مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي كارل م. كانون. وقد اشتغل كمراسل معتمد في البيت الأبيض لعدة جرائد كبيرة. وبالتالي فهو يعرف كل شاردة وواردة عن الرؤساء الأميركيين وبخاصة كلينتون وبوش الابن. وهو من مواليد سان فرانسيسكو. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن شخصية الظل في حاشية بوش الابن: أي الداهية الكبير كارل روف. ويقال بأنه لولاه لما وصل بوش إلى البيت الأبيض ولما أعيد انتخابه ثانية. فمن هو هذا الرجل يا ترى ؟

ولماذا يشتغل في الظل ويبقى بعيدا عن الأضواء؟ يقول المؤلف منذ البداية ما معناه: ولد كارل روف عام 1950 في عائلة عمالية متواضعة غربي البلاد. وكان والده يشتغل في مناجم الفحم وأمه تربي أطفالها الخمسة في البيت وتشرف على شؤون زوجها وعائلتها. ولكنها انتحرت في بداية الثمانينات وهذا شيء نادر بالنسبة للنساء أو للأمهات على الأقل. وبعد أن أمضى كارل روف عدة سنوات في الدراسات الجامعية قرر الانخراط في السياسة عن طريق الانتساب إلى الحزب الجمهوري.

وفي عام 1970 أرسله الحزب إلى إحدى المناطق للمساهمة في حملة انتخابية معينة. ومنذ تلك اللحظة برهن كارل روف على مواهبه في مجال الاستخبارات والمناورات. فقد راح يتجسس على المرشح الديمقراطي المنافس لحزبه. بل ووصل به الأمر إلى حد الدخول إلى مكتبه بعد أن قدم نفسه وكأنه من الأنصار المتحمسين له. ثم سرق منه بعض الأوراق الرسمية وشوه صورته بعدئذ عندما راح يوزع هذه الأوراق على الناس وقد امتلأت بالكلام التالي: إذا ما صوتم لي فسوف أوزع عليكم البيرة مجانا، بل وحتى الفتيات مجانا.

بالطبع فإن مرشح الحزب الديمقراطي شعر بغضب لا يوصف عندما سمع بهذه المؤامرة الخسيسة التي شوهت سمعته ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا. فكارل روف رجل خبيث ومناور من الطراز الأول ويعرف كيف يوقع بخصومه. ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1981 تزوج من امرأة غنية كانت قد ورثت عن عائلتها ثروة طائلة. ولكنه تركها بعد ثلاث سنوات فقط بعد أن استفاد منها الكثير. ثم أصبح بعدئذ المستشار السياسي لجورج دبليو بوش.

إن كارل روف رجل جاد في عمله ومخلص لسادته أو معلميه ولكنه ذئب حقيقي بالنسبة لخصومهم السياسيين. وهو قادر على ممارسة كل ألاعيب الغش والابتزاز في الحملات الانتخابية. كما أنه مستعد لأن يفعل كل شيء من أجل أن ينجّح المرشح الجمهوري ويسقط المرشح الديمقراطي.

ومعارضو الرئيس يلقبونه «بدماغ بوش» أما بوش نفسه فيصفه بالعبقري الصغير. وهو حتما المستشار الأكثر نفوذا لدى رئيس الولايات المتحدة الأميركية. ويرى البعض أنه أكبر استراتيجي في مجال الحملات الانتخابية الأميركية.

ولولا خططه ونصائحه السديدة ومؤامراته لما نجح بوش في الوصول إلى منصب حاكم تكساس أولا، ثم منصب رئاسة الولايات المتحدة ثانيا. فكارل روف يعرف كل شيء عن الخارطة السياسية والانتخابية لأميركا. ثم يردف المؤلف قائلا: لقد ساهم في تجنيب بوش ارتكاب بعض الأخطاء أثناء لقائه بالجماهير. وعرف كيف يقدم له الشعارات والعبارات التي تجذب الناخبين لكي يصوتوا له.

