مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الصحافي ناصر فياض صدر له من قبل كتاب «خوارق مصرية حيرت العلماء»، وخصص جانباً من نشاطه المهني في حملات تركزت على قضية تلوث مياه النيل والدعوة إلى تنظيم حملات لمواجهة الاعتداءات التي يتعرض لها هذا النهر الخالد،

وهو الموضوع ذاته الذي يتناوله المؤلف بشكل مستفيض من خلال كتابه الذي نعرض له. من النشأة يبدأ المؤلف مستعرض تاريخ نشأة نهر النيل فيشير إلى أن النهر كان قد نشأ نتيجة وجود فالق عظيم منذ ستة ملايين سنة ولم يتم اتصاله بإفريقيا الاستوائية إلا منذ ما يقرب من ثمانمائة ألف عام مضت، ويوضح أن النيل الذي نراه حالياً هو نهر حديث ولد مع أمطار الفترة المطيرة التي أعقبت تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير منذ ما يقرب من عشرة آلاف سنة،

وقد قلت المياه التي يحملها النهر مع انكماش أمطار هذه الفترة منذ حوالي خمسة آلاف سنة. ويوضح المؤلف أن بحيرة فيكتوريا ظلت ـ أحد المنابع الرئيسية للنيل ـ دون اتصال بأي جزء من النهر لمدة طويلة بعد نشأتها ولم يتم الاتصال بينهما إلا منذ ما يقرب من ثلاثة عشر ألف سنة. وحسبما تشير الأبحاث العلمية فإن نهر النيل كان قد مر بالعديد من الحقب الجيولوجية حتى وصلت هيئته إلى الشكل الحديث المعروف لنا والمسمى جيولوجيا «بالنيونيل».

وتأتي مياه النيل من مصدرين رئيسيين هما هضبة البحيرات الاستوائية والمرتفعات الأثيوبية والتي تتساقط عليها كميات كبيرة جدا من الأمطار ولا يصل من هذه المياه سوى جزء صغير هو الذي يحمله النيل حتى مصبه في مصر، أما الجزء الأكبر فيتسرب بين الصخور أو يتبخر من السطوح أو يفيض على جوانب النهر المختلفة ليكون المستنقعات التي تنتشر في أماكن عديدة.

وعن المحاولات التي قام بها العديد من المستكشفين للكشف عن منابع النيل، يوضح لنا ناصر فياض أن منابع النيل ظلت اللغز المحير للكثيرين على مر التاريخ وكانت أولى تلك المحاولات للكشف عن منابع النهر على يد الحاكم اليوناني لمصر «بطليموس» الذي عاش في مصر في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث قام بطليموس بعمل ما يشبه خريطة مبدئية لمنابع النيل ـ وإن لم تكن دقيقة بالقدر الكافي ـ

إلا أنها كانت البداية على طريق محاولة اكتشاف منابع النيل وهو الأمر الذي تحقق بعد توالي البعثات الاستكشافية منذ ذلك الحين وحتى تولى «محمد علي باشا» الحكم في مصر والذي أمر بإرسال عدد من البعثات الاستكشافية لرصد منابع النهر، إلى أن قام أحد المستكشفين البريطانيين بكشف أحد أهم وأكبر منابع النيل وهي البحيرة الكبرى والتي أطلق عليها فيما بعد اسم الملكة البريطانية «فيكتوريا».

بعد هذه المقدمة التاريخية التي تناول فيها المؤلف تقديم نبذة تاريخية عن نهر النيل ونشأته يبدأ في تناول المشكلة الحقيقية المتعلقة بموضوع الكتاب وهي تلوث نهر النيل بشرح أبعادها المختلفة وبشكل مرتب فيبدأ الحديث عن مشكلة تلوث منابع النيل فيقول إن حوض نهر النيل في الوقت الحاضر يضم تسع دول تتعرض كلها وبلا استثناء لمخاطر عديدة أبرزها التلوث،

الأمر الذي اتضح بشكل كبير بعد كارثة عام 1994، حيث وصلت عشرات الآلاف من الجثث الطافية فوق سطح المياه عابرة نهر كاجيرا لمسافة مائتي كيلومتر حتى استقرت في بحيرة «فيكتوريا».

