روايات خالدة

مغامرات الجندي الطيب شيفيك

صورة

تمكن بعض الكتاب من أسر روح وفكر الناس، ليبقوا أحياء في ذاكرتهم حتى النهاية. ففي انجلترا لدينا تشارلز ديكنز وفي الولايات المتحدة مارك توين وفي الأمم السلافية ووسط أوروبا الكاتب التشيكي ياروسلاف هاسيك. ولد هاسيك في براغ في 30 أبريل 1883، وقد أجبر الفقر العائلة التي تضم ثلاثة أبناء على الانتقال باستمرار، وهكذا أمضى هاسيك طفولته مرتحلا مع أسرته من مكان إلى آخر بما يزيد على عشر مرات.

وقد انعكس عدم الاستقرار في منزل واحد على حياته لاحقا. توفي والده حينما كان في الثالثة عشرة من عمره، ولم تستطع والدته تربيته بحزم. في الخامسة عشرة ترك المدرسة ليعمل في متجر أدوية، وتمكن أخيرا من التخرج من مدرسة التجارة وعمل إلى حين كموظف في بنك، إلا أنه فضل اتخاذ الكتابة مهنة له. كان هاسيك في حياته يسخر من كل فرد ومن أي شيء حتى نفسه. ولم يكن يأبه لأي أسلوب أدبي، واعتبر الكتابة عملا وليس فنا، وبذا كان يكتب بغزارة وباستمرار كان يخترع النكات سواء على الورق أو الحياة، مما أغضب الكثيرين الذين اعتبروه كسولا، وغير مسؤول، ومتشرد وسكير.

نشر في البداية ديوان قصائد بعنوان «صرخات مايو» عام 1903 ثم كتب ستة عشر مجلدا من القصص القصيرة. ومن عام 1904 وحتى عام 1907 عمل كمحرر لعدد من مطبوعات المعارضة. وفي عام 1910 تزوج الكاتبة جميلة مايروفا. وحين اندلعت الحرب العالمية الأولى استدعي للخدمة في الجيش النمساوي الهنغاري، وبعد حين وقع أسيرا في روسيا. ولدى اندلاع الثورة الروسية انضم إلى الجيش الأحمر وتزوج من روسية، وأصبح عضوا في جيش تحرير تشيكوسلوفاكيا، إلا أنه عاد ثانية إلى براغ بعد انتهاء الحرب.

بعد الحرب بدأ هاسيك بكتابة روايته «الجندي الطيب شيفيك» التي خطط لها أن تكون من ستة مجلدات، ولم يستطع خلال الفترة من عام 1920 وحتى 1923 إنجاز، سوى ثلاثة مجلدات وجزء من المجلد الرابع الذي أكمله الأديب كاريل فانيك. كان ذلك بسبب معاناته من المرض وزيادة الوزن بصورة خطيرة، إذ كان يملي فصول الرواية على أحدهم من غرفة نومه في مدينة ليبنيس،

حيث توفي بصورة مفاجئة عام 1923 ولم يكن قد أتم الأربعين من عمره بعد. تصف رواية أو ملحمة «الجندي الطيب شيفيك»، مغامرات جندي تشيكي يدعى شيفيك، استدعي للخدمة العسكرية. وتمثلت مهمته في خدمة الملازم أول لوكاس، وشيفيك شاب في العشرينات وهو جندي من المشاة، أحمق قليلا ويتمتع بشخصية مرحة مع روح الدعابة.

وكان على الدوام يورط نفسه ورئيسه في العديد من المشاكل لكونه يتبع الأوامر والتعليمات بصورة حرفية ، فحينما قيل له أن ينتظر في محطة القطار، فاته القطار الخاص بقطعات الجنود، فحاول أن يجد سريته من خلال السير بالاتجاه المعاكس، ليتم توقيفه لاحقا كهارب من الخدمة.

وفي موقف آخر، تم إرساله للعثور على منطقة ملائمة لتخييم الفرقة، فكانت النتيجة وصوله إلى منطقة روسية. وهكذا تم القبض عليه بتهمة الجاسوسية. وهدد بالشنق كعقاب له ولم ينجو من هذا المصير إلا عندما تعرف عليه أحد الضباط الكبار من سريته.

وتعكس تلك المغامرات والمواقف الشائكة التي يجد شيفيك نفسه فيها والحماقات التي يرتكبها، فوضى وحماقات الجيش نفسه..

بعد مضي زمن يتم تسريح شيفيك من الخدمة، بعد إجماع الأطباء المختصين في الجيش على كونه أبله. وهكذا يبدأ شيفيك مرحلة جديدة من حياته. ويعتمد في كسب رزقه من خلال تزوير شهادات الكلاب المهجنة والقبيحة التي كان يشرف على توليدها، وبيعها على أنها كلاب أصيلة السلالة. كما كان يعاني من آلام الروماتيزم في ركبته.