وهو الذي نصح بوش بالتوجه إلى التيار الأصولي المسيحي والتقرب منه بعد أن شعر بأنه أصبح ذا شعبية واسعة وبخاصة في الولايات الجنوبية.

والواقع أن كارل روف كان من أكبر المعجبين بشخصية ريتشارد نيكسون. وهو وقح مثله ولا يتوانى عن فعل أي شيء من أجل الوصول إلى مآربه، فالغاية تبرر الوسيلة عنده. إنه مكيافيللي من الطراز الأول. ثم فتح مكتبا للاتصالات وأصبح مختصا بالسمسرة السياسية والألاعيب القذرة إلى حد ما. وعلى العموم فإن مساره السياسي شهد عدة حوادث مشبوهة كانتحار بعض خصومه مثلا أو تواطؤه مع جماعات اليمين المتطرف وأشياء أخرى.

وبالتالي فالرجل ليس نظيفا على الإطلاق. هذا أقل ما يمكن أن يقال. إنه شخص ماكر لا ضمير له ولا يعرف معنى الإحساس بالخطيئة والذنب حتى ولو ارتكب كل الموبقات. وربما لهذا السبب استطاع أن يوصل معلمه بوش إلى سدة الرئاسة الأميركية.

وبالتالي فوراء الخطاب الأخلاقي والديني لبوش هناك ممارسة عملية مضادة له تماما. ومن الذي يقوم بها تحت جنح الظلام ويحرك خيوطها؟ إنه كارل روف أكبر داهية في أميركا حاليا. ثم يردف المؤلف قائلا: لقد قال البعض إنه يلعب لدى بوش نفس الدور الذي كان غوبلز يلعبه لدى هتلر. إنه وزير الاتصالات والدعاية بالنسبة له. والبعض يعتبره الرئيس الثاني لأميركا أو رئيس الظل.

إنه من أكبر الخبراء في الدعاية والحملات الانتخابية. فهو يستطيع أن يجعل من الأبيض أسود والأسود أبيض. وهو قادر على تلميع صورة مرشحه وتسويد صورة خصمه كليا خلال بضعة أيام فقط. وبما أن المجتمع الحديث، وبخاصة المجتمع الأميركي، قائم على الدعاية والفضائيات التلفزيونية والصور فإن كارل روف يعرف كيف يستغل ذلك أفضل استغلال.

إنه يستطيع أن يشن حملة دعائية واسعة ضد خصوم الرئيس خلال فترة قصيرة فيشوه سمعتهم ويكرّه الناخب الأميركي بهم. ولهذا السبب نجح بوش في الوصول إلى البيت الأبيض مرتين لا مرة واحدة. لا ريب في أنه ماهر ومحنك أكثر بكثير مما أشيع عنه ولكن لولا وجود كارل روف إلى جانبه لما نجح في الوصول إلى القمة.

ثم يضيف المؤلف قائلا:

هل نعلم مثلا أنه كان ينظم كل أسبوع حفل غداء لمجموعة من الخبراء من أجل بلورة استراتيجية فعالية لتشويه صورة جون كيري، منافس بوش؟ وهل نعلم أنه كان يستخدم كل الحيل لبث الإشاعات المغرضة عنه من أجل زعزعته وإضعافه؟ وكل ذلك كان يتم في الظل، ومن وراء الستار.

إن كارل روف لا يتردد عن استخدام أبشع الأساليب الوسائل من أجل إرهاب الخصوم السياسيين لبوش. فهو مثلا يجمع كل المعلومات السرية عن حياتهم الشخصية والعاطفية ويستخدمها ضدهم في الوقت المناسب. فإذا عرف أن مسؤولا ما يخون زوجته مثلا فإنه يسجل ذلك عليه لكي يستخدمه في اللحظة المناسبة. ومعلوم أن الناخب الأميركي لا يحب القائد السياسي إذا لم يكن منضبطا من الناحية العائلية.

