تتلخص الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب لمؤلفه محمد محفوظ في التأكيد على أن طبيعة التحولات والتطورات السياسية في المنطقة تفرض منطقا جديدا مفاده أن الانخراط في مشروع الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية هو الخيار الأسلم للحفاظ على الأمن وصيانة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وينطلق المؤلف في ذلك من أن الواقع اليوم لا يحتمل بأي حال من الأحوال التسويف والتأجيل باعتبار أن استمرار الأوضاع السيئة على حالها أضحى مكلفا للوطن والمجتمع على أكثر من صعيد. ويخلص محمد محفوظ من ذلك إلى أن لا خيار حقيقياً أمامنا على هذا الأساس سوى الاستجابة لمطالب الإصلاح التي عبرت عنها أطياف المجتمع وقوى الوطن الحية والمتعددة. ويؤكد المؤلف أن البطء أو التراخي في تنفيذ خطوات عملية في مشروع الإصلاح السياسي قد يكلف الوطن الكثير لأن طبيعة التطورات الحاصلة اليوم لا تقبل التأجيل والتسويف..

فلا حل أمامنا، حسبما يذهب ، تجاه المخاطر والتحديات الكبرى التي تواجهنا إلا المسارعة في عملية الإصلاح السياسي بما تعني هذه العملية من ديمقراطية وحريات سياسية واحترام كامل لحقوق الإنسان والمساواة التامة بين المواطنين وإدارة المال العام وثروات الوطن على أسس جديدة من العدالة والمساواة.

من التجديد وآفاق الإصلاح يبدأ المؤلف استعراض موضوعه متطرقا إلى الجذور الدينية والثقافية والمنهجية التي يستند إليها مشروع الإصلاح ويصل إلى قناعة أساسية وهي أنه لا يمكن أن ننجز مشروع الإصلاح السياسي بدون الإصلاح الديني والفكري والثقافي. في حيثيات التجديد يشير إلى أن التطور الإنساني يؤسس لهذا الأمر، كما ان التجديد في الرؤية والفكر يفضي إلى التطور النوعي في الحياة.

ومن خلال هذه المفارقة يرى أن أهمية التجديد والاجتهاد تنبع في كل العصور والأزمنة. ووفقا له فإن التجديد عملية حياتية شاملة وتستوعب كل الطاقات والقدرات وتحتاج إلى كل الإمكانات الإنسانية المتوفرة. وهنا يتوقف المؤلف ليشير إلى أن التجديد الذي يقصده لا يقع خارج الأدلة الشرعية والمقاصد الكبرى وإنما هو من داخل هذه الأدلة والمقاصد. ويحرص المؤلف على التأكيد على نوعية التجديد وأنه ليس تفلتا من الضوابط والقيم وإنما قراءة عميقة للنص والواقع.

وفي تأكيده على هذا المعنى يشير إلى التطور القانوني والفقهي في الدائرة الإسلامية وأنه كان نتيجة في أحد جوانبه للمتغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية والحضارية وما استحدثته هذه المتغيرات من وسائل وإمكانات لفهم ووعي الأسس والمرتكزات التي تستند عليها عملية التجديد في التجربة الإسلامية.

ويؤكد محمد محفوظ على نقطتين أساسيتين في إطار الصيغة المنهجية لعملية الاجتهاد والتجديد في الإطار الفكري والمعرفي وهما ضرورة الاعتماد على الحجة والبرهان، مشيرا إلى أن آيات القرآن الكريم استفاضت في مقام الاعتماد على مقتضى العقول وحجيته. والنقطة الثانية هي العلاقة بين النص والواقع مشيرا إلى أن المسلم المعاصر أحوج ما يكون اليوم إلى تطوير نمط علاقته بالنصوص حتى تصبح علاقة حيوية وفاعلة وبعيدة عن كل أشكال الحرفية والجمود.

ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن مفهوم الجهاد والعلاقة مع الآخر مشيرا إلى أن هذا الموضوع من الموضوعات التي تتطلب وضوحا وتجلية نظرا لسعى بعض الأطراف إلى تشويه هذا المبدأ المقدس وجعله مسوغا للعنف والقتل وتشريع استخدام القوة «العارية». في هذا السياق يحاول المؤلف تفنيد دعاوى ربط الجهاد بالعنف محاولا تحديد مفهوم الجهاد بالعودة إلى المصادر الإسلامية الأولى.

ومما يذكره محفوظ في هذا الخصوص أن الجهاد ليس من بواعثه الاختلافات الفكرية أو السياسية أو العقائدية وإنما الجهاد جاء لرد الظلم والعدوان، فباعث الجهاد ليس الكفر وإنما الظلم والعدوان. إلى جانب ما سبق يشير المؤلف إلى زاوية تتعلق بضوابط الحرية في ممارسة الجهاد مشيرا إلى أنه حينما تنتفي موجبات القتال والجهاد كالظلم والاعتداء والتهجير القسري من الأوطان حينذاك تتغير الظروف ولا يبقى هناك سببا وجيها لممارسة القتال ضد الآخرين.

