تقهقر أو بربرية

تقهقر أو بربرية

بول ارييس هو كاتب وعالم اجتماع ومحلل سياسي فرنسي. سبق له وقدم حوالي عشرين كتاباً من بينها «من أجل إنقاذ الأرض» وبؤس السركوزية»، وهذا كتاب صدر قبل فترة وجيزة من أجل انتقاد سياسة نيكولا سركوزي، وزير الداخلية الفرنسي الحالي، وأحد المرشحين الأوفر حظاً، حسبما تدل المعطيات الحالية للفوز برئاسة الجمهورية الفرنسية في عام 2007،

ومؤلف هذا الكتاب هو أيضاً أحد المدافعين المعروفين عن البيئة في فرنسا وكان قد أصدر كتابين أحدهما تحت عنوان: «من أجل إنقاذ الأرض.. هل ينبغي القضاء على النوع الإنساني؟» و«جوزيه بوفيه، تمرد فلاح».. تجدر الإشارة إلى أن جوزيه بوفيه هو أحد أشهر رموز حركة أنصار البيئة في العالم وحيث تعرض لأحكام السجن عدة مرات بسبب تعرضه لرموز العولمة الأميركية مثل مطاعم «مكدونالد» الشهيرة أو حقول المزروعات المهجنة وراثياً.

هذا الكتاب «تقهقر أم بربرية» يذكر بعنوان شهير صدر في فرنسا قبل عدة سنوات تحت عنوان «اشتراكية أم بربرية» من تأليف كورنيليوس كوستيرياديس.. ويحاول «بول ارييس» أن يبين مظاهر «التقهقر» في الحضارة الغربية على أصعدة مختلفة اجتماعية وسياسية وإنسانية وثقافية، وخاصة على صعيد انهيار البيئة.

أما الطرق التي أدت إلى مثل هذا التقهقر فهي عديدة ومنها الإفراط في استثمار الأرض والإنسان.. وحيث إن ثمرات هذا الاستثمار تصب في مصلحة نسبة ضئيلة من البشر.. وهكذا يقوم المؤلف بتقديم العديد من الإحصائيات التي تبين أن 20% من البشر يستهلكون 80% من موارد الطعام، ثم انه ينبغي ألا يكون هناك أرض كونية واحدة بل «أربعة أراض كونية» إذا جرى تبني النمط الغربي في الاستهلاك.

يبدأ مؤلف هذا الكتاب تحليلاته بقولين، أحدهما للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش والآخر لعالم الرياضيات الشهير البرت اينشتاين، يقول بوش: «بما ان النمو ـ عكس التقهقر ـ هو مفتاح التقدم على صعيد البيئة ولانه يقدم الموارد التي تسمح بالاستثمار في التكنولوجيات النظيفة، فإنه يشكل الحل وليس المشكلة». ويقول البرت اينشتاين: «لا يمكن أبداً حل مشكلة بواسطة أنماط الفكر التي أنتجتها وولدتها».

ويرى المؤلف بأن النمو الاقتصادي هو «خيار إرادي» وليس «ضرورة مطلقة».. ثم انه ليس ممكناً إلا في المجتمعات الإنسانية التي ترسخت فيها فكرة قدرة المنافسة. ذلك ان المجتمعات البدائية ليست مجتمعات لا دولة ولا اقتصاد فيها فحسب وإنما هي مجتمعات مضادة للدولة وللاقتصاد، وذلك بمعنى وجود منطق يهدم التوازن الاجتماعي للمجموعة. ثم إن الإنسان البدائي لم يكن يبحث عن مردودية لنشاطه، ليس لكونه لا يعرف كيف يفعل ذلك وإنما لانه لم يكن يريده.

بل كان يجري التخلص من المخزونات وتدميرها أثناء الأعياد الكبرى كي لا تبذر مسألة امتلاكها التفرقة بين المجموعة. وهذا كان يعني استبعاد كل ما يكن أن يكون مصدراً للمنافسة. إن المؤلف وبالاعتماد على أعمال العديد من الباحثين يصل إلى القول بأن المجتمعات البدائية كانت هي بالأحرى مجتمعات تتسم بالوفرة الاقتصادية إذ كانت الحاجات الاجتماعية فيها تجد كفايتها دون أي إحساس بالندرة وبعيداً عن مفهوم النمو الاقتصادي.