ولهذا السبب فإن بوش يعجبه من هذه الناحية. فهو دائما مغرم بزوجته لورا بوش ولا يتخلى عنها كما فعل كلينتون مثلا، ومعلوم أن هذا الأخير كاد أن يفقد منصبه الرئاسي بسبب مغامرته مع مونيكا ليونسكيولكن هناك ما هو أخطر من ذلك. فكارل روف مستعد لدفع خصومه أو بالأحرى خصوم معلمه بوش نحو الانتحار إذا لزم الأمر. ثم يضرب المؤلف على ذلك المثل التالي:

في عام 1990 أصدر الصحافي جميس ه. هاتفليد كتابا عن سيرة بوش الابن تحت عنوان: عصابة بوش أو مسيرة أحد أولاد العائلات ذات الامتيازات. وفيه يكشف لأول مرة أن بوش الذي كان سكيرا في شبابه الأول قد اعتقل من قبل البوليس عام 1972 لأنه كان يحمل معه كميات من الهيروين، وهو من أقوى أنواع المخدرات وأخطرها.

ثم يقول المؤلف إن والده اضطر للتدخل لدى البوليس واستخدام نفوذه السياسي من أجل إطلاق سراح ابنه. ولكن ما إن صدر الكتاب حتى قامت إحدى الجرائد بشن حملة شعواء عليه وعلى مؤلفه. ولذا اضطر الناشر إلى سحب الكتاب من المكتبات وحرق سبعين ألف نسخة منه في مخازنه. ثم راحت الأيدي السرية تلاحق المؤلف حتى قطعت رزقه وحرمته من العمل فأصبح غير قادر على تأمين معيشته بشكل لائق بعد أن كان صحافيا لامعا.

ثم أخذ يتعرض لتهديدات بالقتل. وبالفعل فقد وجدوه ميتا بعد ذلك بفترة وجيزة في غرفة فندق في إحدى المدن الأميركية. وانتهى التحقيق إلى القول بأنه مات منتحرا بعد أن تجرع كميات كبيرة من المخدرات ! ولكن حتى الآن لم يثبت صحة هذا الكلام ولم يتأكد موته عن طريق الانتحار. ومن كان وراء كل ذلك؟ إنه رجل بوش للعمليات السرية: كارل روف.

ويقال إن بوش أغدق عليه الهدايا والهبات والفلوس. ففي عام 1994 أعطاه حوالي الثلاثمئة ألف دولار دفعة واحدة أو أكثر بكثير (340,379). وفي عام 1999 أعطاه شيكا بمبلغ 220,228 دولاراً. وكل ذلك لقاء خدماته الجلى السرية التي كان يقدمها له عن طريق تحطيم أعدائه أو خصومه السياسيين بأي شكل.

ويقال إن روف هذا هو المسؤول عن اغتيال ايلي حبيقة السياسي اللبناني المعروف والوزير السابق. ومعلوم أنه كان عميلا لإسرائيل أثناء الحرب الأهلية اللبنانية أو قل كان يتعاطى علاقات سرية معها بحكم رئاسته لجهاز الاستخبارات لدى القوات اللبنانية.

ولكن لماذا أمر «روف» باغتياله؟ لأنه كان على وشك أن يفضح شارون عن طريق تقديم براهين قاطعة على أنه هو المسؤول الأساسي عن مجازر صبرا وشاتيلا وأنه أجبر القوات اللبنانية على القيام بها غصبا عنها. وخطيئته القاتلة هي أنه هدد بكشف هذه الوثائق فاغتالوه قبل أن يكشفها عن طريق سيارة مفخخة انفجرت عن بعد...والواقع أن حبيقة كان قد ارتد على إسرائيل وأصبح وطنيا قبل ذلك فدفع الثمن.

الكتاب: الولد العبقري كارل روف

الناشر: مطبوعات الشؤون العامة نيويورك 2005

الصفحات : 386 صفحة من القطع الكبير

Boy Genius

Karl Rove, The architect of Georges Bush's

remarkable political triumphs

Karl M. Canon

Public Affairs Press- New York 2005

p.386