حيث تنبهت السلطات الرواندية لفيضان الجثث القادم وأعلنت أربع مناطق ساحلية على بحيرة فيكتوريا كمناطق كوارث، ثم اتضح فيما بعد أن مصدر هذه الجثث كان ضحايا الحروب الأهلية التي تعج بها منطقة منابع نهر النيل، ووصف العلماء هذه الكارثة بأنها أكبر كارثة في العالم يتعرض لها نهر من المياه العذبة، فقد تحول النهر الخالد ـ كما يسميه البعض ـ إلى مقبرة جماعية لضحايا الحرب في رواندا، وهو ما كان يعني أن أوبئة الأمراض الفتاكة الناتجة عن تحلل تلك الجثث في مياه النهر لن تقتصر على دولة بعينها بل سيتم توزيعها تلقائيا على تسع دول تشرب شعوبها من مياه النيل!

وهنا يطرح المؤلف سؤالا في غاية الأهمية يتعلق بالحال الذي كانت ستؤول إليه الأوضاع إذا ما وصلت هذه الملوثات البكتيرية والفيروسية من منابع النيل إلى مصر .. كيف كانت مصر ستتصرف حينئذ ؟

وللإجابة عن مثل هذا السؤال استعان فياض برأي علمي لأحد أساتذة الصحة المهنية بالمركز القومي للبحوث أشار إلى أن احتمال وصول ملوثات بكتيرية وفيروسية من منابع النيل إلى مصر يعتبر احتمال قائم وأن مصر لا تملك من أدوات المواجهة لأمر كهذا سوى القيام بعمليات تطهير لمياه النهر عند بدايته داخل مصر عند منطقة أسوان جنوب مصر وإجراء التحليلات المستمرة للتأكيد على فاعلية تلك الإجراءات في مواجهة تلوث منابع النهر.

وفي محاولة لتجسيد خطورة الحالة التي وصل إليها التلوث في مياه نهر النيل يقدم لنا المؤلف صورة كاريكاتورية تتسم بالمأساوية مستعينا برسم يصور حمارين يقفان على جانب نهر النيل أحدهما يشرب من النهر والآخر ينظر إليه بدهشة ويقول: «هو أنا حمار عشان أشرب من الميه دي!».

ثم يتطرق المؤلف بعد ذلك إلى القضية المتعلقة بتحديد مسؤولية تلوث النهر وعلى من تقع؟ في محاولته للإجابة يشير إلى أنها إنما تقع على عاتق دول المنابع أو الدول المطلة على النهر نفسه، حتى لو كانت التلوث نتيجة لممارسات فردية إلا أن المسؤولية والالتزام يظلان قائمين في صفة الدولة التي يقع على أرضها الاعتداء على النهر.

وهنا يوضح فياض أمرا هاما للغاية، ففيما يختص بقواعد السياسة الدولية فإنه على الرغم من أن كل دولة لها السلطة الكاملة والسيادة على أرضها إلا أن تلك السلطة ليست مطلقة وإنما تقف عند الحد الذي يتم عنده الإضرار بالدول الأخرى، على أن يكون من حق الدولة التي تتضرر من ممارسات دولة أخرى اللجوء إلى المجتمع الدولي لتفعيل القوانين التي تحكم الشأن في القضية محل الخلاف أو النزاع، الأمر الذي يتم في الغالب وفقاً لعدد من المبادئ المتفق عليها تؤكد على مسؤولية الدولة عن أفعالها غير المشروعة والتي تتسبب في الضرر للآخرين.

ويخلص المؤلف إلى أن مشكلة تلوث نهر النيل لا يمكن حلها في ظل المبادئ والقواعد الدولية السابقة الذكر في ظل الظروف التي تعاني منها دول منابع نهر النيل من صراعات أهلية وعدم استقرار وغياب الإمكانيات التي تمكن تلك الدول من حماية النهر بشكل فعال،

وإنما تقع مسؤولية مواجهة هذه المشكلة على عاتق المجتمع الدولي ككل، وتكون مواجهتها من خلال قيام المنظمات الدولية والدول المتقدمة ببذل مساعيها لمعاونة دول حوض النيل الاستوائية على انتشال الجثث والملوثات من مجرى النهر وأن تقد العون العلمي والتكنولوجي اللازم لذلك حفاظاً على الصحة العامة والبيئة الدولية.

