مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جواكيم غارف أستاذ الفلسفة في جامعة كوبنهاغن بالدانمارك. وهو يقدم هنا أضخم وأحدث سيرة لأكبر فيلسوف أنجبته الدانمارك في تاريخها كله: سورين كيركيغارد. ومعلوم أن أحدهم أطلق العبارة التالية: إن كيركيغارد فيلسوف كبير لبلد صغير الحجم. بمعنى أنه أكبر من البلد الذي أنجبه.
ومنذ البداية يقول لنا المؤلف ما معناه: إن سورين كيركيغارد هو مؤسس الفلسفة الوجودية المعاصرة قبل هيدغر وقبل سارتر. إنه الممثل الأكبر للتيار الوجودي المسيحي الذي يتمايز عن التيار الوجودي الإلحادي لهيدغر وسارتر. ومعلوم أن هذا الفيلسوف الدانماركي نهض ضد هيغل ونظامه الفلسفي الذي يفسر العالم موضوعيا وبشكل بارد تقريبا. وقال كيركيغارد بأن أساس الفلسفة هو الفرد والذاتية الفردية وليس النظام أو التاريخ الموضوعي أو العالم الخارجي المعزول عن ذاتية الأفراد.
بمعنى آخر فإن كيركيغارد ناضل طيلة حياته كلها ضد النظام الفلسفي الهيغلي الذي كان يسيطر على الجامعات الأوروبية آنذاك. وقد كان كيركيغارد مفكرا دينيا في أعماقه ولكنه كان يرفض الكنيسة الرسمية وهيمنة رجال الدين على العقول. ولم يكن مشغولا بالفلسفة فقط وإنما كان يهتم أيضا بالمسرح والموسيقى وبخاصة موسيقى موزار.
لكن من هو سورين كيركيغارد بالضبط؟ ولادته لها قصة تستحق أن تروى، ولكن لا نستطيع أن نفهمها إن لم نبدأ أولاً بالتحدث عن والده ميكائيل بيديرسين. فهذا الرجل الذي ولد عام 1756 كان راعيا في مزرعة تدعى: كيركيغارد. ولذلك لقب اسمه بها بعدئذ. وفي أحد الأيام وكان عمره أحد عشر عاما كان يرعى أغنامه في البرية، وفجأة راح يشتم السماء لأنها خلقته ولدا فقيرا يشتغل كأجير عند الآخرين ولم تخلقه في عائلة غنية.
ثم تزوج عام 1794 ولكن امرأته ماتت دون أن تترك له أي سلالة وراءها. فتزوج مرة ثانية من خادمته وعشيقته لأن أوضاعه المادية كانت قد تحسنت بعد أن كفر بالدين وشتم السماء ! وخلال عشرين سنة أصبح ميكائيل كيركيغارد (والد فيلسوفنا الشهير) من أغنى الأغنياء بعد أن كان من أفقر الفقراء. وكل ذلك بفضل التجارة والحظ الذي ابتسم له أخيرا.
ثم انسحب من مجال الأعمال وهو في الأربعين لكي يتفرغ للتأمل والتفكير. وفجأة ينتقم منه القدر فيموت أولاده ما عدا الأكبر والأصغر. وكان الأصغر هو سورين كيركيغارد فيلسوف الدانمارك المقبل. وكان عمره آنذاك ستة أعوام فقط. وقد خاف عليه أبوه خوفا شديدا من أن يموت. وبما أنه شعر أن السماء انتقمت منه لأنه شتم الدين أو كفر به فإن راح يكفر عن ذنوبه عن طريق تربية ابنه على احترام الدين احتراما كاملا.
لقد رباه تربية دينية صارمة قائمة على الخوف من الله وخشيته بشكل مفرط أو زائد عن الحد. وسوف تظل هذه التربية تلاحقه طيلة حياته كلها. كان سورين كيركيغارد قد ولد عام 1813 في كوبنهاغن وماتت أمه عام 1834 وهو في العشرين من عمره أو أكثر قليلا. ولكن الغريب العجيب هو أنه لا يتحدث عنها أبدا على الرغم من أنها كانت طيبة وتهتم بأطفالها كثيرا. وأما والده فقد مات بعدها بأربع سنوات عن عمر يناهز الثمانين.
ولكن المشكلة ليست هنا. المشكلة هي أنه لم يكتشف الخطيئة التي ارتكبها والده بلعن الدين المسيحي والسماء والتعالي الرباني إلا بعد موت هذا الأخير بسنة واحدة. وعندئذ شعر بزلزال أرضي كبير يهزه من الأعماق. ثم يردف المؤلف قائلا: لقد عرف أن والده ارتكب أكبر خطيئة في الدنيا: خطيئة التجديف والكفر بالله سبحانه وتعالى. وبدءًا من تلك اللحظة شعر سورين كيركيغارد أنه مذنب هو الآخر أيضا وأن عليه أن يكفر عن خطيئة والده أو يتحمل مسؤوليتها عنه بعد موته.
وأصبح فيلسوفنا شخصا انطوائيا حزينا منغلقا على نفسه بعد أن كان يحب المسرح والحياة والاجتماعات الطلابية في جامعة كوبنهاغن. وراح يدير ظهره للعالم أكثر فأكثر ويبحث عن سبيل لإنقاذ روحه من الخطيئة التي ارتكبها والده يوما ما. وعلى الرغم من أنه ارتكبها قبل أن يولد بسنوات طويلة إلا أنه أحس بأنه مسؤول عنها. أو قل شعر بأنه ابن الخطيئة وثمرة من ثمراتها، فوالده لم يكن مؤمنا إلى الحد الذي كان يتصوره.
ثم خطب فتاة جميلة ورائعة بعد أن أكمل دراساته الجامعية. واعتقد أن دخول هذه الفتاة إلى عالمه سوف يشفيه من المرض النفسي الذي ينخر في أحشائه. ولكنه بعد فترة اكتشف خطأه. ففسخ خطوبته معها على الرغم من أنه كان لا يزال يحبها حبا جما. وقال لها: شخص آخر سوف يسعدك، وليس أنا. أنا عاجز عن إسعاد نفسي وبالتالي فلا أريد أن تدمري حياتك معي. إني أتركك لأني أحبك أكثر مما يجب لا لأني أكرهك.
وكان هذا هو الحدث الكبير الثاني في حياة كيركيغارد بعد اكتشافه لكفر أبيه أو خطيئته. ولذلك قال فيما بعد: هناك شخصان مهمان في حياتي هما: أبي وخطيبتي ريجين أولسين. وعلى الرغم من أن هذه الأخيرة تزوجت بعدئذ وأنجبت الأطفال إلا أنها ظلت تحبه ويحبها. ولذلك فإنه ترك لها مسؤولية الإشراف على نشر أعماله بعد وفاته. لقد أصبحت خطيبته إلى الأبد. وانتشرت قصة حبهما في كل أنحاء الدانمارك كما انتشرت قصة مجنون ليلى عند العرب...
ثم يردف المؤلف قائلا: لأن سورين كيركيغارد شعر بأنه رجل إيمان وتدين في أعماقه، ولأنه شعر بأنه متعطش إلى المطلق ويبحث عنه، فإنه عرف أن كل شهوات ومتع هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن تشبعه ولا يمكن أن تروي عطشه أو تهدئ من قلقه. ولهذا السبب قال بينه وبين نفسه: لا يحق لي وأنا في مثل هذه الحالة أن أخرب حياة خطيبتي المليئة بالأمل والمحبة والتي لا تعاني من أي مشكلة وجودية أو نفسية.
وإنما هي إنسانة طبيعية كبقية البشر. أما أنا فإنسان مريض ومرضي من النوع المستفحل الذي لا شفاء منه. وبالتالي فلأتركها وشأنها تعيش حياتها وتسعد بأطفالها وزواجها. وعلى الرغم من أن القطيعة معها كلفته غاليا من الناحية النفسية لأنه كان يحبها إلى درجة العبادة إلا أنه لم يتراجع عن قراره. بل وهرب من الدانمارك كلها لكي ينسى القصة ولكي يتيح لحبيبته أن تنساه أيضا وتفكر في مستقبلها.
وهكذا ذهب إلى برلين عام 1841، أي بعد موت هيغل بعشر سنوات ولكن شبحه كان لا يزال يخيم على الجامعات الألمانية كلها. وقد تعلق بفلسفته في البداية قبل أن يعاديها ويدير ظهره لها. وقال: لا يهمني التاريخ الموضوعي ولا الجماعات البشرية ككتل متراصة وإنما يهمني الفرد المحسوس بكل قلقه ومخاوفه الداخلية ورعبه. فأنا فيلسوف الفرد لا فيلسوف الجماهير والقطيع.
