مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور منصور يوسف العجب، نائب وكيل وزارة التخطيط وأمين عام جمعية الهلال الأحمر السوداني سابقاً. عضو مجلس الأمناء لمنبر القيادة الدولية بتركيا، أستاذ مشارك بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكسفورد. له العديد من الأبحاث حول الديمقراطية، والقيادة، وتقويم المشروعات، والتنمية الريفية الكاملة، والأمن الغذائي، والتنمية والتخطيط الإقليمي والاقتصادي.
في إطار الأزمة الاقتصادية والسياسية ذات الأبعاد الاجتماعية والتي لم يشهد السودان مثيلاً لها منذ أن وجد بحدوده السياسية الراهنة، يقدم المؤلف استراتيجية لمعالجة أساليب فض النزاعات (السياسية/الاجتماعية) ووضع تصور متكامل لإدارة القضايا المتشعبة بالسودان وصولاً لحالة توازن سياسي عادلة وشاملة ودائمة، ذات قبول من جميع أطراف الطيف السياسي السوداني. وفى ذلك الإطار يتحدث المؤلف عن مسارين، الأول يتناول المصالحات المبنية على الاتفاقات الثنائية والمؤدية إلى درجة من الاستيعاب السياسي الوظيفي.
والثاني: يسير في طريق الحل السياسي الشامل وذلك من خلال إعادة هيكلة جهاز الحكم ومؤسساته المشوهة منذ عهد الاستعمار حتى الآن. ثم يتحدث الكتاب عن حجم النزاع السوداني مؤكداً على اتساع رقعته ليشمل جبال النوبة في جنوب كردفان ومناطق البجا شرقاً وبجنوب النيل الأزرق ودارفور غرباً.
كما يتناول بالشرح أشكال ذلك النزاع والتي من أهمها: السياسي والذي اتسم بالصراع الحاد على السلطة وكيفية المشاركة فيها. والأيديولوجي والذي يتمثل في الصراع بين المعارضة والدولة والذي نتج عنه فوارق هيكلية حادة وعدم مساواة بين أهالي المناطق المهمشة وهى الأغلبية من ناحية الكثافة السكانية، والمراكز والفئات الاجتماعية المهيمنة عليه.
والعرقي والذي انعكس فى الصراع بين المجموعات العربية والمسلمة المهيمنة، والعناصر غير العربية ذات الأصول الأفريقية والتي تمثل أغلبية أهل السودان. والبيئي والمتمثل فى الصراع حول الموارد الطبيعية والاقتصادية والسيطرة عليها واستغلالها أو حتى سوء استغلالها (مناطق البترول ـ الأراضي الزراعية والرعوية). والثقافي والذي بلغ الذروة تحت الحكم العسكري الأصولي نتيجة للتوجه الثقافي والديني الأحادي النظام واحتكاره للحقيقة، وإخضاعه بل وإهماله للثقافات الأخرى،والهوية والمتمثل في التنافس الإثني والقبلي واللغوي والوصول للسلطة السياسية والاقتصادية والعدل الاجتماعي.
ويستعرض الكاتب الأسباب العامة لتلك الأزمات والمتمثلة في نظام الحكم الأحادي الديكتاتوري والدولة الدينية البوليسية، وغياب الديمقراطية وسيادة القانون وفرض القوانين المقيدة للحريات المدنية والسياسية، وغرس سياسة العنف واحتكار الحقيقة الدينية، وحظر ـ بل ـ وضرب مؤسسات المجتمع المدني، والتحيز الشديد لعضوية الحزب الحاكم، واحتكار النظام المصرفي، وعدم تبنى الديمقراطية الريفية الحقيقية، والتفاوت الإقليمي الناتج عن تمركز قرار استغلال الموارد في المركز على حساب الأطراف مما أدى إلى إعاقة النمو المتوازن والتنمية،
وهيمنة الفئة الطفيلية على الاقتصاد مع ازدياد نمط الإنفاق البذخي والتفاخري، وضعف ـ بل ـ وغياب التخطيط لا سيما بعد حل وزارة التخطيط وجعلها إدارة تابعة لوزارة المالية، وتدهور البنى التحتية المادية والاجتماعية مع ارتباطها بالنهج الذي اتبعته الحكومة في تطبيق سياسة السوق الحر لحسابات خاصة بها ورضوخاً لتوجهات وتعليمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وما يفرضانه معاً على الدول التي تدخل تحت نطاق برامج التكيف الهيكلي (إعادة الهيكلة).
وبعد استعراض المؤلف للإطار النظري والعملي، يقترح اختيار المسار الملائم لمعالجة الأزمة وذلك عن طريق: المصالحة الوطنية ووضع أسس التسوية السياسية الشاملة والعادلة (وضع الخطوط الفاصلة بين ما هو شرعي وما هو قانوني) مع تهيئة المناخ للوفاق الوطني. وفى حديثه حول نظام الحكم السليم في السودان يرى الكاتب أن الجمهورية الرئاسية لا تتناسب مع السودان، وأن نظام الحكم البرلماني الديمقراطي في إطار حكم فيدرالي حقيقي تشارك فيه الجماهير على جميع المستويات المحلية والإقليمية والمركزية هو الأكثر ملاءمة لحكم السودان.
