هذا الحوار أجرته محررة صحيفة «الغارديان »الثقافية مع المسرحي والناشط السياسي الإيطالي «داريو فو» الحائز على جائزة نوبل للآداب 1997 على هامش مهرجان أدنبرة للكتاب 2005. تطرق الحوار إلى روايته «سنواتي السبع الأولى» الصادرة عن دار ميثوين للنشر،التي ترجمها إلى الانجليزية عن الايطالية جوزيف فاريل،
بالإضافة إلى موضوعات حول تجربته الإبداعية والمسرحية ومؤلفاته وتأثره القوي بتقاليد القص والكوميديا الشعبية الإيطالية. كان فو الذي دشن بإصداره الجديد فعاليات معرض أدنبرة الدولي للكتاب قد وصل إلى هناك بصحبة زوجته الممثلة الإيطالية فرانكا رامي، ومؤلف سيرة حياته ومترجمه جوزيف فاريل، في حين اشتمل برنامج زيارته على حوارات ومناقشات مع عدد كبير من القراء وجمهور المسرح الذين احتشدوا للقائه إلى جانب التعرف على إصداره الجديد.
تحدث داريو فو عن العوامل المبكرة التي أثرت في تجربته الكتابية وساعدت على التعريف به كأحد أهم الأصوات الإبداعية محلياً وعالمياً. من أبرز الأحداث التي دشنها معرض أدنبرة للكتاب لصيف 2005 ما قاله داريو فو عن كتابه الأخير «سنواتي السبع الأولى» المتضمن لتجربته الشخصية في مرحلة مبكرة من حياته، وتعليقه على موهبته الإبداعية القصصية التي يعود الفضل فيها حسب قوله إلى تأثره في السنوات الأولى بالموروث القصصي الإيطالي التقليدي.
فاز بجائزة نوبل للآداب سنة 1997، ومنذ ذلك الحين ظل العالم ينظر إليه كأحد أهم كتاب المسرح الأحياء، ويحتوي معرض أدنبرة لهذا العام على ثلاث طبعات من مسرحيته الشهيرة «يوميات فوضوي مات صدفة».
في تصريح خاص صدر عن مؤلف سيرته، جوزيف فاريل، استرجع فو ذكرياته عن جده، ويعرف عن هذا الرجل أنه من رواة القصة الماهرين في سرد القصص والأخبار حسب أعراف القص الإيطالية التقليدية، إذ كان يمارس هوايته أثناء تجواله من قرية إلى أخرى أثناء انهماكه في ممارسة عمله كتاجر خضار مستخدماً في ذلك عربة خفيفة بدولابين يجرها حصان، هذه العربة كان يسمح لفو الصغير بقيادتها في بعض الأحيان.
يعلق فو على هذا المشهد بقوله «تلك الممارسة كانت تمنحني شعوراً استثنائياً بالبطولة. وعلى الرغم من أنني لم أكن قد تجاوزت الخامسة أو السادسة حينها إلا أن تلك التجربة كانت قد وضعت العالم كله بين يدي. والواقع أنني ما زلت أتصور أن أي شيء آخر لا يمكن أن يكون له التأثير ذاته في نفسي حتى لو وضعت الشمس في يدي».
غير أن موهبة جده كراوية كانت عرضة للالتفاف عليها من قبل المتطفلين من الناس في بعض الأحيان ولذا فقد كانت تضاف إليها القصص التي كان فو يستمع إليها مباشرة من أفواه بعض أهالي القرى الواقعة على ضفاف بحيرة ماغيور شمال إيطاليا، التي كان يمر بها أثناء تجواله مع جده والتي كانت إحداها القرية التي كان تعيش فيها أسرته.
يقول «لقد لقنتني هذه التجربة فن رواية القصص الساخرة في سن مبكرة عندما كنت لا أزال صبياً صغيراً، وكان ذلك يحدث بشكل عفوي لا واعٍ». كذلك بذل فو في مرحلة أخرى من حياته هي مرحلة الشباب جهوداً مضنية من أجل التخلص من ورطة التجنيد الإلزامي في جيش موسوليني وكان إذ كان قد تلقى الإعلان عن ضمه بالقوة.
أتت المحاولة الأولى عندما استغل أصدقاؤه موهبته كفنان بارع بالإضافة إلى مهارته في التأليف القصصي، وإلى جانب ذلك كان قد تطوع لفترة قصيرة لكتابة أذونات خروج مزيفة لنفسه ولبعض زملائه في الخدمة. يعلق على هذه الأحداث «لقد كنت قاصاً ملفقاً بالفطرة». وفي فترة لاحقة، تسنى له الاختفاء تماماً، حيث أمضى بعض الوقت مختبئاً في منزل ريفي مهجور، وهي تجربة وصفها فيما بعد «بالمرعبة إلى أقصى الحدود».