والشيء الذي أزعجه في فلسفة هيغل هو أنه يحتقر الفرد ولا يهتم الا بحركة التاريخ وتقدم المجتمع ككل حتى لو حصل هذا التقدم على أكتاف الفرد وسحقه سحقا. ومعلوم أن فلسفة هيغل للتاريخ كانت تقول ما معناه: لكي يتقدم التاريخ خطوة واحدة إلى الأمام ينبغي أن تحصل مجازر ويموت آلاف البشر. فهذا هو الثمن المدفوع أو الذي ينبغي دفعه لكي يحصل التقدم في التاريخ. هناك تضحيات مؤلمة لا بد منها لكي يكتشف البشر الحقيقة ولكي يخرجوا من الحالة الهمجية إلى الحالة الحضارية.
وبالتالي فالفرد ليس مهماً بحد ذاته وإنما المهم تقدم الجماعة. ولكن كيركيغارد رفض هذا المنظور وقال: إن الشخص الوحيد الذي يهمني هو الإنسان الواحد أو الفرد الذي أعرفه وألتقي به كل يوم. الشيء الذي يهمني هو قلقه، خوفه، عذابه، همومه الحياتية.
وبالتالي فإن هدف الفلسفة ينبغي أن يكون ما يلي: إيجاد علاج مسكن لأوجاع الفرد وقلقه في هذا العالم.
ثم يردف المؤلف قائلا: على الرغم من أن كيركيغارد نال شهادة الدكتوراه من كلية اللاهوت المسيحي في الجامعة إلا أنه رفض أن يصبح قسا بروتستانتيا. فهو لا يؤمن بالدين على طريقة العامة أو الكنيسة الرسمية، وإنما بشكل حر وعلى طريقته الخاصة. إنه مؤمن على الطريقة الفلسفية، وكثيرا ما يخلط بين الدين والفلسفة. وكان يقول: إذا ما فهمنا الدين بشكل صحيح فإنه لا يتعارض مع الفلسفة. وهو ما كان يقوله ابن رشد أيضا.
ولكن الفهم الأصولي المتعصب للدين مكروه وينبغي أن نحاربه لأنه يقضي على جوهر الدين أي على المقاصد السامية للدين. وقد نشر مقالة عنيفة جدا ضد نفاق الكنيسة الرسمية ورجال الدين.
ووصل به الأمر إلى حد رفض الصلاة الدينية عليه من قبل القس المسيحي عندما حانت لحظته الأخيرة في المستشفى. ومعلوم أنه سقط مغمى عليه في الشارع عام 1855 ونقلوه إلى المستشفى حيث مات بعد فترة وجيزة، أو قل بعد بضعة أشهر من العذاب والمعاناة. وهكذا مات في عز الشباب: أي في الثانية والأربعين من عمره. ومع ذلك فقد خلده التاريخ كأحد كبار الفلاسفة وترك وراءه مؤلفات ضخمة وعديدة.
والشيء المؤثر في القصة كلها هو أنه ترك ثروته أو قسما كبيرا منها لخطيبته السابقة ريجين أولسين على الرغم من أنها تزوجت وعاشت مع شخص آخر. وترك لها مهمة الإشراف على أعماله التي أصبحت تباع بالملايين. وكان كيركيغارد غنيا جدا بفضل إرث والده وبفضل شهرته أيضا كأكبر كاتب وفيلسوف في عصره.
والشيء المؤثر أكثر هو أن خطيبته التي عاشت بعده خمسين سنة تقريبا طلبت أن تدفن إلى جواره لا إلى جوار زوجها الرسمي .
قد فاجأ هذا النبأ الكثيرين. وكانت بذلك تريد أن تقول ما معناه: إذا كان القدر قد فرقني عنه في هذه الحياة العابرة، فإني سألتحق به في الحياة الأخرى، حياة الأبدية والخلود. وكانت تعتبر نفسها زوجته على الرغم من كل ما حصل. وقالت: إذا لم يكن زوجي هنا فسوف يكون زوجي في السماء.
هذه هي قصة هذا الفيلسوف الذي ملأ الدنيا وشغل الناس والذي لا يزال الكثيرون في جامعات أوروبا يكتبون عنه أطروحات الدكتوراه. لقد عاش نقيا بريئا مخلصا للحقيقة ولها وحدها.
الكتاب: قصة حياة سورين كيركيغارد
الناشر: مطبوعات جامعية برنستون 2005
الصفحات: 872 صفحة من القطع الكبير
Soren Kierkegaard : A Biography
Joakim Garff
Princeton University press 2005
P.872