بالمقابل يحدد المؤلف السمة الأساسية في المجتمعات الحديثة بأنه في إطار منظومة أيديولوجية معينة وسائدة في الغرب حالياً ينتهي الأمر بما هو قابل للتحقق تقنياً بأن يجري عمله في الواقع.. ولذلك يرى بأنه لن يكون بالمستطاع منع الاستنساخ البشري إذا لم يتم تغيير الأيديولوجية السائدة نفسها. وعلى المنوال نفسه ، يرى المؤلف، بأنه لن يمكن التوصل إلى تحقيق نمو اقتصادي إذا لم يقبل البشر أن يجعلوا من أنفسهم «تابعين» للعمل وللاستهلاك.

ويناقش المؤلف كذلك مقولة «النمو الاقتصادي المستدام» الذي لا يرى فيه سوى «استثناء»، ذلك أن التاريخ الإنساني ليس سوى متتالية طويلة من أشكال النمو المجهضة.. وبالتالي لا يشكل النمو الفردي، سوى استثناء غربي.

ثم ان زوال الحضارات الكبرى يجد تفسيره، على العكس، بواقع السلب المفرط للموارد الضرورية لنموها. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن المؤرخين قد برهنوا على ان الحضارات السومرية والبابلية وحضارات المايا والانكا قد زالت فجأة اثر عملية انهيار شامل. يقول:

«إن سقوط مجتمع النمو الباهر الذي كان سائداً في بلاد ما بين النهرين ـ ما بين عام 3600 وعام 1600 قبل الميلاد ـ إنما يمكن تفسيره بانهيار الزراعة فيه بسبب عملية ري ذات آثار مدمرة (تبخر سريع للمياه ووجود أراض فيها نسبة عالية من الملح) وبسبب الإفراط في اجتثاث الغابات مما أدى إلى تبدلات مناخية كبيرة.

ويؤكد المؤلف في الإطار نفسه بأن النمو الاقتصادي الغربي قد شكل استثناء بفعل قدرته على امتصاص أزماته عبر توصله إلى درجة كبيرة من التعبئة أمام هذه الأزمات مستفيداً من موارد الشعوب الأخرى. لكن الأمر مختلف أمام الأزمة الحالية لأن الغرب لم يعد قادراً على الاعتماد على الموارد الخارجية.

ويرى المؤلف بأن نتائج الانهيار «الذي يراه قادماً بالنسبة للغرب» ستكون رهيبة. إذ «إن كارثة محدودة تترتب على انهيار اقتصاد محدود ولكن الكارثة تكون معممة بالنسبة لاقتصاد العولمة».

وإذا كان المؤلف يقر بأن نموذج النمو الذي عرفه الغرب ليس سوى أكثر من نقطة ماء في تاريخ الإنسان. لكن «نقطة الماء هذه دمرت خلال عدة عقود فقط ما هو أساسي في النظام البيئي الكوني» كما يقول المؤلف ثم يضيف: « بالطريقة نفسها التي قطعت فيها بابل الغصن الذي كانت تجلس عليه فإن مجتمعنا يخرب شروط بقائه».

ويؤكد المؤلف بأن مسؤولية الغرب في تخريبه الكوكب الأرضي مؤكدة لا شك فيها. ويقدم بهذا الخصوص إحصائية تقول بأن الغرب قد ساهم خلال قرنين ونصف في هشاشة 65% من الأنظمة البيئية للعالم.

ويضاف إلى هذا واقع أن الغرب قد فقد إلى حد كبير السيطرة على العالم الحديث مما قد يؤدي إلى تنامي الإحساس باليأس. ثم ان الرأسمالية، كما ينقل المؤلف عن جاك لاكان، هي منظومة ناجحة أكثر مما ينبغي، وينتهي بها الأمر إلى أن تصبح ضحية نجاحها. إنها لا تلتهم العالم الخارجي فقط وإنما أيضاً تلتهم الإنسانية.

لكن من الممكن أن «تنهار» قبل انتصارها الشامل. وفي هذا السياق يرى المؤلف بأن الغرب يمتلك امتيازاً «مثيراً للحزن» يتمثل في أنه اخترع نموذجاً للتنمية يعمل أفضل من النماذج الأخرى. كما يرى أنه ليس من الخطأ القول بأن أيديولوجية النمو الاقتصادي هي إحدى المقولات الهجينة في الغرب إذ ليس هناك أية حضارات أخرى قد دفعت إلى هذا القدر من الخلط بين قيمتها وبين «القوانين» الاقتصادية.

