غارسيا ماركيز «خريف البطريرك» و« لا أحد يكاتب الكولونيل» تبدو واردة وشديدة القوة حيث كل من العزلة والحزن والغضب لا مناص منها. فهو الإنسان الذي يشعر دوماً بالظلم وهو المتوتر وكلها من الخصائص التي تميز بها كافكا وأوصلته إلى الشهرة والعالمية . كما لا ينسى القارئ النكهة المميزة لكل من أدب كافكا وأدب قادري، إذ أن كل منهما يتحدر من تلك الأصول الأوروبية الشرقية التي تملي شروطها هي الأخرى.

وإذا كان قادري كاتباً سوداوياً حزيناً تؤرقه بيروقراطية الوجود إن لم يكن العالم وحده. عالمه الصغير والعالم المحيط به من الناس البسطاء والمتنفذين الطغاة الذين يتحكمون في مصائرهم، وهو بلا شك عالم مميز بالقسوة واللاإنسانية مثلما كان العالم الذي كتب عنه التشيكي كافكا من قبله، فإن رواية، الخليفة، تحمل الكثير من الملامح التي تتميز بها رواية ماركيز. حيث عالمه، الواقعية السحرية والحياة النابضة التي اشتهر بها أدب أميركا اللاتينية.

إن أسرار شخصية مثل شخصية الكولونيل الأسطورية التي كتب عنها ماركيز في خريف البطريرك ولا أحد يكاتب الكولونيل، هذه الأسرار تتداعى في ذاكرة قادري بممارساتها اللاإنسانية وأدواتها القمعية المبتكرة وطموحاتها وكذلك كل الأنظمة الديكتاتورية وايدلوجياتها.

ومعها يلمس القارئ روعة التأمل في الحياة وهي فلسفة تعبر عنها أسئلة كثيرة حول السلطة والفشل وخيبة الأمل والحب والحزن، على الرغم من أن أكثرها تعبيراً هو السؤال... هل تموت مثل هذه السلطة؟

هذه الشخصية الهذيانية لا يمكن اعتبارها شخصية طارئة في أدب قادري فهي تلازمه باستمرار وقد تحدث عن ذلك في، ربيع ألباني، وهو كتاب يرصد تاريخها بدقة متناهية، من بداياتها أو ما يطلق عليه ولادتها إلى موتها وولادتها اشكالاً أخرى من الديكتاتورية (مواليد الديكتاتورية).

في مرحلة مبكرة من حياتها تتميز هذه الشخصية الخرافية كما تقول القصص والحكايات الشعبية بثورتها وجموحها وغضبها وفي مرحلة متقدمة تلبس جلد حمل وديع سعياً إلى إخفاء حقيقتها وفي مرحلة الشيخوخة تضع مواليدها وسط موجة من الشعارات أو الهوس بإصلاح الكون على نحو ما يفعله ديكتاتوره.

يتساءل قادري... هذا العالم العبثي ما هو؟ ما هو المستقبل ولماذا نجهله. لقد بدا واضحاً جهل شخصيات بذلك. حتى الشخصيات الرئيسية. إناً أي من الديكتاتور والرجل الثاني لم يتوقع مصيره الحقيقي. ومع وضوح علامات احتضاره بدا الديكتاتور مهووساً بفكرة الموت، متعطشاً لها ومن هنا برزت فكرة إبادة المنافسين أو فكرة حرمان الآخرين من حق الحياة «إذا خسرنا فالأفضل أن تعلموا أنكم لن تعيشوا لتهنأوا حيث سنعدمكم أولاً».

أهم ما يقال عن رواية قادري الأخيرة هو الإجماع على أنها رواية استثنائية لا تفقد قوتها أوجمالها حتى بعد ترجمتها إلى لغات أخرى. وهو ما يحسب مباشرة إلى رصيده الأدبي فقد بدأ حياته الإبداعية شاعراً ثم تحول نحو الرواية ولم يجد صعوبة في هذا التحول فهو يكتب بلا حدود فاصلة بين النوعين. في أعقاب فوزه بجائزة مان بوكر الدولية الأدبية قال عنه، جون كاري، رئيس لجنة التحكيم « إن قادري كاتب يمسح ثقافة بأكملها، تاريخها، هواها، فولكلورها، سياستها، كوارثها. إنه كاتب يعود القص عنده إلى تقليد يبلغ هوميروس ».