ومن تلوث المنابع ينتقل بنا المؤلف إلى مشكلة أخرى من مشاكل نهر النيل وهي تلوث أو تلويث مجرى النهر ويركز على الجزء من المشكلة الذي يختص بمصر، فمن أهم مصادر تلوث مجرى نهر النيل في مصر مياه الصرف الصحي، حيث يعتمد نظام الصرف في مصر على تجميع مياه الصرف ثم صرفها إلى أقرب مسطح مائي دون أي معالجة.

وبالتالي ففضلا عن تلوث مياه النهر بهذه الفضلات الآدمية وتغيير خواص مياه النهر فإن مياه الصرف تساعد على استنزاف الثروة السمكية في العديد من المسطحات المائية المرتبطة بالنيل مثل بحيرة المنزلة. ويشير إلى أنه ما يفاقم المشكلة أن الخطط الحكومية لإنشاء محطات تنقية المياه قبل صرفها على النهر لا تتجاوز في كثير من الأحيان مجرد كونها خطط على الورق لم تدخل حيز التنفيذ، وفي ذات الوقت فإن زيادة المصارف التي تنشأ في القرى لتلقي بمخلفاتها في النيل إنما تزيد في النهاية من تعقيد المشكلة وتضخمها.

ويأتي في المرتبة الثانية بعد مياه الصرف المخلفات الصناعية التي يتم إلقاؤها في النيل، حيث تمتد تلك المصانع التي يتم صرف مخلفاتها في النيل على طيلة النهر من بدايته في أسوان وحتى مصباته في البحر المتوسط، ويلي تلك المخلفات الصناعية المخلفات التي يتم إلقاءها من السفن والفنادق العائمة إلى جانب وسائل النقل النهري الأخرى.

حيث يتم إلقاء تلك المخلفات دون أدنى معالجة. المشكلة أنه نظرا لما تمثله هذه السفن والفنادق العائمة من أهمية باعتبار السياحة أهم مصادر الدخل القومي في مصر فإن قانون حماية نهر النيل من تلك السفن والفنادق العائمة لا يتم تطبيقه حتى الآن. هذا فضلا بالطبع عن مصادر الملوثات الأخرى والتي يأتي على رأسها الممارسات والسلوكيات الفردية والجماعية، فقد جرت العادة على الاغتسال في مياه الترع وغسل الأواني والخضروات وتنظيف الحيوانات والماشية فيه بل والإلقاء بجثثها عند موتها في النهر!

كما يمثل تلوث نهر النيل بالحشائش النباتية الطافية منها والمغمورة أحد الأسباب الرئيسية للمشكلة حيث تمثل هذه الحشائش العائق الأكبر لحركة الملاحة في النهر وتتسبب في العديد من التأثيرات الضارة على الصحة العامة والثروة السمكية، حيث يتكاثر عليها العديد من الطفيليات الضارة مثل الديدان المفلطحة والورقية والأسطوانية، وأخطر هذه الديدان هي البلهارسيا والتي كانت حتى عهدا قريب تمثل الهم الأكبر للمصريين ومنذ عهد الفراعنة.

وعن مستقبل نهر النيل يستعرض المؤلف عددا من الدراسات التي تشير إلى تغير نوعية مياه النيل بعد حجز الطمي وراء السد العالي وبالتالي أصبحت المياه في مجرى النيل بطيئة وقليلة العكارة، كما زادت كمية المواد الصلبة المذابة في الماء وزادت كثافة النباتات الهائمة مما سهل تحول النيل في ظل هذه الظروف إلى مستودع للنفايات، وبالتالي سوكما يرى أحد كبار مسؤولي الري في مصر فإن مستقبل النيل يرتبط بخفض حدة التلوث إلى أقصى درجة ممكنة واتخاذ الإجراءات الأزمة لذلك ولا توجد أي حلول وسط لهذه المشكلة.

ألفت عبد الله

الكتاب: اغتيال نهر النيل

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2005

الصفحات: 96 صفحة من القطع الصغير