ويشير في ذلك إلى أن هناك «أمما شكلت دولا وهناك دول شكلت أمما وهناك مهاجرون شكلوا دولا وأمما، وهناك أمم لم تستطع تشكيل دول وهناك أمم مشتتة لكنها تحتفظ بصلة القربى الثقافية وهناك أمم اندثرت، لكنه يندر أن توجد دولة يتجانس سكانها، فالغالب أن تنشأ أمم داخل أمم أخرى مما يجعل التعددية هي الطابع القائم في مختلف بقاع الأرض بل هي الشكل الوحيد الممكن الوجود» .. وعلى هذا فإن السؤال : أين نحن من كل هذه التجارب؟
وأين نحن الآن من تجربتنا القومية ومن سعينا المجهض نحو التوحد القومي؟ أما على مستوى التطبيق العملي فإن السؤال الذي يراه جديرا بالطرح هو: هل يمكن لهذه الأمة الموحدة على صعيد اللغة والمشاعر السياسية أن توحد نفسها على مستوى الفعل السياسي؟ وهل يمكن تجاوز الدولة القطرية؟ كل هذه تساؤلات يرى أنها تعبر عن شكوك بالمستقبل وغموض في الرؤية وربما كان سبب ذلك هو تراكم الهزائم والتراجعات.. لكن التساؤلات والشكوك تعود أيضا إلى تعدد الاحتمالات .
وفي الإشارة إلى ما يراه مساوئ الدولة القطرية يذكر أنها ورثت الحكم من الدولة العثمانية وعهود الانتداب والطبقات القديمة وأنشأت كيانات سياسية جديدة وطبقات جديدة نمت في ظلها وشكلت الجيوش من جديد ووسعت إطار أجهزة الأمن والقمع والإخضاع ودجنت الثقافة وأقامت وزارات إعلام وإرشاد وتوجيه لـ «تقطير» المعرفة وعبأت المثقفين والنقابات وجميع منظمات المجتمع المدني، وجعلت نفسها المسؤولة عن كل ما يجري في المجتمع وما كان يفوتها شاردة ولا واردة على حساب الحريات الفردية والجماعية وعلى حساب النمو الاقتصادي.
ويخلص المؤلف إلى أن مشكلة العرب الأساسية في العصر الراهن ليست في أنهم اختاروا هذه الدولة أو تلك، ليست في أنهم اختاروا شكلا من أشكال الدولة بل هي في أنهم لم يختاروا الدولة وتبعا لذلك تقلص مجال السياسة لديهم، عزفوا عن بناء الدولة الوحدودية العربية لكنهم في الوقت ذاته تلكأوا عن بناء الدولة القطرية، والتي تعد من وجهة نظره في النهاية لا تمثل شيئا في حد ذاته، أي أنه حتى هذا الإنجاز الذي يمكن إدراجه في خانة اللا انجاز لم يتحقق!
وفي رحلة للمؤلف حول تأويلات التاريخ العربي يشير إلى حقيقة ان كافة شعوب العالم في مختلف بقاع الأرض شاركت في صنع النظام العالمي وبالتالي في صنع الحضارة العالمية أو ثقافته وذلك باعتبارهم شركاء في التجارة وتبادل المعرفة شركاء متقدمين على أوروبا خلال معظم الحقب الماضية.
ورغم ذلك فقد هيمنت الثقافة الكونية الجديدة إلى الدرجة التي أزاحت معها الثقافة الأوروبية القديمة نفسها، مشيرا إلى أن التوحد يطغى تدريجيا على التنوع والاختلاف أو بالأحرى إن التنوع يتم استيعابه في إطار التوحد وتفقد الثقافات المحلية فعالياتها بغض النظر عما يقوله الأصوليون الدينيون والقوميون، وتتحول الثقافات المحلية إلى نوع من الفولكلور، أو إلى مجرد رموز تدعم الخيارات السياسية أحيانا.
وبعد هذا الاستعراض يشير إلى أنه في هذا الإطار يجب النظر إلى الثقافة الإسلامية والى التاريخ الإسلامي في ظل دعوات الإصلاح في المجالين العربي والإسلامي وأن هذا الإصلاح يبدأ بالتجديد الثقافي .. وهو يرى أن هذا المفهوم يستخدمه السادة الغربيون في سبيل الإقناع بأنهم ينتمون إلى مجتمعات متفوقة بطبيعتها ويستخدمه أيضا حكام البلدان المغلوبة ليبرروا فشلهم بعوامل موضوعية.. فهناك عنصرية وهناك عنصرية مضادة، هناك عنصرية المتفوقين وهناك عنصرية المغلوبين التي تقر للآخرين بتفوقهم!
