د. عبدالله محمد الغذامي باحث ومفكر سعودي، صدر له من قبل: تشريح النص 1987، والكتابة ضد الكتابة 1991، والصوت القديم الجديد 1991، والخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية 1993، والموقف من الحداثة 1992، وثقافة الأسئلة 1993، والقصيدة والنص المعتاد 1994، والمشاكلة والاختلاف 1994 والمرأة واللغة 1996. في كتابه «السيدة أميركا» والذي هو ثمرة رحلة قام بها د. عبدالله الغذامي لأميركا كانت قد مولتها له وكالة الإعلام الأميركية، زار فيها تسع ولايات في تسعينات القرن المنصرم.

يرى أن أميركا هي مثل كتاب مفتوح، وأنها أشبه ما تكون بالنص الملحمي الذي ينطوي على بساطة ظاهرية، وعلى تعقيد داخلي ينظر فيه الناظر فيتسلى ويتوهم السهولة ومن ثم السيطرة عليه، ولكنه نص مضطرب متملص وزئبقي، يعطي كل ناظر بعض ما يريد ويخفي عنه أشياء. ولكنها ـ مع ذلك ـ كتاب مفتوح قابل للفهم ولسوء الفهم، مثل أي نص إبداعي ينطوي على المجاز وعلى المضمن والمضمر، وما أكثرهم أولئك الذين حاولوا قراءة هذا النص الأميركي العجيب.

وكم وثقوا بصدق تصوراتهم وصحة تأويلاتهم منذ قراءة ماوتسي تونغ المشهورة ونبوءته بتحطيم العملاق من الداخل. ولكن العملاق لم يزل يزداد عملقة وجبروتاً. إنه مثل كتاب مسموم يقتل قارئه ولا يموت هو، كما تقول حكاية ألف ليلة وليلة عن الحكيم دوبان. هل صارت أميركا هي الكتاب العالمي المفتوح؟ مثلما هي الحلم الكوني. هل ظلت مخبوءة على مدى القرون لكي تظهر أخيراً وتتحول إلى فرانكشتاين الذي ينقلب على صانعه ويدمره؟ هل هي كتاب مسموم فعلاً؟

عندما كنت في أميركا لم أحاول قط أن أتحدث مع الأميركيين عن النظام العالمي الجديد. لم أتكلم عنه معهم لأنني ـ يتابع الغذامي ـ كنت أستطيع تصور حالتي أمامهم لو أنني أعلنت عن عشقي لفتاة رأيتها في المنام من دون أن يكون لها أي وجود حقيقي.. اسم بلا مسمى، اسم بلا جسد.

لأنه ـ النظام العالمي الجديد ـ وصف لواقع خارجي ولحوادث حدثت لغير الأميركيين، لم يصنع الأميركيون هذا النظام، لقد وجدوه أمامهم. هكذا صار: انهار الاتحاد السوفييتي، وتمزقت الممالك الشرقية، وتعرّى الكرملين، وكشفت الـ «كي.جي.بي» عن ساحتها وعن سوءتها، ولم يطق البيت الأبيض أن يكبح جماح وهمه، فسمى الحادث بهذا الاسم كعنوان جميل وكإعلان أنيق عن سقوط الخصم.

وصفا الجو للعنقاء الأميركية فباضت وصفّرنا، باضت الشعار وصفَّرنا نحن لهذه الكلمات الثلاث.

لقد سال حبر كثير على وجه أميركا وتكسرت الأقلام على الأقلام، وما زالت الكتابة مستمرة، وما زالت الأذهان تدخل في مباريات عقلية محتدة حول أطرف التأويلات وأغرب التفسيرات عن وجه أميركا وقفاها، عن قراءة سياساتها والتنبؤ بحركاتها، وحتى عن مصير وجودها وعن مستقبلها ـ كل هذا حدث ويحدث ولا خوف على من يكتبون ـ الكاتب لا يخاف، وأميركا لا تتغير ـ سيدة هي أميركا، تسبها فتضحك وتجعلك تضحك معها، بل إنها تعطيك الأقلام والورق وضوء المصباح وتدعوك للكتابة وتسيطر مشاعرك على جسدها وعلى جبينها.

ومن هنا، فإن أجمل ما في أميركا أننا نقول عنها ما نقول ولا نخاف، وهذا هو ما أسال أقلام العالم حبراً وكتابة عن أميركا. وجعل أميركا مادة للقراءة الحرة والمفتوحة، يجرب فيها الكاتب قلمه ومهاراته الذهنية، وهو مصيب في كل ما يقول.

وكأن الكتابة عن أميركا أصبحت ضرورة ثقافية، ولا تكتمل عدة كاتب إلا بها، بدءاً من كولومبس ومذكراته عن الهنود الحمر والأرض والطبيعة، مروراً بكل كتَّاب العالم وشعرائه وسياسييه، حتى ليخيَّل للمرء أن خيالات الرحالة القدامى وخرافاتهم عن جزر عائمة وأخرى مفقودة خلف مغيب الشمس إنما كانت نبوءات عن هذه الأرض المخبوءة خلف المياه.

هذه أميركا أسطورة الخطاب الحديث. وإن كانت الأساطير الإغريقية هي نواة كل إبداع أدبي. وهي السر الكامن خلف كل خطاب نقدي، فإن أميركا هي (يونان) العصر الحديث، حيث تجدها داخل كل خطاب ووسط كل معرفة، ووسيلة كل مثاقفة.

وبما أنها نص مخبوء داخل كل النصوص فإنها قد تحولت إلى بطل ملحمي، ومن شأن البطل الملحمي أن يكون تراجيدياً، مثل أوديب الذي كتب عليه أن يهاجر عن دياره ليعود مرة أخرى فيقتل أباه ويتزوج أمه ويحكم الأرض، بعد أن انتصر على الوحش.

أفلا تكون أميركا هي أوديب أسطوري؟ أليس الشرق الآن ملك يديها، والشرق عندي هو كل ما يقع شرق الساحل الأميركي، وذلك لأن أميركا هي المركز، ومن ثم فإن جهات الجغرافيا تقاس بعلاقاتها بهذا المركز. أليس كل ما هو شرقها ملك يديها؟

لقد تزوج أوديب الأميركي أمنا الأرض، ومات الآباء كل الآباء ـ بدءاً من سلاطين الكرملين وانتهاء بالإمبراطور (هونيكر). هذا البطل المعاصر لابد أن يكون قوياً وجباراً وقدرياً لكي يكون أسطورياً وملحمياً. ومن هنا فإن النظرة إليه تتحكم فيها شروط علاقات القارئ بالمقروء، لا سيما إذا كان المقروء أسطورياً، ولسوف يكون القارئ حينئذ هو الضحية التي تسعى إلى الدفاع عن نفسها عن طريق اتهام الآخر. لهذا فإن (الموضة) الثقافية هي ذم أميركا.

ولا يوجد كاتب عالمي إلا وجعل شتيمة أميركا واتهامها شرطاً من شروط الكتابة عن أوديب الجديد. حتى إن الثناء على أميركا قد صار كلاماً ساذجاً وممجوجاً، لا يمثل ولا يقدم خطاباً معرفياً أو ثقافياً. هذا يجسد العلاقة بين القارئ والمقروء في معادلة تنافسية تجعل المقروء قوياً وعظيماً وغنياً. وتجعل القارئ ضعيفاً ومستلباً وفقيراً. وفي معادلة كهذه لا تكون العلاقة إلا محاولة لقتل الآخر، والآخر هنا هو أميركا فحسب، التي تمثل الأب والوحش.

وتنشأ مع هذا رغبات متناقضة ما بين الكراهية المعلنة والمحبة المضمرة، وكل الذين يكتبون عن أميركا بكرهٍ معلن ويطلبون موتها والقضاء عليها يتمنون في الوقت ذاته أن يكونوا مثلها، أو يتجنسوا بجنسيتها، أي إلغاء الآخر إما بقتله أو بتحويله إلى (ذات).

هذا الهوس الكتابي عن أميركا حوّلها إلى قوة ضاربة، ليس بما تملكه من جيوش ومخابرات وتكنولوجيا، ولكن بما تمثله من سلطان نفسي يشبه الرعب الميتافيزيقي الذي تملكه الأساطير. إذ احتلت أميركا دواخلنا حتى صارت مؤسسة معرفية لها قوتها من جهة، ولها تأثيرها من جهة ثانية.

ومن ثم أخذت تتضخم داخل لغتنا وداخل تصوراتنا حتى صارت العملاق الذي لا يقاوم، واصطبغ العصر بصبغة أميركا منذ أن تحولت إلى أسطورة تتحكم باللغة والخطاب. ولن يكون أي كاتب من الكتَّاب عصرياً إلا إذا كتب عن أميركا، ومن لم يكتب ـ أو يتكلم ـ عنها فهو خارج زمنه وخارج عصره. حتى لقد غدت أميركا أشبه ما تكون بسفينة نوح. والعالم مأمور بأن يركب في السفينة، ومن لم يركب فسوف يغرق.

أنور محمد

الكتاب: السيّدة أميركا

الناشر: مركز الإنماء الحضاري حلب 2006

الصفحات: 170 صفحة من القطع الوسط