ومع ذلك فإن ما حدث قبل أسبوع فقط من تسلمه الجائزة في العاصمة الأسكوتلاندية أدنبرة حين فوجئ الجميع بأن المكتبات تخلو من رواياته لكي يقوموا بتوفير عدد قليل منها كان باعثاً على شعور اللجنة المنظمة بالخجل.

حالروائي إسماعيل قادري المولود سنة 1936 هو أول كاتب ألباني يحظى بالشهرة الواسعة على المستوى العالمي. كما أن موهبته كشاعر وككاتب روائي لم تفقد بريقها بعد مضي ثلاثة عقود من الزمن. ولد قادري ونشأ في مدينة غيروكاستر المسورة، ودرس التاريخ والفلسفة بجامعة تيرانا وأكمل تعليمه العالي بمعهد غوركي لتدريس الأدب العالمي بموسكو حيث ظل هناك إلى عام 1960 حين ساءت العلاقة بين ألبانيا والاتحاد السوفيتي.

أما بداياته الإبداعية فتعود إلى الخمسينات حيث بدأ كشاعر بعدد من الدواوين المتواضعة كديوان «وحي شاب» 1954 وديوان «أحلام» وهي أعمال لم تكشف في ذلك الحين عن طموحه كشاب وإنما عن أشياء أخرى كموهبته وأصالته الشعرية. أما ديوان «قرني» 1961 فقد أسهم في تطوير الحركة الشعرية الألبانية. في حين يأتي ديوان «ما الذي تفكر فيه هذه الجبال» 1964كتعبير واضح عن الصورة الذاتية للمواطن الألباني الذي عاش سنوات القهر الرهيبة في عهد الديكتاتور أنور خوجا.

ونظراً لما تميزت به قصائد قادري من بساطة وعدم تكلف فقد تسنى لها الوصول السهل إلى قلوب القراء الذين كانوا يرون فيها تجسيد حياً لروح العصر وهو ما لم يتسن للآخرين من ابناء جيله من الشعراء. أما هو فقد مكنه ذلك من سرعة الانتشار في أوساط الشباب الألباني. وبسبب ما كانت تتمتع به قصائده من شفافية وصدق، فقد أتاح له ذلك المساهمة في الجوانب المتعلقة بظهور أشكال شعرية جديدة وعلى وجه التحديد القصائد الرومانتيكية المغناة وهو شكل من أشكال الشعر الذي لم يلتفت إليه أحد في الموروث الشعري الألباني.

في الستينات، تحولت موهبة قادري نحو التأليف الروائي، الأمر الذي ظل ممسكاً به ببراعة محرزاً انتشاراً واسعاً باعتباره الكاتب الأكثر شهرة في الأدب الألباني. وهكذا فقد كان الممثل الأبرز للأدب الألباني أثناء حكم الرئيس السابق أنور خوجا، وفي الوقت ذاته الخصم الأكثر ذكاءً. وقد كان لأعماله أثر كبير خلال مرحلتي السبعينات والثمانينات وبالنسبة للكثيرين كان يمثل الأمل الوحيد في التخلص من الديكتاتورية الشيوعية.

في نهاية أكتوبر 1990، قبل مضي شهرين تقريباً على انهيار الديكتاتورية، غادر تيرانا طالباً اللجوء السياسي في فرنسا، وهو تحرك، منحه للمرة الأولى فرصة ممارسة وظيفته الكتابية بحرية كاملة.

كانت حياته في المنفى بباريس قد أتت بمثابة التجربة المثمرة الخصبة التي استطاع أن يحصل خلالها على المزيد من النجاح والتقدير، على صعيد حياته ككاتب باللغتين الألبانية والفرنسية. كما تسنى له أن ينشر مختارات من أعماله في عشرة مجلدات باللغتين. عاد إلى بلاده في أعقاب سقوط نظام رامز عليا حيث قسم حياته بين ألبانيا وفرنسا.

من أعماله المهمة، روايات:

«القلعة» 1970، «الشتاء العظيم» 1977، «الحفل الموسيقي» 1988، «أزهار ربيعية» 2002، «الخليفة» 2003.

حائز على جائزة مان بوكر العالمية 2005.قائق عن إسماعيل قادري

الكتاب: الخليفة

الناشر : دار كانونغيت للنشر ـ لندن 2006

الصفحات: 224 صفحة من القطع المتوسط

The Successor

Ismail Kadare

Canongate - London 2006

p. 224