وفي محاولة لرصد الواقع العربي يشير إلى مدى التخلف الذي نعيشه مستعينا بتقارير اقتصادية دولية وعربية متطرقا إلى ما يذكره البعض من أن بلدن الشرق الأوسط ذات انجازات أقل من ضئيلة وأنها على الصعيد السياسي ليست أكثر نجاحا وأنه ربما كان الاستنتاج الأهم هو أن الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية العربية في القرن العشرين أقل من القرن التاسع عشر والسمة العامة هنا هي أن البلدان العربية لا تختلف فيما بينها من حيث البنى
كما لا تختلف فيما بينها على صعيد الإنجازات، فالسمة الرئيسية للأنظمة العربية سواء كانت بلدانا نفطية أو غير ذلك أو أنظمة ثورية يسارية أو غير ذلك هي التوسع الطفيلي للقطاع العام فقد كان مناسبا للأنظمة توسيع هذا القطاع لرشوة جحافل العاطلين عن العمل بسبب ضيق الإنتاج، أما القطاع الخاص فهو أيضا ذو طبيعة طفيلية لأن عمله يقتصر على العقود والتوريدات للقطاع العام.
وإذا كان السؤال الذي يفرض نفسه في إطار البحث في أزمات الفكر والواقع العربي هو أين النخبة؟ فإن الفضل شلق يشير إلى أنها تعيش أزمة تتمثل في النظر إلى المجتمع بعين النظام السياسي وذلك لأن الدولة العربية القطرية صادرت المجتمع من ناحية ولان النخبة قد أخضعت أو أخضعت نفسها للدولة من ناحية أخرى فهي تستخدم معرفتها للتبرير لا للتمرد.
وهو الوضع الذي انتهى بهذه النخب إلى أن تعيش بما فيها مؤسسات الدولة حالة من الارتباك والخوف حيث تدخل الشك بالذات في التسعينات مكان الثقة والحماس اللذين كانا واسعى الانتشار في بداية عهد الاستقلال مما لم يجد معه مفكر مثل عابد الجابري سوى أن يقرر أن زمن الفكر العربي الحديث والمعاصر «زمن ميت» أو قابل لأن يعامل كزمن ميت ويسميه «العقل المستريح» في كتابه تكوين العقل العربي.
وتحظى الأصولية بقدر من النقد في سياق رؤية الفضل شلق باعتبار أن الأصولية - أي أصولية - تلغي التاريخ كما يلغيه ما بعد الحداثيين. ويشير إلى أن الأصولية الإسلامية تلغي التاريخ باعتمادها مرجعية النص المؤسس، القرآن بغض النظر عن التاريخ الذي تلا نزوله وبغض النظر عن تتابع التفسيرات للنص التي وجد علماء المسلمين أنها ضرورية في أوقات مختلفة مرة بعد الأخرى للتعبير عن ظروف وحاجات مختلفة باختلاف الزمان والمكان وفي هذا الإنكار إصرار على تفسير واحد للكتاب الواحد
فالكتاب، حسبه ، هو ما يهمهم دون تراكم التفسيرات والنوازل التي استدعت تلك التفسيرات فهذه يجب الاستغناء عنها في تعارض مع التجربة التاريخية للأمة. وفي تفنيد لهذه الرؤية يشير إلى موقف للإمام مالك بن أنس عندما طلب منه الخليفة تعميم كتابه في الحديث «الموطأ» ليحذو حذوه المسلمون كقانون في جميع أنحاء الإمبراطورية حيث رفض مالك سائلا الخليفة أن يترك المسلمين لتدبير شؤون حياتهم كما يرون هم إذا أنهم موزعون في أصقاع متباعدة ولهم تجارب وحاجات وتوقعات متنوعة.
ويخلص بعد جولة موسعة إلى أن كتابة التاريخ أو بلورة نظريات حوله يمكن أن ألا تمثل انعكاسا للواقع كما كان موجودا أو كما كان يفترض أن يوجد وعلينا الاعتراف بذلك أمام نظريات ما بعد الحداثة والتفكيكية مستدركا بان دراسة التاريخ يجب أن تجرى رغم ذلك في سبيل فهم التاريخ من خلال التمحيص في الوقائع وربطها ببعضها وإلا فإن الكتابة حول الماضي تكون مجرد بلاغة لفظية فارغة.
في القسم الخاص بوقائع المشكلات وتداعياتها يحلق بنا الفضل شلق في آفاق المشكلة العراقية مشيرا إلى أن الإشكالية التي يواجهها معارضو الاستعمار العائد إلى العراق وهو استعمار يرى المؤلف انه منتشر في معظم الأقطار العربية وإن بأشكال مختلفة، هي بلورة نهج أو وعي يقود إلى مقاومة حقيقية للاحتلال ويلغي إمكانات الحرب الأهلية.
كما أن المقاومة العربية تستطيع، حسبما يرى، أن تتواكب مع مسيرة الرأي عالمي عن طريق وعي عالمي معولم. عن طريق وعي يأخذ بالثقافة العالمية ويعطيها الأولوية ولا يترك العولمة امتيازا أميركيا. وإذا كان الأميركيون يشنون الحرب علينا لأننا عرب وبسبب الإسلام فإننا لا نستطيع، وفق ما يرى، مواجهتهم بالإسلام السياسي ولا بتأكيد الهوية بل بعمل سياسي يكون طابعه التواصل مع العالم والانخراط فيه لا الانقطاع والانعزال عنه.
وفي حديث عن «العصر العربي الجديد .. الواقع والتحديات» يشير إلى أنه ربما كان هذا العصر جديدا بالفعل ولكن الجدة فيه متأتية لا في كون العرب يصنعونه بل من كونه يصنع لهم! بالنيابة عنهم ولصالح غيرهم، وهذا هو معنى الاحتلال الذي امتد من فلسطين إلى العراق . وفي هذا يوضح أن المعادلة التي نواجهها تتمثل في تلك الصيغة التي يقدمها الاحتلال والذي يقدم نفسه في العراق على أنه فاتحة عهد الديمقراطية ويسوغ الأمر بأن يطلق على نفسه لقب التحرير لكنه يضعنا نحن أي العرب، بعامة أمام واحد من خيارين :
إما الاحتلال + الديمقراطية، او الحكم العربي (نظام صدام أو ما يشبهه)+ الطغيان. وحقيقة الأمر أنهما خيار واحد اذ لا يعقل أن يرفض احد الديمقراطية والحرية أو يقبل باستبداد الحاكم العربي! ثم يعرض بالنقد لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تطرحه الولايات المتحدة للمنطقة مشيرا إلى أنه في النهاية يعد تأجيجا للمأزق دون جدية الإصلاح. وإزاء اليقين بأن المشاريع الأميركية تبغي شيئا غير الإصلاح ..
فإن جانبا مما ينبغي سلوكه للخروج من المأزق إنما يتمثل في نوع من الثقة بقدرة شعوبنا على الإصلاح في كل وقت وأوان، وفي هذا يشير الفضل شلق إلى أننا لا نحتاج إلى الكثير من الجهد كي نتلاءم مع مجتمعنا: بعض المعرفة بالتاريخ، تاريخنا وتاريخ العالم، بعض المعرفة بالعالم المعاصر، مع الرغبة بالانخراط فيه وقبل كل شيء إيمان بالناس وبقدرتهم على تقرير حاجاتهم ومع هذا الإيمان شيء من التواضع والإقلاع عن الاعتقاد بأن التاريخ ينتظرنا من اجل التغيير، والمجتمع ليس بحاجة إلى منقذ يهبط إليه من وحي غيوم المقولات بل إلى نخبة ثقافية - سياسية تعيش معه ومن أجله.
مع تحقق هذه الشروط لن نحتاج إلى احتلال أميركي من أجل الإصلاح ولن نحتاج إلى تغيير أنظمة أيضا وسنستطيع مواكبة مجتمعنا في مسيرة التغيير التي ينشدها والتي تعبث بها السياسة الأميركية كما عبثت بها عجز أنظمتنا ووعينا الخاطئ.. فما نحتاجه في النهاية هو إيمان يضع الإنسان فوق المقولات وهو إيمان يراه متلازما مع قضية الأمة العربية، معتبرا أن مواجهة الإمبراطورية الأميركية التي تجري الآن على الأرض العربية تحمل العرب عبء تحرر الإنسانية من نظام عالمي قائم على الاستغلال والظلم.
مصطفى عبد الرازق
الكتاب: الوعي والمأزق
تجليات الفكر في مشكلات العرب
الناشر: الدار العربية للعلوم بيروت 2005
الصفحات: 296 صفحة من القطع الكبير
