والواقع أن نفوذ المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية أكبر بكثير من حجمهم، وتحالفهم مع المسيحيين «الجدد» يؤكد ذلك. فهؤلاء «الجدد» لا يزيدون على 20 في المئة من جميع مسيحيي أميركا، والكنائس الأميركية الأخرى أصدرت كلها بيانات واضحة جدا ضد الحرب على العراق.
ومع ذلك فالمسيحيون «الجدد» متحالفون مع جناح الرئيس بوش من المعمدانيين الجنوبيين، أي الأقلية الحاكمة.. ونجد تاريخ المحافظين الجدد يعيد نفسه إذا نظرنا إلى استعمالهم الدين مع جورج بوش الابن، فالواقع أنهم بدأوا استغلال الدين في ولايتي رونالد ريغان في الثمانينات.
وفي حين كان هناك ملايين المسيحيين الأصوليين في الولايات المتحدة آخر سبعينات القرن الفائت، فإنهم تبعوا المبشرين الذين قالوا لهم ألا تنتخبوا. إلا أن المحافظين الجدد تنبهوا إلى قوة هؤلاء الأصوليين وعقدوا تحالفات مع قادتهم المبشرين للتصويت لمرشحيهم.
ويرفض المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية الحالية سياسة المصالح، أو السياسة البراغماتية التي اعتمدتها معظم الإدارات الأميركية السابقة،
وذلك من منطلق كونها سياسة تضرّ بالمصالح الأميركية، ويصفونها بأنها كانت سياسة دفاعية، فيما يربط هؤلاء المصالح بالقيم إلى درجة أنهم يعتبرون الغزو الأميركي للعراق هو تدخل لتحرير الشعب العراقي، ومن أجل تحقيق قيمة جليلة من قيم الليبرالية الأميركية، وهي الديمقراطية.
ومع ان جهاد الخازن يتابع، بحكم موقعه، نشاط أنصار إسرائيل في الإدارات الأميركية المتعاقبة، لكنه لم يتوقع وصولهم إلى الحكم، وسعيهم إلى تدمير القضية الفلسطينية، وتوجيههم السياسية الأميركية لمحاربة العرب والمسلمين.
إذ مع مجيء جورج دبليو بوش إلى الحكم في الولايات المتحدة الأميركية، صار الانحياز السياسي إلى إسرائيل وتبني مطالبها سافراً.
ويعود ذلك إلى عوامل كثيرة، حسب العديد من الباحثين والمحللين، منها يعود إلى خصوصية العلاقة بين أميركا وإسرائيل، التي تمتد حسب إيمانويل تود إلى ظروف نشأة وقيام كلا الكيانين،
وإلى جملة من البنى الرمزية والثقافية والاقتصادية المشتركة، ومنها يعود إلى ظاهرة الولاء المزدوج داخل إدارة بوش وعالم المحافظين الجدد، حيث لا يميز هؤلاء المصالح الأميركية من المصالح الإسرائيلية، ويشجعون بشكل مكشوف على التطابق المزعوم بينها، ومنها يعود إلى الدعم الأصولي المسيحي لإسرائيل.
لكن العامل الأكثر حسماً الموجه لصنع السياسة الأميركية هو جماعة الموالين لإسرائيل، الذين يعرفون كيف يلعبون بالمتعصبين المسيحيين، ويعرفون كذلك أن ما يؤاتي مصالحهم ومصالح إسرائيل هي المصالح النفطية لأشخاص أمثال الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني ورامسفيلد وسواهم.
ويقود هذا الانحياز السافر إلى البحث عن إطار المرجعية التي نما وترعرع فيها صناع السياسة في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تحولت إلى سياق تُدرك فيه جملة القضايا العربية، خصوصاً القضية الفلسطينية ومعها جملة قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ومن المؤسف أن الساسة العرب لم يقوموا بلعب أي دور جوهري في هذا الإطار، نظراً لأنهم كانوا مغيبين ومحتقرين وناقصين، أو تمّ تجاهلهم كلياً.
وقد وضع المحافظون الجدد على أجنتدهم مسألة تخليص العراق من زعيمه ومن مخزون أسلحته منذ زمن بعيد، مع وجود بوش الأب في السلطة، وتمّ تنقيط أوراقهم بمفاهيم، مثل «إعادة صياغة العراق»، و«إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، و«تنشئة بدائل عن عرفات»، وأصبحت كلها أجزاء مألوفة من اللغة الدبلوماسية لإدارة بوش. والمعلوم أن مُنظري النظام الإمبراطوري الأميركي، وخصوصاً المحافظين الجدد، أخذوا يراهنون، منذ أكثر من عقدين من الزمن، على إخراج العرب من التاريخ، عبر تحويل بلادهم إلى الدرجة الصفر.
