فيما يتلهف القارئ للتعرف إلى جديد الكاتب المسرحي الإيطالي العالمي «داريو فو» فوجئت الأوساط الثقافية بروايته «سنواتي السبع الأولى» التي دشنت فعاليات معرض أدنبرة الدولي للكتاب، والتي يصفها النقاد بأنها أحد أكثر الأعمال التي كتبها داريو فو نضجاً والأكثر تأثراً بالموروث الثقافي الإيطالي، القصصي على وجه التحديد. عمل مليء بالحكايات والشخصيات والمشاهد والصور الوصفية التي يتعرف من خلالها القارئ على بداياته الإبداعية.

«لا تهمني السياسة، قضيتي هي العدالة» تلقي هذه العبارة الضوء على شخصية داريو فو وفكره الإنساني رغم أنه معروف، على نطاق واسع، كناشط سياسي . إلا أن شهرته كمسرحي تعود في الأساس إلى مسرحيته الهزلية الشهيرة «يوميات فوضوي مات صدفة» (1970) ترجمها إلى العربية، توفيق الأسدي، وهي كوميديا عميقة تلقي الضوء على مأساة عامل فوضوي تقع أثناء أحداث العنف التي كانت قد شهدتها إيطاليا في تلك الفترة، يهاجم فيها النظام السياسي الإيطالي والحكومات الرأسمالية. كما يتذكر العالم لهذا الكاتب حصوله على جائزة نوبل للآداب لسنة 1997.

تأثر فو بالأدب الشعبي وهو أدب معروف في إيطاليا منذ عصر النهضة، مميز بانتقاداته اللاذعة وقدرة مؤلفيه على الارتجال».

في تصريح خاص . . . استرجع فو ذكرياته عن جده، ويعرف عن هذا الرجل أنه من رواة القصة الماهرين في سرد القصص والأخبار حسب تقاليد القص الإيطالية التقليدية، إذ كان يمارس هوايته أثناء تجواله من قرية إلى أخرى».

ولد فو سنة 1926 في قرية سانجا بنو فاريزي الصغيرة التابعة لسويسرا، على الحدود الإيطالية السويسرية، ونشأ في الحقبة الموسولينية أما عائلته فقد اشتهرت بتهريب الفارين من النظام الفاشي وهو ما كان يبدو مناسباً لتعزيز تجربته الاستثنائية التي نقلته في سن الطفولة المبكرة، الخامسة من عمره في رحلة طويلة على بساط سحري من المغامرات. تلك المغامرات كما يعبر عنها في، سنواتي السبع الأولى، تبدأ بمشاركته بعض أفراد العائلة ثم تنتهي بتفرده في اختراع الوسائل الكفيلة بعبور اللاجئين الحدود الإيطالية.

غير أن هذه الأحداث المهمة المرتبطة بالوعي السياسي المبكر لدى فو سرعان ما تحولت إلى حكايات رائعة بعضها يلقي الضوء على عالم طفولي مليء باللهو والمرح بينما يلقي الآخر الضوء على عالم أكثر تعقيداً يرتبط لدى فو بمغامرات مرحلة المراهقة والقلق النفسي والحلم.

غير أن أهم ما أراد أن يقوله لنا فو في «سنواتي السبع الأولى» هو ما يأتي في تصديره لإحدى القصص التي تدور أحداثها في سنة 1945 «هنالك فترات في حياة المرء. . . تترك وراءها تأثيراً قوياً في الذاكرة، بتحريضها كل لحظة من لحظات الحياة على التحول إلى ذكرى منحوتة في شيء يشبه الصخر».

وبقدر ما هي تعبير عن الموقف الرافض للفاشية الإيطالية تأتي هذه الرواية تضامناً مع أعراف القص التقليدية وملفقي القصص من العمال والفلاحين. يثير كتاب فو لاسيما هذه الجزئية السؤال حول المصادر التي استقى منها تقاليد كل من المسرح الشعبي والقصة في صورتهما التجريبية

فقد ألهمه هؤلاء القدرة على تكريس حياته من أجل الدفاع عن مبادئه الفكرية والإنسانية بتجسيدها في أعمال مسرحية بعضها يحارب الفساد السياسي والأخلاقي وبعضها بولادة فجر جديد تتمخض عنه أشكال الثورة ضد الظلم والطغيان كما يحدث في فلسطين ودول أميركا اللاتينية وكما في صراع الإنسان ضد المرض والفقر والاضطهاد الاجتماعي.

يسترجع فو ذكرياته المرتبطة بالمرحلة التي انتقلت خلالها أسرته للعيش في إحدى البلدات الساحلية الشهيرة بصناعة الزجاج. في هذه البيئة الصناعية كان يجتمع عدد كبير من الحرفيين الوافدين من أنحاء مختلفة من أوروبا وفي حين كان هؤلاء يحتفظون بلغاتهم المختلفة كانوا يبدون حريصين على اختراع لغة تفاهم موحدة يقول فو أنه على الرغم من أنها تمخضت عن أشياء أخرى منها لغة القص الإيطالي التقليدية، إلا أن تلك اللغة كانت ابنة لبيئتها الصناعية وتعقيدات الحداثة المعروفة عن مجتمعات هذه البيئة خاصة ما يتعلق منها بالأسلوب القصصي.