وإعادة هيكلة جهاز الدولة على أسس وطنية، ودراسات علمية مع القيام بالإصلاحات في القطاعات الرئيسة بالاقتصاد الوطني (مثل قطاع الخدمات والذي يمثل 40% من الناتج المحلي الإجمالي)، وإتباع سياسة نقدية فاعلة ومؤثرة في الطلب الكلي وأسعار الفائدة ومشجعة على النمو، مع تطوير الجهاز المصرفي والإصرار على استقلالية المصرف المركز باعتباره مصرف المصارف، وتبنى سياسة ضريبية سليمة، ومعالجة الدين القومي
وذلك من خلال العمل الجاد على إعادة أموال الدولة بالخارج وإعادة جدولة الديون ومحاولة إلغاء بعضها ومبادلة الدين، مع وضع تصور للمساعدات الخارجية ومعالجة الخلل في الاقتصاد الكلي. ويرى المؤلف ضرورة وضع تصور لتطوير القطاع الصناعي من خلال ضرورة تكامل قطاعي الزراعة والصناعة حيث أن الزراعة توفر سوقاً للسلع الصناعية، والاحتياجات الغذائية لسكان المدن والعمالة ورأس المال للقطاع الصناعي، والعملات الصعبة اللازمة لاستيراد الآلات والمعدات والمواد الخام.
وفى المقابل توفر الصناعة المدخلات الزراعية مثل الآلات والأسمدة. ويرى المؤلف ضرورة وضع استراتيجية صناعية ذات توجه داخلي مع تبني البرامج التي تحقق العلاقة بين التجارة والتنمية (رسم السياسات التجارية التي تحقق الأهداف التنموية). وهو في هذا الصدد يشدد على أهمية الصناعات الانتقائية ذات الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة والكامنة والتي تعمل على تقوية الترابط والتكامل الرأسي والأفقي بالقطاع. كما يركز على أهمية تشجيع الصناعات الصغيرة ذات الكفاءة بواسطة الجمعيات التعاونية وصغار المنتجين في القطاع الخاص.
ويشدد على أهمية تنشيط القطاعات الاقتصادية المنتجة، والقيام بإصلاحات ضريبية وإدارية وتحقيق توازن ملائم بين القطاعين العام والخاص وبين الإنفاق الإنتاجي والاجتماعي، وإعادة تنشيط الدولة التنموية بالمشاركة الشعبية وتطوير نظم الإدارة العمالية والعقد الاجتماعي، وإنعاش التخطيط طويل المدى، ومراعاة العدالة في توزيع الدخل والإنفاق، ورفع الطلب الفعلي لمحدودي الدخل (سياسة التسعير ـ خلق الوظائف ـ توفير السلع العامة ـ إعادة توزيع الدخول).
ويتحدث الكتاب عن الصناعات النفطية وتوزيع العائد منها ـ والذي أكدت تقارير صندوق النقد الدولي ـ أنه قد تم توجيه نسبة كبيرة من تلك العائدات إلى الإنفاق العسكري، دون الإنفاق على الأمن الداخلي، وقد ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 50% في الفترة ما بين 1999 و2001 بمعنى آخر ارتفع من 242 مليون دولار إلى 363 مليون دولار. هذه الزيادة قد توافقت من الزيادة في الدخل الحكومي (من البترول) من 7. 6% عام 1999 إلى 39% عام 2001 من الدخل القومي.
ثم يتناول الكاتب التخطيط الإقليمي للتنمية والذي يعمل على تنسيق النشاطات داخل الإقليم، وبينه وبين الأقاليم الأخرى، وفى الوقت نفسه، تعطى بعداً قاعدياً للتخطيط التنموي القومي حيث تشكل اتجاهاً لمعالجة تخطيط التنمية القومية انطلاقاً من القاعدة، مع الحفاظ على خصوصية الإقليم والذي يجب أن يستوفي بعض الشروط مثل: اعتبار الإقليم منطقة تتسم بمشكلات ذات ظروف خاصة به، فضلاً عن المصالح الاقتصادية للجماعة التي تقطنه،
وأنه يحتوي على موارد متنوعة، وقاعدة متميزة بمورد معين، وأنه منطقة تشكل وحدة اقتصادية واجتماعية قائمة بذاتها لأغراض التخطيط. وفى السياق نفسه يشير المؤلف إلى الأمن الغذائي الذي يهدف إلى تحسين فرص تمكين واستحقاق الفلاحين. حيث ان كلمة تمكين تشير إلى الأصول التي يملكها الفلاحون وقدراتهم الشخصية التي يستعملونها في تأسيس استحقاقهم للحصول على الغذاء. أما كلمة استحقاق فتشير إلى العلاقات المتأسسة من خلال التجارة والإنتاج المباشر وبيع قوة العمل، التي بواسطتها يمكن للفرد أو الأسرة التمكن من الوصول إلى الغذاء.
وأخيراً يرى الكاتب أن المرحلة الانتقالية التي يمر بها السودان الآن يجب أن ترتكز على تحقيق ثلاث مهام رئيسة هي: ما يتعلق بقضايا السياسة والدستور ونظم الحكم، وما يتعلق بقضايا الاقتصاد والتنمية، وما يتعلق بعلاقات حسن الجوار حيث ان لجيران السودان اهتمامات مشروعة لما يحدث بالسودان.
كما أن تحقيق هذه المهام يتطلب احترام ثلاثة مبادئ هامة وهى: المشاركة، ولم الشمل، والالتزام. لذلك لابد من عقد مؤتمر دستوري جامع بهدف الاتفاق حول المسائل الدستورية، ومؤتمر اقتصادي وطني شبيه بالمؤتمر الاقتصادي لعام 1986 ومؤتمرات إقليمية مع دول الجوار لبناء الثقة ودفع العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى الأمام.
محمد جمعة
الكتاب: السودان الدولة الموحدة
الناشر: دار الهلال ـ بيروت2005
الصفحات: 141 صفحة من القطع الكبير
