مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الانغلوساكسوني دافيد هارفي المختص في شؤون التاريخ الثقافي لفرنسا وعموم أوروبا. وهو هنا يقدم كتابا مهما عن الدور الذي لعبته باريس في تشكيل الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية على مدار القرنين الماضيين. نقول ذلك ونحن نعلم أن باريس كانت عاصمة الثقافة والفن على المستوى العالمي كله وليس فقط على مستوى فرنسا.

ثم يردف المؤلف قائلا: ينبغي العلم بأن كلمة «حداثة» نفسها كانت قد ظهرت على يد شارل بودلير حوالي منتصف القرن التاسع عشر. وقد اعتذر عن اختراعها معتقدا أنها قبيحة ولا تليق باللغة الفرنسية! وما كان يعرف أنها ستنتشر بعدئذ انتشار النار في الهشيم وتعمّ العالم كلّه. والواقع أن باريس شهدت نوعين من الحداثة: الأولى هي الحداثة البورجوازية، والثانية هي الحداثة الاشتراكية. وقد حصلت الأولى بعد الثورة الفرنسية ومن خلال أعمال نابليون بونابرت.

ومعلوم أن هذه الثورة الكبرى قضت على العالم الإقطاعي القديم وأحلت محله العالم البورجوازي الحديث. وعندئذ حلت فلسفة التنوير وحقوق الإنسان محل اللاهوت الكنسي أو المسيحي الذي سيطر على فرنسا وعموم أوروبا طيلة قرون وقرون. وهكذا صدّرت باريس إلى العالم ذلك الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن، كما صدرت له قانون نابليون المدني، وأشياء أخرى عديدة. فالحداثة البورجوازية أدت إلى المساواة بين المواطنين بغض النظر عن أصلهم وفصلهم أو دينهم ومذهبهم.

وتم ذلك طبقا للشعار الشهير الذي رفعته الثورة الفرنسية: حرية، مساواة، إخاء. ومعلوم أن أصداء الثورة الفرنسية وصلت إلى زوايا العالم الأربع. ولم تبق منطقة من مناطق العالم إلا وسمعت بها أو تأثرت بمبادئها قليلا أو كثيرا. والعالم العربي الإسلامي كان من بين المتأثرين.

ولولاها لما حصلت الإصلاحات داخل الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر تحت اسم: التنظيمات. وقل الأمر ذاته عن إصلاحات محمد علي في مصر وإنجازات رفاعة رافع الطهطاوي. فرياح الحرية والحداثة هبّت على العالم آنذاك من باريس. هذا شيء لا يشك فيه عاقل.

ثم يردف المؤلف قائلا: وقد رافق هذه الحداثة السياسية حداثة اجتماعية وثقافية وفنية وعمرانية وأدبية. فالعادات الارستقراطية القديمة تغيرت ولم يعد هناك ابن سيدة وابن جارية وإنما أصبح جميع أبناء الشعب الفرنسي سواسية. وبالتالي فأبناء العائلات لم تعد لهم نفس الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها سابقا.

ورجال الدين فقدوا أيضا الكثير من امتيازاتهم وهيمنتهم على العقول. والطائفية تراجعت بل وزالت تقريبا من كل أنحاء فرنسا. ولم تعد المؤسسات التعليمية أو سواها تفرق بين الكاثوليكي والبروتستانتي، أي بين أبناء الأغلبية وأبناء الأقلية. كلهم أصبحوا مواطنين فرنسيين من الدرجة الأولى.

فالمواطنيّة لم تعد قائمة على الدين أو المذهب وإنما على مبادئ فلسفة التنوير والإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن. وزالت كل الامتيازات التي كانت تتمتع بها الطبقة الإقطاعية الأرستقراطية أثناء العهد القديم. وهي امتيازات كان الشعب يدفع ثمنها غاليا من عرق جبينه.