ويرى مؤلف هذا الكتاب بأنه ليست هناك دروس يمكن للحضارة الغربية أن تلقنها للبلدان الفقيرة ... هذا إذا لم يكن الدرس الكامن في الإشارة إلى أن السبيل القائم على الإفراط في النمو الاقتصادي إنما قد قاد البشرية إلى الطريق المسدود.. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليؤكد أن هناك خطراً في «تجريم» الغرب لأن هذا قد يصب في نظرية «حرب الحضارات» أو ربما قد يؤدي إلى تطوير نزعة تشاؤمية ـ أوروبية محبطة للهمم، ومضادة للقيم الكبرى لعصر التنوير.

ويرفض المؤلف في تحليلاته محاولة الفصل التي يقوم البعض بها للتمييز بين النمو الاقتصادي وبين التنمية، على أساس أن النمو يهتم تحديداً بالكم بينما تتركز التنمية على الكيف، أي على النوع من حيث انها تعني بنفس الوقت ما هو اجتماعي وما هو ثقافي. ويقوم رفضه على قاعدة أن النمو الرأسمالي ليس كميّاً فقط وإنما يقوم أيضاً بتوليد نمط للحياة، إذ ما هو تقني يسقط أيضاً ثقافته على العالم.

والبترول «الاشتراكي» ليس أكثر «احتراماً للطبيعة» من البترول «الرأسمالي»، ذلك أن المسؤولية متشابهة فهي في جميع الحالات مرتبطة بأيديولوجية التقدم التي لابد وأن تؤدي، كما هي سائدة، إلى الكارثة على الصعيد الإنساني.

لكن «هل هي نهاية العالم أم نهاية عالم معين؟»، هذا السؤال يشكل عنوان أحد أقسام الكتاب وفي معرض الإجابة يرى أن الانهيار مهدد بصورة شبه شاملة، يقول المؤلف: «إن كل شيء يدعو للأسف إلى التفكير بأن نموذجنا للنمو الرأسمالي هو على وشك انهيار تمكن مقارنته مع ذلك الذي أدى إلى الزوال المفاجئ لحضارات قديمة كبرى».

ويضع المؤلف في مقدمته علامات مثل هذا الانهيار، التخريب الذي يصيب البيئة حيث يؤكد بأن الغالبية العظمى للمواطنين واحتمالاً أصحاب القرار السياسي كلهم هم يدركون بشكل كبير المخاطر التي يتضمن عليها نمط الحياة الحالي على مستقبل الأرض ومستقبل كل البشرية. لكن يبدو ان هذا الوعي ليس كافياً من أجل تغيير أشكال السلوك.

كما يرى المؤلف أن هذا «الانهيار البيئي» ليس سوى نتيجة لانهيار رمزي ومؤسساتي للمجتمع. ثم يرى أن الإنسانية لم تعد قادرة على امتلاك بوصلة للتوجه، لا سيما أن هناك نوعاً من الاختفاء المبرمج للموارد الطبيعية، إلى جانب زيادة سخونة المناخ وزيادة كميات غاز الفحم المنطلقة من المصانع خاصة خلال العقدين الأخيرين. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى عدة «سيناريوهات كارثية» يقول بها العلماء المختصون.

ويتنبأ المؤلف بأن «الموديل» الرأسمالي المتمركز على النمو الاقتصادي يسير أيضاً نحو «انهيار اجتماعي» هذا رغم الوعود الكثيرة التي قدمها بإقامة «فردوس على الأرض» اليوم أو «في الغد المشرق». لكن مقابل مثل هذا «الفردوس» يشير مؤلف الكتاب إلى أنه في كل مكان استطاعت فيه الأيديولوجيات الاقتصادية أن تفرض نفسها بمعزل عن أي بعد اجتماعي، أصبح من الصعب جداً إقامة منظومة اجتماعية تقوم على أساس مبدأ المساواة.

ذلك أن النمو الاقتصادي ليس هو الحل لإنهاء أشكال عدم المساواة الاجتماعية.. وليس حلاً ضد العنف في المدن. إن أشكال عدم المساواة «تنفجر» والمؤسسات الإنسانية «تتعطل» و«الأخ الكوني الأميركي» يفرض نفسه.

الكتاب: تقهقر أو بربرية

الناشر: غولياس ـ باريس 2005

الصفحات: 167 صفحة من القطع الصغير

DECROISSANCE OU BARBARIE

PAUL ARIE'S

GOLIAS - PARIS 2005

P. 167

طباعة Email
تعليقات

تعليقات