عندما بادرت بسؤاله عن النصيحة التي يقدمها للكتاب الذين لم يتسن لهم بعد تحقيق القليل مما أنجزه من نجاح على الصعيد الثقافي والمسرحي أو على صعيد التقدير الذي حصل عليه خلال سنوات عمله الطويلة، أجاب بلطف وتواضع شديدين: «الحقيقة أن المسألة لا تقتصر على التجربة التي يمر بها الإنسان فقط، وكذلك فهي لا علاقة لها بعمره، هناك أشخاص لا يتسنى لهم العيش لفترة طويلة، فقد لا يعيش المرء مدة تزيد على 20 سنة،
وعلى الرغم من ذلك تجد أن الكثيرين يتذكرونه جيداً، لأن هذا الإنسان كان يعرف تماماً كيف يعيش الفترة الزمنية الممنوحة له في الحياة. غير أنني أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أطالب الناس بألا يعيشوا على وجه الأرض أكثر من 20 سنة. ليمتد عمر الإنسان منا لأطول مدة ممكنة، ليزيد عدد سنوات حياته، لكن من جهة أخرى، ينبغي له أن يمد تفكيره، من وقت إلى آخر، ليصل إلى 20 سنة مقبلة، وعشرين سنة أخرى، وعشرين سنة ثالثة، وليجمع هذه السنوات كلها».
هذا الحدث المهم الذي التقى من خلاله فو مع جمهوره من القراء كان محوره الرئيسي كتابه الصادر مؤخراً، «سنواتي السبع الأولى». إلى جانب هذه الفعالية التقى فو جمهوره المسرحي في جلسة حوارية شاركت فيها زوجته الممثلة الإيطالية، فرانكا رامي، التي تصحبه في جولته، والتي ألقت الضوء على تجربته المسرحية، مساهمته وعشقه للمسرح.
سنوات طويلة
«تلك الممارسة كانت تمنحني شعوراً استثنائياً بالبطولة.. وعلى الرغم من أنني لم أكن قد تجاوزت الخامسة أو السادسة حينها إلا أن تلك التجربة كانت قد وضعت الكون كله بين يدي. والواقع أنني ما زلت أتصور أن أي شيء آخر لا يمكن أن يكون له التأثير ذاته في نفسي، حتى لو وضعت الشمس في يدي».
«لقد لقنتني هذه التجربة فن رواية القصص الساخرة في سن مبكرة، عندما كنت لا أزال صبياً صغيراً، وكان ذلك يحدث بشكل عفوي لا واعٍ». الحقيقة أن المسألة لا تقتصر على التجربة التي يمر بها الإنسان فقط، وكذلك فهي لا علاقة لها بعمره... هنالك أشخاص لا يتسنى لهم العيش لفترة طويلة، فقد لا يعيش المرء مدة تزيد على 20 سنة، وعلى الرغم من ذلك تجد أن الكثيرين يتذكرونه جيداً، لأن هذا الإنسان يعرف تماماً كيف يعيش الفترة الزمنية الممنوحة له في الحياة.
غير أنني أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أطالب الناس بألا يعيشوا على وجه الأرض أكثر من 20 سنة ليمتد عمر الإنسان منا لأطول مدة ممكنة، ليزيد عدد سنوات حياته، لكن من جهة أخرى، ينبغي له أن يمد تفكيره، من وقت إلى آخر، ليصل إلى 20 سنة مقبلة وعشرين سنة أخرى، وعشرين سنة ثالثة، وليجمع هذه السنوات كلها».
مقتطف من رواية «سنواتي السبع الأولى»
حقائق عن داريو فو
ـ داريو فو مؤلف وممثل ومخرج وشاعر وباحث مسرحي إيطالي عالمي ساخر، حائز على جائزة نوبل للآداب لسنة 1997. ولد في سانجا بنو فاريزي شمال ايطاليا قرب الحدود السويسرية حيث كان أبوه ناظراً في محطة السكك الحديدية الحكومية واشتهرت أسرته بكثرة تنقلها بين القرى الواقعة شمال إيطاليا.
ـ نشأ في العهد الفاشي، الموسوليني، وعرف بوعيه المبكر للقضايا الإنسانية والسياسية . درس الهندسة والرسم في ميلانو.
ـ تعرف إلى زوجته الممثلة فرانكا رامي في الخمسينات وكون معها ثنائياً إبداعياً مسرحياً وبدأ الاثنان حياتهما العملية بتشكيل فرقة مسرحية استهلت عروضها التي كان يتدفق عليها الجمهور من الطبقة الوسطى في المقاهي والمصانع والميادين . مسرحيات فو تحريضية ، مثيرة للجدل . يشتهر بتأثره بالأدب الشعبي المعروف في إيطاليا منذ عصر النهضة.
ـ أهم أعماله مسرحيات: يوميات فوضوي مات صدفة 1970، امرأة سعيدة ، الطبول والتوت والعليق، المشهد الجديد، الفدائيون، اللوم على الشيطان دائماً