ورافق هذه الحداثة السياسية والاجتماعية حداثة أدبية. وقد تجسدت في الرواية الواقعية الجديدة التي دشنها بلزاك في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ومعلوم أنه انتقل بالرواية من المرحلة الرومانطيقية إلى المرحلة النقدية الواقعية التي تصور الواقع كما هو ولا تشطح مع الأحلام الوردية كما كان يحصل سابقا.

إن الكوميديا البشرية التي ألفها بلزاك قدمت لنا أفضل صورة عن حياة المجتمع البورجوازي الفرنسي آنذاك. وبالتالي بلزاك هو رائد الحداثة على المستوى الروائي بقدر ما كان بودلير الذي جاء بعده بقليل رائدها على المستوى الشعري.

ثم يضيف المؤلف قائلا: لقد استطاع بودلير أن يؤسس الحداثة ويخترع لها اسما في ذات الوقت. وانتقل هو الآخر أيضا بالشعر من المرحلة الرومانطيقية التي كانت قد وصلت إلى حد الميوعة، إلى المرحلة الواقعية. وكانت قصائده مرتبطة بمدينة باريس التي عاش فيها معظم فترات حياته. بل وإن قصائده النثرية كان يمكن أن تتخذ العنوان التالي: مشاهد من الحياة الباريسية.

ولكن بودلير دفع ثمن هذه الحداثة النقدية الواقعية السوداوية. فقد صادروا ديوانه الشهير «أزهار الشر» ودفّعوه غرامة مالية كبيرة لأنه انتهك القيم الاجتماعية والدينية السائدة. ومعلوم أنه كان قد سخر في بعض قصائده من بعض العقائد المسيحية.

ثم يردف المؤلف قائلا: وبعد هذه الحداثة البورجوازية التي سيطرت على النصف الأول من القرن التاسع عشر، ظهرت الحداثة الاشتراكية في نصفه الثاني. بل ويمكن القول بأنها ابتدأت منذ ثورة 1848 الشهيرة واستمرت حتى ثورة كومونة باريس عام 1871. وهي الثورة التي قامت بها الطبقات الشعبية والعمالية الفقيرة. وقد سحقتها البورجوازية الحاكمة بالحديد والنار وخضب الدم شوارع باريس بسببها.

وهنا نجد أن الكثيرين من الشعراء تغنوا بتلك الثورة وكتبوا على هامشها قصائد عديدة. ومن أشهرهم بالطبع آرثر رامبو ولكنه ليس الوحيد.يضاف إلى ذلك أن رواية البؤساء لفيكتور هيغو لا يمكن فصلها عن هذا الجو الحامي من الصراع بين الأغنياء والفقراء. فقد صورت بشكل مرعب حياة الطبقات الشعبية في بعض أحياء باريس. ومعلوم أن مسألة الفقر والشحاذة والجوع كانت من أهم المشاكل آنذاك.

وعندئذ ابتدأت الحركات الاشتراكية بالظهور. وراحت تحتج على هيمنة الطبقة البورجوازية على المجتمع الفرنسي واستغلالها الجشع له. وكانت البورجوازية آنذاك في طورها لأن تتحول إلى رأسمالية. وهكذا نلاحظ أن باريس أو فرنسا عموما شهدت حداثتين لا حداثة واحدة: الأولى هي الحداثة البورجوازية التي ظهرت بعد الثورة الفرنسية وكانت تشكل انقلابا على العهد الإقطاعي والأصولي المسيحي القديم.

والثانية هي الثورة الاشتراكية التي ظهرت بعدئذ وكانت تشكل انقلابا على البورجوازية المهيمنة التي تحولت إلى طبقة استغلالية بدورها. وفي كل مرة كان الأدب يتغير وتظهر مدارس جديدة. فمثلا لا يمكن فهم روايات إميل زولا إلا إذا ربطناها بسياق الثورة الاجتماعية والاشتراكية. فقد انتقل من مرحلة الواقعية في التصوير الأدبي أو الروائي إلى مرحلة التشريح الفيزيولوجي للمجتمع الفرنسي.

وقد دعيت هذه المدرسة بالمرحلة الطبيعية:

أي المغرقة في واقعيتها. ولكن لا ينبغي أن نفهم من ذلك أن الأدب أصبح موضوعيا باردا بدون أية عاطفة أو شعر. فالواقع أن الشحنة الشعرية لم تفارق الروائيين الكبار على الرغم من موضوعيتهم النقدية أو الواقعية في الوصف والتصوير.

ولذلك دعوا بلزاك بأنه أكبر شاعر في الرواية الفرنسية. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن فلوبير مثلا أو ستندال أو بقية الكبار. فرواية مدام بوفاري مليئة بالشعر إذا ما عرفنا كيف نقرؤها، وقل الأمر ذاته عن «الأحمر والأسود» رائعة ستندال. ولذلك قال بودلير ما معناه: لا يوجد أدب بدون نفحة رومانطيقية: أي بدون نفحة شاعرية. ولكن الرومانطيقية لم تعد مائعة لدى كتّاب الحداثة كما كان عليه الحال سابقا. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.

ثم ثابرت باريس بعدئذ على دورها الريادي والطليعي في كافة المجالات. فالحركة الانطباعية في فن الرسم ظهرت فيها قبل أن تنتقل إلى كل أنحاء أوروبا والعالم. وقد أنجبت فنانين كبارا ليس أقلهم مونيه، ومانيه، وفان غوخ، وعشرات غيرهم. ويمكن أن نذكر أيضا ثورة الشعر الحديث على يد الثلاثي الكبير: رامبو، لوتريامون، مالارميه.

فهؤلاء حققوا نقلة جديدة للشعر بالقياس إلى عصر بودلير الذي جاؤوا بعده مباشرة. فقد حرروا الشعر من الأوزان والقوافي كليا وابتدعوا طريقة جديدة في التصوير والتعبير. وانتقلت ثورتهم الشعرية هذه إلى كافة أنحاء العالم ومنها العالم العربي بالطبع.

فلا يمكن فهم الثورة الشعرية العربية التي ظهرت في الستينات من القرن العشرين إلا إذا قارناها بالثورة الشعرية التي ظهرت في باريس في الستينات أو السبعينات من القرن التاسع عشر. وقس على ذلك...

وفيما يخص الفن التشكيلي كانت باريس عاصمة التجريب والتجديد في أوائل القرن العشرين على يد بيكاسو وسلفادور دالي وسواهما. وأما الثورة السريالية فقد اندلعت أيضا في شوارع باريس عام 1920 على يد اندريه بريتون وجماعته. فالبيان السوريالي ظهر لأول مرة عام 1924. وقد حرّرت السريالية العقل الباطن للفنان أو الكاتب وشجعته على أن يقول كل ما يشعر به حتى ولو لم يكن جيدا من خلال الكتابة الأتوماتيكية.

ومعلوم أن المبدع كان يكبت نفسه قبل ذلك خوفا من أن ينتقده الآخرون لأنه خرج على الدين أو العادات الاجتماعية الراسخة أو الفضائل الحميدة أو سوى ذلك. أما بدءًا من المرحلة السريالية فلم يعد يخشى شيئا وإنما راح يعبر عن كل ما يعتلج في صدره من هموم ونزوات وغرائز جنسية محرمة وسوى ذلك.

ولا ينبغي أن ننسى أن باريس هي التي صدرت إلى العالم بعدئذ الفلسفة الوجودية على طريقة جان بول سارتر، والفلسفة البنيوية على طريقة كلود ليفي ستروس وميشيل فوكو وجيل ديلوز، والفلسفة التفكيكية على طريقة جاك دريدا، الخ. حقا إن باريس هي عاصمة الثقافة والحداثة في العالم منذ قرنين على الأقل ولا تزال.

الكتاب : باريس عاصمة الحداثة

الناشر: روتليدج ـ نيويورك 2005

الصفحات : 372 صفحة من القطع الكبير

Paris, Capital of Modernity

David Harvey

Routledge- New York 2005

P.372