واجترحوا نظرية «الفوضى الخلاقة» التي باتت تشكل جزءاً من الاستراتيجية الأميركية الحالية ضمن ما بات يعُرف باسم «خريطة البنتاغون». وهي خريطة تقسم العالم إلى دول المركز، المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، ودول «الثقب» أو «الفجوة»، قياساً على ثقب الأوزون، وتضم جملة من الدول المبتلية بأنظمة الاستبداد، وبالفقر والأمراض والتخلف، والنزاعات المزمنة التي عملت على تفريخ الإرهابيين.
وتهدف نظرية الفوضى الخلاقة ليس إلى مجرد احتواء الثقب، بل إلى انكماشه، والهدف من توسيع دائرة سياسة الفوضى البناءة يعود إلى جعلها ليست مجرد طرح نظري فقط، بل استراتيجية يجري تنفيذها، وميدانها داخل الدول وليس بين دولة ودولة. لذلك فإن صناعة الفوضى تنبع من إيمان عقائدي لدى من يصنعون السياسة الخارجية الأميركية، ينهض على أن التغيير في حد ذاته لا يكفي، لأن الأوضاع الداخلية في المنطقة وثقافتها تحتاج تحولاً شاملاً حسب التعبير المتداول لديهم.
وعليه فإن ولع المحافظين الجدد كبير بتعابير مثل التدمير الخلاق والفوضى البناءة التي تعقبها إزالة الأنقاض والأشلاء، ثم تصميم جديد لبناء مختلف تماماً. وحين تصف الاستراتيجية دولاً معينة، خصوصاً الدول العربية، بثقب الأوزون، فإنها تريد إخفاء أية مسؤولية للولايات المتحدة الأميركية في الوصول بهذه الدول إلى هذه الحال،
وبالتالي تريد أن تنفي مسؤوليتها في التحالف مع صدام ودعم نظامه الاستبدادي الدموي، وكذا دعمها واحتضانها منظمة القاعدة والطالبان في أفغانستان إبان سنوات الحرب ضد السوفييت، فضلاً عن دعمها لنظام الجنرالات والقتلة في إسرائيل، إضافة إلى مسؤوليتها في دعم مختلف الأنظمة القمعية والمطلقة في بلداننا العربية وفي سواها.
وقد وجد المتشددون من المحافظين الجدد أن الدمار هو العلاج الوحيد، عوضاً عن دعم التنمية والتحول الديمقراطي فيها.
مع العلم أن الفوضى لا يمكن اعتبارها عملاً سياسياً، بل إشاعة للإرهاب والقتل والدمار، وهو ما يحصل بكل حذافيره في عراق اليوم، حيث القتل وانعدام الأمن والفساد وكل صنوف الخراب.
كما نظر المحافظون الجدد ومع مختلف المتشددين والعقائديين إلى الإسلام بوصفه حركة إرهابية لا تهدد وجود إسرائيل فقط بل العالم الغربي أجمع. كما نظروا إلى البلدان العربية، بوصفها تجمعاً لأقليات دينية وعرقية عاجزة عن العيش سوية في كيانات دولة ـ وطنية، لذلك لابد من حلول استئصالية، إذ يتضمن الحل الاستخدام الصريح للطائفية في إطار استراتيجية الفوضى البنّاءة.
وبناء عليه تقول كوندوليزا رايس «لابد من إعادة النظر بالأوضاع القائمة في الشرق الأوسط منذ عقود مهما كانت المخاطر الناجمة عن ذلك». وفي السياق ذاته يستحضر الرئيس بوش مصطلح «الرجل المريض» ليطلقه على البلدان العربية في إشارة واضحة منه إلى ضرورة تفتيته وتقسيمه وتخريبه.
مع ذلك كله، فإن جهاد الخازن يسعى في هذا الكتاب إلى «فك ارتباط» بين سياسة «المحافظين الجدد»، وبالتالي السياسة الإسرائيلية، وبين غالبية اليهود الأميركيين المؤيدة للسلام.
ويرى في هذا المجال أن أكثرية هؤلاء لا تؤيد السياسة الأميركية الإسرائيلية، إضافة إلى أن أهم المدافعين عن القضية الفلسطينية داخل الولايات المتحدة يتحدرون من اليهود الأميركيين. وهذا جانب مهم للتمييز بين الشعب الأميركي وبين المتشددين من ساسته وقادته.
عمر كوش
الكتاب: المحافظون الجدد والمسيحيون الصهيونيون
الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2005
الصفحات: 142 صفحة من القطع الكبير
