ولعل مشروعية إصدار

ولعل مشروعية إصدار

مثل هذا الكتاب يستند إلى ذلك الانفعال الوجداني الكبير الذي يظهره، بصورة عفوية، من يشارك في هذا الطقس العاشورائي المؤلم، وقد تنبه إلى ذلك الكثير من المهتمين بدراسة الطقوس والأديان والعادات في الشرق، فها هو السير لويس بيلي، وهو دبلوماسي بريطاني عاش في طهران في نهايات القرن السابع عشر يقول: «إذا توجب قياس نجاح الدراما عن طريق التأثير الذي تحدثه على الذين ألفت من أجلهم، أو على المشاهدين الذين تمثل أمامهم، فلا توجد أبدا مسرحية فاقت التراجيديا المعروفة في العالم الإسلامي باسم الحسن والحسين».

ولكن ورغم إقرار الباحث بأهمية هذه الطقوس يتساءل منذ البداية: أين هو مسرح التعزية في العراق؟ أو بمعنى آخر: لماذا لم تتسرب هذه الطقوس إلى المسرح العراقي بالشكل الذي يعكس قيمة هذه الطقوس وأهميتها الدرامية بالرغم من أن ثلثي المجتمع العراقي يتألف من طائفة الشيعة التي تمارس هذه الطقوس بكل وجدانها، وأنتجت مسرحا على أرض الواقع لم نره، كما يقول الباحث، ولم نجر عليه بحثا أو نستقرئه أو نخص تجربة واحدة فيه.

وهو يعزو غياب هذا الاهتمام إلى ثلاثة أسباب، أولها: إن السلطة الرسمية في العراق ومنذ أن تكونت الدولة، هي سلطة طائفية، فقد أبعد الشيعة عن مراكز الحكم، وثانيها: إن عمر المسرح العراقي قصير، ولما بدأ مخرجوه الذين درسوا في روسيا وأوروبا وأميركا بالعمل في المسرح العراقي، قدموا تجارب جاهزة مستوحاة من ثقافة المكان الذي درسوا فيه، ومتأثرة بالمدارس المسرحية الغربية، أما السبب الثالث فيكمن، بحسب داود، في أن اغلب المثقفين العراقيين كانوا وما زالوا يتفادون هذه الطقوس،

وذلك نابع، بحسب رأيه، من أن معظم هؤلاء المثقفين ينظرون إلى الإسلام بشكل فوقي متأثرين بالفلسفات الأخرى، وهو يعتبر ذلك نظرة سطحية خالية من التأمل، ودليله على ذلك هو أن الثقافة السائدة لدينا تناست الاشراقات العظيمة في الإسلام، والمتمثلة في التصوف، وإخوان الصفا، والمعتزلة، والقرامطة، على سبيل الأمثلة،

مشيرا إلى التأثيرات العظيمة التي تركتها الثقافة الإسلامية على الغرب في عصور سابقة، الأمر الذي يؤكد قوة الثقافة الإسلامية وأهمية الحضارة التي كونتها. ويلاحظ الباحث أن هذه الطقوس تكاد تتجاوز المعنى الديني الضيق لتتحول إلى تعبير عن الرفض للواقع السياسي القائم، وهو ما يكسبها بعدا دراميا جديدا يتجدد مع كل مرحلة، إذ يقول في هذا السياق:

«إن إعادة تمثيل واقعة استشهاد الحسين بن علي كل عام في العراق، هي تعبير الناس عن الرغبة في محاكاة الواقعة التي تحاول الانسلاخ عن الدين في أحيان كثيرة، وذلك لمحاكاة الظروف المستجدة على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية على الوجه الأخص»،

وهو يستند في ذلك إلى ما يراه الدكتور فاضل السوداني الذي يقول، بدوره: «ومن المعروف أن التعازي في بداية نشوئها كانت تقليدا حيا لمأساة (الإمام الحسين) بكل تفاصيلها الواقعية، ولكن بمرور الزمن لم تعد طقسا دينيا فحسب، وإنما امتزجت بالحياة السياسية والاجتماعية».

ويستشهد الباحث، كذلك، سعياً لتأكيد هذا الرأي، بما يقوله فاضل الربيعي أيضا، الذي يتساءل: «ما الذي يدفع العراقيين لإعادة هذه الواقعة بكل هذه القوة كل عام والمكتوبة بكثافة الشعر؟ سيقال لنا حتما إن العامل الديني يقف وراء كل هذا، .وهذا ليس كافيا، فالناس تبحث عن بطلها المفقود، بطلها الذي مات،

ولا بد من إيجاد رمز لبطل قومي في زمن غاب فيه الأبطال، فكان الحسين هو المثل الأعلى لهم»، ويؤكد الباحث أن التاريخ يكشف عن أن الطابع السياسي المعارض لسلطة الحاكم في طقوس التعزية ليس بجديد ولم يبدأ في القرن العشرين بل كانت بدايته منذ أن تكونت فكرة التشيع.