ويخلص من ذلك إلى أن الجهاد ليس ممارسة العنف الأعمى ضد الآخرين، وأنه ليس ضد حرية الإنسان بحقائقها وتجلياتها العديدة وإنما هو شرع من أجل صيانتها وحمايتها من كل حالات الظلم والعدوان. من التطرق إلى الإصلاح عموما ومفهوم الجهاد بشكل خاص يحاول المؤلف تقديم رؤية أخرى مفصلة بشأن معنى الإصلاح الديني

مشيرا إلى أن هذا الإصلاح الذي يرى ضرورته لا يعني رفض قيم الدين أو الخروج عن متطلباته وضوابطه وإنما يعني إعادة تأسيس فهمنا للدين بعيدا عن الأحادية في التفكير والقشرية في الفهم والتعامل مع الاجتهادات الإنسانية في فهم الدين بعيدا عن التقديس الأعمى أو مفهوم الحقائق المطلقة. ويحدد أسس النزعة الإصلاحية في القراءة الواعية للدين في نقد الفهم الأحادي، باعتبار أن الدين الإسلامي بقيمه ومبادئه وتاريخه حافل بالغنى والاتساع والتعدد بالشكل الذي جعله شكل علامة فارقة ومنعطفا ضخما في التاريخ الإنساني قاطبة. ويعنى هذا ضرورة القول والاعتراف الصريح والتام بوجود قراءات متع��دة للدين وأن هناك تفسيرات ثرية لقيم الدين نحن بحاجة إلى احترامها وفسح المجال لنتاجها.

ويذكر المؤلف هنا أن الوعي الديني السائد في كثير من صوره وأشكاله هو احد المسؤولين المباشرين عن الاحتقانات الاجتماعية والسياسية والمآزق الوطنية، وأنه لذلك فإن عملية الإصلاح الوطني بحاجة إلى ما يسميه ممارسة قطيعة فكرية وعملية مع مقولات الوعي الديني التي تغرس الفرقة والتشتت بدعاوى مذهبية أو طائفية أو تمارس دور الوصاية والاحتكار لفهم قيم الدين.

كما ان من متطلبات الإصلاح التي يدعو إليها الكتاب تفكيك الاستبداد باعتبار انه بكل صنوفه وأشكاله من العقبات الكبرى التي تحول دون الإصلاح والتجديد والتطوير، موضحا أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال توقع أو تصور إصلاح من دون الحد من صلاحيات السلطات الشمولية والمطلقة، وعلى ذلك فإن تفكيك الاستبداد الديني والسياسي ونقد أسسهما الثقافية والسياسية هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تطوير مشروع الإصلاح وتجديد الخطاب الديني.

ويدعو المؤلف في ذلك الخصوص إلى أن يستفيد الفكر الديني المعاصر من التراث والقيم التحررية التي يتضمنها الدين الإسلامي والعمل على بلورتها في سياق خطاب إسلامي جديد يتجه صوب تفكيك الاستبداد وخلق حقائق الحرية والديمقراطية في الفضاء الاجتماعي.

ويستعرض المؤلف بعد ذلك قضية التعددية ومتطلبات الوحدة مشيرا إلى أن هناك ما يسميه ثقوباً في الوعي الاجتماعي وهي تمثل تحديات أخطر بكثير من تحديات الخارج ومؤامراته المتواصلة باعتبار أن هذه الأخيرة بأهدافها وآليات عملها تحفز الداخل على الاستعداد وتوفر إمكانية القيام لمواجهتها من قبل جميع شرائح المجتمع. أما أدران الداخل وأمراضه التي تنخر في الجسم الاجتماعي نخرا وتقوض أسس القوة والعزة ببطء وهدوء فإنها تحقق تأثيرها دون انتباه الكثير من الناس.

وضمن محاولته وضع ما يمكن اعتباره برنامج عمل إصلاحي يشير إلى أن من بين المطلوب في هذا الصدد تجديد الثقافة الاجتماعية من خلال تعزيز وحدتنا الوطنية وتمتين جبهتنا الداخلية وهو ما لا يمكن أن يتم إلا بطرد تلك الثقافة التي تربي الإنسان على الحقد والكراهية والفرز بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد،

إلى جانب العمل الجاد على إبراز النزعة الإنسية في الإسلام والتي تعكس المضمون الإنساني للإسلام والمسلمين، الاعتراف بالآخر منتقداً المنظومة الفكرية التي تغذي الاعتقاد لدى المؤمنين بها أنها تحتكر الحقيقة الوجودية وحدها وتنكر على الآخرين ما عندهم من فكر ومصالح وقناعات.