إلا أن ما يضاف إلى هذه الملاحظة هو قدرة فو على التكيف السريع مع هذه التطورات وموهبته الشخصية التي مكنته من استغلال مثل هذه التفاصيل من خلال الزج بها باتجاه آخر هو السياسة.

كان قد تقدم خطوة إلى الأمام بتوجيه من معلم كان قد تعرف إليه أثناء ركوبه القطار وكانا يتبادلان الحوار حول موضوعات شديدة الأهمية منها التناقضات التي تقع فيها رواية الملاحم البطولية الأسطورية على ألسنة الناس، والتنصل من عناصرها الفنية المهمة، كما هو بالنسبة لأسطورة يوليسيس التي احتج فو في مرحلة مبكرة على تجريدها من محتواها الملحمي.

في سنة 1936، كان فو في التاسعة من عمره عندما غزا موسوليني أثيوبيا وهي مناسبة أثارت مشاعر الإيطاليين الذين ابتهجوا بما كانوا يعتبرونه انتصار النظام لمبادئ تحرير الشعوب والحضارة والبناء.

وهو ما اعتبره في تلك الأثناء أحد الأخطاء السياسية الفادحة المخلة بواجب المواطنة الحقيقية، مشيراً في روايته إلى أنه في نوبة من الغضب الشديد طلب من أبيه أن يبرر له الأسباب المنطقية الكامنة وراء مشاركته في غزو دولة أخرى والتدخل في شؤونها الداخلية، وهو حسبما يرى فو مما لم يكن مبرراً على الإطلاق سواءً من قبل الدولة أو المواطن الإيطالي.

في تلك الأثناء تسنى لفو أن يتعرف على الوجه الحقيقي للحرب كما تسنى له التعرف إلى حقيقة أكثر أهمية هي حاجة الشعوب إلى ما يعرف بتكتيك المقاومة. كذلك بذل فو في مرحلة مبكرة من حياته هي مرحلة المراهقة جهودا كبيرة للسيطرة على مخاوفه من الحرب أو كرهه لها ، وهو ما يأتي في كتابه بالتزامن مع روايته عن فراره من التجنيد الإلزامي في جيش موسوليني.

ولم يقتصر كما يقول الأمر على نفسه بل تجاوز ذلك إلى التحريض على الفرار من الخدمة العسكرية في هذا الجيش. غير أن أهم ما يستخلصه المرء من قراءته لهذا الجزء هو أن موهبة فو في التأليف القصصي كانت قد ظهرت بشكل واضح أثناء استغلال زملائه لموهبته ككاتب لأذونات الخروج المزيفة، يقول تعليقاً على ذلك «لقد كنت ملفقاً بالفطرة».

ولد داريو فو في مارس 1926 لأسرة متواضعة. كان أبوه موظفاً متنقلاً، ناظراً في محطة للسكك الحديدية. كان اشتراكياً، وممثلاً في أحد المسارح غير المعروفة كثيراً في ذلك الحين. أما أمه رينا روتا، وهي امرأة موهوبة في مجال الكتابة فقد كانت تنحدر من عائلة فلاحية.

غير أنه نشأ في عائلة اشتهرت بكثرة عدد أفرادها ومن بين هؤلاء جده بائع الخضار المتجول الذي طاف معه فو في أنحاء كثيرة من شمال إيطاليا حيث الوعي الأساسي الذي لا يمكن تعويضه مطلقاً «كانت تلك الممارسة تمنحني شعوراً استثنائياً بالبطولة. وعلى الرغم من أنني لم أكن قد تجاوزت الخامسة أو السادسة حينها إلا أن تلك التجربة كانت قد وضعت الكون كله بين يدي».

كان تجوله مع رجل يمارس هوايته في الهواء الطلق متنقلاً من مكان إلى آخر دون الشعور بضغوط العمل النفسية قد حبب إليه كل شيء من الناس الذين كان يصادفهم وهم يقومون برواية وسرد القصص والأخبار، إلى الشخصيات والمشاهد وفنيات القص نفسها التي لم يغب عن ذهنه افتقارها إلى الكثير من عناصر الإتقان الروائي وهو ما حمسه على خوض تجربة فريدة هي إقحامها المشهد الإبداعي متضمنة التداعيات الفكرية والسياسية.

كان داريو فو قد التقى جمهوراً كبيراً من القراء أثناء حضوره فعاليات معرض أدنبرة الدولي للكتاب، أغسطس 2005، وخلال أحاديثه الموجزة أو تصريحات مؤلف سيرته جوزيف فاريل تركز الحوار حول العوامل المبكرة التي أثرت في تجربته الكتابية وساعدت على التعريف به كأحد الأصوات البارزة في الثقافة والأدب.

كان أهم ما أشار إليه تأثره بطفولته والقضايا الإنسانية في مرحلة كانت تعاني فيها إيطاليا من انعدام الوعي بهذه القضايا المهمة.

الكتاب: سنواتي السبع الأولى

الناشر: دار ميثوين المحدودة للنشر لندن 2005

الصفحات: 192 صفحة من القطع الكبير

My First Seven Years

Dario Fo

Methuen Publishing Ltd London 2005