مؤلف هذا الكتاب مؤرخ وباحث بحريني اهتم بتوثيق ومتابعة أخبار المنطقة، بدأ حياته منتصف السبعينات كاتباً قصصياً ثم بدأ يدون الحكايات متتبعاً مسارها التاريخي وله في هذا الميدان عدة كتب نذكر منها «يا زمان الخليج، نسوان زمان، حكايات من البحرين، صدمة الاحتكاك، خليج الحكايات»

وغيرها على الرغم من المواقف المعلنة عن الجمعيات التبشيرية المسيحية التي انطلقت في أوائل القرن الماضي، إلا أن هذه الإرساليات كان لها دور آخر إلى جانب التبشير، ربما هو دورها الظاهري الذي استفادت منه شريحة واسعة من العرب حينذاك ـ علماً أنها لم تستطع ان تنفذ إلى عمق الإنسان العربي وتحويله إلى المسيحية، لصلابة المجتمعات التي تعرضت لحملات التبشير.

الكاتب المؤرخ خالد البسام ينقل لنا أكثر من صورة والعديد من الحكايات الموثقة، والمحاولات عن هذه المرحلة في كتابه «ثرثرة فوق دجلة» والذي جمع فيه ما بين الوثيقة المترجمة والتعليق وإبداء الرأي أو التحليل، فأضاف له من المتعة ما يوازي الحدث التاريخي والوثيقة،

وهو ينقلنا إلى أوائل الأزمان التي فكر فيها بعض المتعصبين من المسيحيين لنشر الدين المسيحي في البلاد الإسلامية كان ذلك عام 1889م بأحد الكنائس في مدينة «نيوبرونزديك» بولاية تيوجري بالولايات المتحدة الأميركية، وقد انبثقت من تلك الاجتماعات منظمة تدعى «الارسالية العربية الأميركية» وكان الهدف الرئيسي من إنشائها هو التبشير بالمسيحية في منطقة الخليج والجزيرة العربية.قاد تلك الاجتماعات د. لانسنج وثلاثة من مساعديه هم: (جيمس كانتين، وصموئيل زويمر، وفيليب فيلبس).

وبعد اجتماعات يذكرها الكاتب، وزيارات للقاهرة وبيروت ودمشق وكذلك إلى بغداد وعدن، اعقبتها اجتماعات واتصالات ووضع خطط وبرامج والاتصال بالكنائس في المنطقة والمبشرين المتواجدين في المنطقة العربية أقرت الإرسالية العربية الأميركية ان يكون مقرها البصرة في جنوب العراق.

فهي أفضل مكان يمكن ان تنطلق منه الإرسالية نحو تحقيق أهدافها التبشيرية، وذلك لكثافة سكانها وسهولة الوصول إليها، وموقعها الاستراتيجي الذي يميزها عن بقية الأماكن التي زارها خاصة وانها قد تسهل مهمة النفاد إلى عمق الجزيرة العربية، ويتجلى ذلك في رسالة بعث بها كانتين إلى مقر الارسالية يبرر فيها اختياره للبصرة بقوله: يبدو ان هذا المكان «البصرة» هو الأنسب لفتح ثغرة نحو الهدف.

وكما يقول الباحث خالد البسام معتمداً على مصادر مختلفة، فقد واجهت البعثات التبشيرية صعوبات عديدة، ورغم ذلك استطاعت ان تبدأ التبشير لاوسط البصرة فحسب بل في قرى ومدن العراق الجنوبية مثل العمارة، والناصرية.

وتم فتح مكتبات ومدارس ومراكز صحية «واهتمت الارسالية كذلك بالعمل الطبي في البصرة، وقدم المبشرون خدمات طبية هدفها الأساسي تبشيري لأهالي البصرة والقرى والمدن المجاورة، وكانت في البداية على شكل مستوصف صغير يديره طبيب واحد وممرضة.