ويخصص المؤلف جانبا من الكتاب لمناقشة قضية المواطنة إزاء الطبيعة السجالية للمفهوم مشيرا إلى أن هذا المفهوم يحتل موقعا مركزيا في الفكر القانوني والدستوري المعاصر، ولذلك يرى أن تطوير واقعنا السياسي والقانوني اليوم مرهون إلى حد كبير بقدرتنا على المستويين النظري والعملي لبلورة هذا المفهوم كحقوق وواجبات في الفضاء الاجتماعي والوطني.

وبناء على هذه الرؤية يقرر أن المجال العربي اليوم لا يمكن أن يخرج من أزماته وتوتراته الداخلية إلا بإعادة الاعتبار في السياسات والإجراءات والتشكيلات إلى مفهوم المواطنة والعمل على صياغة فضاء وطني جديد قوامه الأساسي ومرتكزه الرئيسي هو المواطنة بصرف النظر عن المنابت الأيديولوجية أو القومية أو العرقية. ومن هنا، وحسب المؤلف، فإن الخطوة الأولى في مشروع الحل والإصلاح هي تأسيس العلاقة بين مكونات المجتمع والدولة على أسس وطنية تتجاوز كل الأطر والعناوين الضيقة بحيث يكون الجامع العام لكل المكونات والتعبيرات والأطياف هو المواطنة.

وفي تحديد المفهوم يشير إلى أنه ليس من شروط المواطنة الاتفاق في الرأي أو الاشتراك في الدين أو المذهب أو القومية، وهو ما يجعل المفهوم يستوعب كل هذه التعدديات والتنوعات ويجعل المناخ السياسي والثقافي والاجتماعي مواتيا لكي تمارس كل هذه التعدديات دورها ووظيفتها الحضارية والوطنية في إثراء الواقع الوطني ومده بأسباب الاستقرار والانسجام الاجتماعي.

من هذا الاستعراض يعود المؤلف ثانية وفي إطار عرضه لخطوط الرؤى الإصلاحية ليشير إلى وجود ضرورات ذاتية وموضوعية قصوى لتنمية ثقافة سياسية ديمقراطية جديدة في المجالين العربي والإسلامي تتجاوز كل عناصر التخلف والانحطاط والاستبداد العالقة في الثقافة السياسية السائدة

وذلك لأنه لا يمكن الخروج من مآزق الراهن والتفاعل الإيجابي مع مكاسب الحضارة دون ممارسة قطيعة معرفية وسياسية مع ثقافة وتقاليد التخلف والاستبداد باعتبار أنها المسؤولة عن عرقلة الكثير من مشاريع التقدم والحرية في الأمة. أما عن ملامح هذه الثقافة فيحددها في تهيئة المناخ لرفض كل محاولات تكميم الأفواه والعودة بالمجتمع إلى الأنظمة الشمولية التي تلغي الإنسان وحقوقه وتحارب كل محاولاته للتحرر والانعتاق من ربقة الاضطهاد والقهر السياسي والاجتماعي.

يستعرض محمد محفوظ بعد ذلك أوليات الثقافة السياسية الجديدة والتي يحددها في الحريات السياسية حيث أبانت تطورات المنطقة وتحولاتها المتلاحقة أن الداء العضال الذي يعاني منه جسم الأمة ويساهم في تدهور أوضاعها وانحطاط أحوالها هو داء الاستبداد والاستفراد بالحكم والسلطة .

ومن هنا فإنه بمقدار ديمقراطية ثقافتنا السياسية وإصرارها على الحريات الأساسية للفرد والمجتمع نتمكن من معالجة العديد من مآزق راهننا وتوترات مجتمعنا وذلك لان هذا المضمون الديمقراطي لثقافتنا سيمارس دوره في صناعة رؤية جديدة لمعالجة أزمات الواقع.

والى جانب الحريات يأتي مفهوم حقوق الإنسان حيث أن توفر هذه الحقوق يجعل المجتمع يتمتع باستقرار متين وانسجام صلب ومن هنا فإنه من الأهمية بمكان أن تتجه الثقافة السياسية إلى الإعلاء من شأن هذه الحقوق وتسعى نحو تربية أبناء المجتمع على مقتضياتها.

أما الأولية الثالثة والتي يشير لها المؤلف فتتمثل فيما يذهب إليه من ضرورة بناء القوة الحضارية موضحا أن ثمة قوة أساسية يكشفها المشهد السياسي المعاصر وهي أن الشعارات واليافطات الكبرى المجردة لا تصنع واقعا جديدا ولا تغير واقعا سيئا .. ومن هنا فإن الثقافة السياسية المطلوبة ليست هي الثقافة التي ترفع شعارات فضفاضة أو تحمل يافطات كبرى وإنما هي الثقافة التي تنصت بوعي وحكمة لأسئلة الواقع وتتفاعل على نحو إيجابي مع إمكاناته وقدراته.

مصطفى عبد الرازق

الكتاب: الحرية والإصلاح في العالم العربي

الناشر: الدار العربية للعلوم بيروت 2005

الصفحات: 159 صفحة من القطع الكبير