وتعتمد حبكة الرواية على سلسلة من المصادفات التي تضع البطل في مواجهة عدة ظروف، تعكس فساد النظام والمجتمع. وتعتمد شخصية البطل على حسها العفوي في الفكاهة للبقاء على قيد الحياة. وغالبا ما يبقى شيفيك متقدما في رحلته متجاوزا ما يمر به من مآزق. ومن ذلك يتبين أن القصة هي عبارة عن مجموعة من التجارب التي يمر بها عبر الطريق، وبصورة أو أخرى عليه الاستمرار في الحياة.

ورسالة هاسيك في روايته تتمثل في رفضه ومعارضته للحرب التي خاضها بنفسه. كما يتناول العمل في الوقت ذاته جانبا مهما يعكس تجرد النظام العسكري من إنسانيته والفوضى الأقرب إلى حد الجنون. كل ذلك يتجلى للقارئ من دون أن يتطرق المؤلف أو يشير إلى أية معارك أو مشاهد قتل.

والجيش في روايته بمثابة هيئة محكومة بالإجراءات والنظم المعقدة، إذ تتمثل مهمة سلطة النظام الأساسية في التحكم بالناس من حولهم بصورة غير مفهومة حتى بالنسبة للقائمين عليه. وبمعنى آخر فإن الجيش عبارة عن بنية بيروقراطية وضعت لتنظيم جهود الإنسان للتحكم بالعامة سواء تحت شعار ديني أو امبريالي. وشيفيك مرآة تعكس متاهة بنية البيروقراطية للقرن الماضي ونيف التي أسست تحت ادعاء جعل المجتمع أكثر تقدما وعدالة.

ومن المحتمل أن يمضي القارئ وقتا طويلا قلقا على شيفيك خلال توالي الأحداث، حيث تتزاحم التساؤلات في ذهنه إن كان شيفيك أحمق حقا أم أنه يدعي ذلك؟ هل يسعى بقصد إلى ابتكار أساليب للنيل من بيروقراطية الجيش، أم أنه من الساذجين المتحمسين للسلطة؟ وهل هو محظوظ بالمصادفة أم خبير في استغلال الظروف؟

وتلك الأسئلة التي تولدها فينا الرواية، تبدل تصوراتنا باستمرار من موقف إلى آخر. وبالتالي يصعب علينا وضع تصور محدد لتلك الشخصية ، سيما وأن شيفيك غير قادر على السير بضعة كيلومترات من دون أن يضيع أو يأبه لذلك على الرغم من سفره على الطريق ذاته عدة مرات، فهو في المحصلة شخصية مضللة.

كما أن الراوي لا يساعد القارئ في هذا الأمر، فنادرا ما أعطانا ولو لمحة لما يجول في ذهن شيفيك. نحن نسمع ما يقوله ونشاهد ما يفعله، إلا أن الدوافع قلما كانت واضحة. وفي الحقيقة فإن حياة شيفيك الداخلية، وكيف يشعر إزاء تجاربه أو ما يتعلمه عن نفسه أو الآخرين أو آرائه الحقيقية، تبقى كلها أمرا غير مرتبط بموضوع العمل.

وعليه، فإن ما نعلمه عن ماضيه قليل جدا، وما نعرفه من تفاصيل واضحة عنه يأتي في آخر الرواية، فبطاقة البريد التي أرسلت له من فتاة هي صديقة قديمة، تبدو كمفاجأة للقارئ. وأقرب ما يساعدنا في رسم تصور لفلسفته في الحياة هو الملاحظة الوحيدة التي قالها، «كان المسيح بريئاً أيضا.

وفي كل الأحوال صلبوه. ما من أحد في أي مكان كان قلقاً بشأن رجل كان بريئا. ابق هادئا واستمر في الخدمة». وهذه الشخصية في معظم الأحوال تتقبل بسعة صدر أي ظرف تجد نفسها فيه، وكل ما تضيفه أي تجربة يبقى مضللا وغير واضح. وهنا يكمن سر شهرة تلك الشخصية. فشيفيك هو كل إنسان ومركب من معظم الشخصيات العادية، جالبا معه في كل موقف مجموعة من المفارقات التي تجمع ما بين الحذاقة والحماقة.

ومن الممكن أن نرى في شيفيك أشهر مثال على حداثة الكوميديا التي سميت لاحقا «الكوميديا السوداء»، ويأتي ذلك ليس من المفارقة بين ما علينا أن نسلكه وتصرفنا الفعلي، بل من الاستخفاف والسخرية من كل شيء.

رشا المالح

طباعة Email
تعليقات

تعليقات