ثم توسعت خدمات الإرساليات وتم فتح أول مستشفى في البصرة عام 1990، وكان المبشر مودريك قد حصل على موافقة الحكومة العثمانية بفتح مدرسة عام 1908 بالبصرة، وسميت بمدرسة الرجاء الصالح كان الهدف بلا شك تنصير المسلمين، إلا أنه يبدو ان أحداً من التلاميذ لم يتنصر ورغم ذلك فقد ظلت الإرسالية تعمل بكل ما أتيح لها من فرص أو توجد لنفسها تلك الفرص.

وبعد حوالي أربع سنوات من استقرار عمل الارسالية الأميركية في البصرة، انطلق مبشروها إلى المدن العراقية الكبيرة والصغيرة في الجنوب، ففي عام 1895 م بدأ العمل في مدينة العمارة ثم في مدينة الناصرية، وفي عام 1897 افتتحوا مكتبة للكتاب المقدس في كلتا المدينتين.

لكن الصعوبة التي واجهت هذه الإرساليات في العراق والخليج والجزيرة العربية هو صمود الناس أمام كل ما جاء به هؤلاء وواجهوا إيماناً راسخاً بالمعتقدات الإسلامية على الرغم من ان الناس استفادوا من خدمات تلك الإرساليات، يقول خالد البسام «شهد العراق ومنطقة الخليج والجزيرة العربية تحدياً حضارياً كبيراَ لم تألفه من قبل، وصراعاً فكرياً ودينياً وثقافياً واجتماعياً خطيراً، بين مبشرين أطباء خريجي أعرق الجامعات الأميركية، تقف من ورائهم مؤسسات دينية تدعمهم مادياً ومعنوياً، وبين شعوب بسيطة لم يكن معظمهم يعرفون حتى القراءة والكتابة،

لكنهم كانوا يقدسون معتقداتهم الدينية ويعيشون في تواضع لا يعرف ضجيج الآلات الحديثة التي راحت تغزو أوروبا وأميركا (آنذاك)، وبعد دراسة دقيقة يقدمها الباحث عن تلك الفترة بكتابه يقدم لنا تراجم لرسائل ووثائق صدرت عن أعضاء تلك الإرساليات للذين عملوا في البصرة، وردود المركز الرئيسي في أميركا عليهم مع تحليل وتعليق على هذه الرسائل والوثائق،

وقد شملت معظم الذين عملوا في هذه الإرساليات أمثال (فرديارني، شارون توماس، هاري وريترم، المبشرة وورال، جيمس موردياك، جون فان آيس، د. دياكسترا، أي مارتن، ادوين كاليفري، جيمس كانتين، البرت ادمارس، سوانتينا يونغ، ج غليسييزا، وليم موردياك، ديري توماس».

وهكذا فان هذا الكتاب يملك أهميته من طروحاته وعلميته، ومصادره وهو يدون لفترة تاريخية ترتبط بما يحدث اليوم في المنطقة، فقد وصلت البصرة قبل أكثر من مئة عام أول طلائع فرق التبشير الأميركية، تحت ستار التعليم والرعاية الطبية، ودارت مواجهات بين العراقيين ورجال هذه الحملة ـ دينية، ثقافية، سياسية، حضارية، امتدت هذه المواجهات حتى قيام ثورة يوليو 1958، وقد نثر خالد البسام أوراق رموز هذه الحملات وترجمها وعلق عليها وحللها، وقدم حكاياتهم وآرائهم وأهدافهم، وهو بذلك يقدم كتاباً يحتاجه الباحث والقارئ العادي معاً.

ومن الجدير ذكره ان الكتاب مزدان بالعديد من الصور التاريخية للمدن العراقية الجنوبية وكذلك بغداد، إضافة إلى صور المدارس والمستوصفات والمكتبات التي أسسوها، وصور المبشرين الذين عملوا في هذه الإرساليات، وجميعها صورة ثمينة قلما تتوفر.

عبدالإله عبدالقادر

الكتاب: ثرثرة فوق دجلة

حكايات التبشير المسيحي في العراق

1900 ـ 1925

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 2005

الصفحات: 222 صفحة من القطع المتوسط