ويرى المؤلف أن هذه الملحمة تتكون من مجموعة كبيرة من الشخصيات التراجيدية التي تنطوي مدلولاتها على الكثير من العناصر الدرامية ولا تقتصر الملحمة على الصراع بين الطرفين المتحاربين، فالطرف الأول المتمثل بالحسين وأصحابه آمنوا بالقدر المكتوب وهو الاستشهاد من أجل المبدأ، ولكنهم يعيشون في داخلهم ومع الطرف الآخر صراعا يتمثل في العطش وخاصة عطش الأطفال ومن ثم حماية النساء، وهو صراع من اجل البقاء،

لقد كان الحسين ينادي: أنا ابن بنت نبيكم فكيف تقاتلونني؟ ولكنهم يطلبون منه مبايعة يزيد الأمر الذي يرفضه ويفضل الموت عليه. أما الطرف الآخر فيعيش صراع الندم والشعور بالإثم بعد مقتل الحسين فيزيد لم يستطع تحمل رباطة جأش زينب أخت الحسين وشجاعتها، ولا المنظر المرعب لرأس الحسين مقطوعا أمامه ـ وهذا كان طلبه ـ فسمح لهم بالعودة إلى مكة ونرى الناس تستقبلهم بالعويل والبكاء وشعور بالإثم على عدم مناصرتهم للحسين، وكأن هذا البكاء المتجدد إلى يومنا هذا عملية (التطهير) بذاتها.

وسعيا من الباحث إلى إغناء بحثه، فإنه يذهب إلى مناقشة قضايا، ومحاور تتجاوز موضوعة البحث، فهو يخصص فصلا للحديث عن دور النبوة في تأسيس محبة الحسين، ويتفرع من هذا الفصل عدد من المواضيع الثانوية هي «نصوص التعزية»، و«البطل التراجيدي من تموز إلى الحسين»، و«الباحثون عن المصير»، كما يتناول الباحث في فصل آخر «المسرحية الدينية في القرون الوسطى وعلاقتها بالتعزية»،

وفي هذا الفصل يشرح الباحث معاني كلمة «تراجيديا» ذات الجذر الإغريقي، ويتوقف عند أهميتها ودلالاتها المسرحية والدرامية، ولأن مفردة الطقس غالبا ما تترافق مع إحياء ذكرى الحسين، إذ يقال «طقوس الاحتفال بذكرى عاشوراء» أو شيئا من هذا القبيل، فإن الباحث يسهب في بحث مستقل في شرح معنى هذه الكلمة، وهو يقول في هذا السياق بأن «الطقس هو تكرار لفعل إنساني من نتاج الجماعات البشرية يتكون إيمانا من هذه الجماعات بالتماهي مع الأجداد»،

وهو يدرج تعريفا للناقد ج.ل.ستيان يقول فيه بأن «الطقس هو عمل شعائري مقدس. وهو عادة تعبير منظم عن تقاليد راسخة تتعلق بمعتقد ديني أو سلوك اجتماعي»، كما يتناول الباحث في هذا الفصل الزمن في التعزية، والمراسيم، والجوقة في التعزية، والدلالة في طقوس التعزية.

وفي الفصل الثالث والأخير يشرح الباحث طبيعة التعزية في الثقافة المعاصرة، ويتوقف في هذا الفصل لدى طقوس عاشوراء، ومجالس التعزية ويخص بالحديث المجالس الحسينية، والمواكب واللطم لدى الرجال والنساء الذي يعد شعيرة رئيسة من شعائر هذه المناسبة الدينية، ويختم الفصل بحديث عن التعزية في تجربة المسرح الأوروبي المعاصر.

تلك هي بعض العناوين العريضة في هذا الكتاب الذي يدرج الباحث في آخره مجموعة من الصور التي تعبر عن طقوس عاشوراء، كما يضع ثبتا بمراجع ومصادر عديدة يستند إليها، وهو يقدم مادته هذه بلغة سلسة بعيدة عن الرصانة والمنهج النقدي الصارم، كما يقدم شهادات وأمثلة لباحثين ونقاد برزوا في مجال مسرح التعزية، ولئن بدا أن الموضوع لا يستحق أن يناقشه بحث في كتاب مستقل، فإن ما نقرأه في الغلاف الأخير مما قاله بيتر بروك ينفي مثل هذا الانطباع، إذ يقول بروك: «شاهدت في قرية إيرانية نائية شيئا من أقوى الأشياء التي شاهدتها في المسرح في أيما وقت مضى»،

وهو بهذا يشير إلى الطقس العاشورائي الذي أثر في نفسه، مثلما أثر في نفس الباحث مناضل داود الذي عاش وترعرع في ظل هذه الثقافة، وشاهد كيف أن هذه الطقوس تمارس عندما كان طفلا، ولم يكن يستوعب ـ بمعايير طفولته الساذجة ـ شيئا مما يجري أمامه، وعندما كبر ودرس المسرح عاد إلى دراسة تلك الطقوس ونقب في دلالاتها، ورموزها، وألغازها، وتفاصيلها الغامضة، وقدم هذا

الكتاب الذي يعد إضافة مهمة إلى المكتبة المسرحية العربية التي تفتقر إلى مثل هذا النوع من الدراسات، ولعل ميزة هذا الكتاب الرئيسة تتمثل في سعي الباحث إلى إماطة اللثام عن حدث تقليدي سنوي يتكرر منذ عدة قرون، غير أن أحدا لم يلتفت إليه ولم يناقشه، ومن هنا فإن أهمية الكتاب تكمن في إعادة الدهشة إلى حدث صار مألوفا وعاديا نتيجة حضوره الطاغي وتكراره واستمراره.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات