جاك اتالي هو رجل سياسة وباحث اقتصادي وكاتب معروف وروائي وكاتب مسرحي. باختصار هو أحد أهم المثقفين الفرنسيين المعاصرين . وقد كان من القلائل الذين ربطتهم علاقة وثيقة بالرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران. قدم جاك اتالي عشرات الكتب من بينها «1492» والذي خص به اكتشاف أميركا من قبل كريستوفر كولومبس و«الإنسان المرتحل». يتصادف صدور هذا الكتاب الجديد «هكذا كان فرانسوا ميتران » مع الذكرى العاشرة لوفاة الرئيس الفرنسي السابق
وهذا واحد بين كتب عدة صدرت بهذه المناسبة لكنه هو أكثرها إثارة لاهتمام وسائل الإعلام. يذكر جاك اتالي في مقدمة كتابه كيف نجا من الموت يوم 16 مارس 1978 الذي عرف عاصفة ثلجية. وكان جاك اتالي مكلفاً بالذهاب إلى منطقة «الجوران الفرنسية» لحضور احد المهرجانات.
وفي اللحظة الأخيرة ذهب بدلاً منه النائب اندريه بولوش الذي لم يعد، وهكذا استطاع جاك اتالي ان يحتل بعد ثلاث سنوات «المكتب الأخضر» المجاور لمكتب الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في قصر الأليزيه. ويروي اتالي أن معرفته بفرانسوا ميتران تعود إلى لقاء أول جمعهما صدفة في أحد المطاعم الباريسية عام1966 وظل قريبا منه بعد ذلك لسنوات طويلة لكنه لم يحضر لوداعه الأخير عند وفاته في مطلع شهر يناير من عام 1996
وفي هذا الكتاب يعود اتالي إلى اللحظات المفصلية في علاقته مع فرانسوا ميتران كي يستعرض مفاهيمه في الفكر والسياسة واستراتيجية وموقف فرنسا ومكانتها في العالم، وقبل هذا كله مفهومه للسلطة. ولكن في محصلة هذا كله يشير اتالي إلى لم يكتب الحقيقة حول ميتران .. إذ ليس هناك حقيقة في هذا الموضوع وإنما هناك ذكريات عاشها ومواقف عايشها من موقعه في «المكتب الأخضر».
ولا شك بأن هذا الكتاب الجديد عن فرانسوا ميتران يلقي أضواء جديدة على أحد أكبر السياسيين الفرنسيين خلال القرن العشرين، ويصفه بأنه كان يتسم بقدر كبير من التصميم أثناء الأزمات والتوترات الدولية إذ لم يكن يتراجع بسهولة عن المواقف التي اتخذها بوعي وتصميم .. وهكذا يقول مثلاً بأنه اثر العمليات التي استهدفت الجنود الأميركيين والفرنسيين في لبنان اتفق ميتران مع واشنطن على القيام برد عسكري قوي وأصر على تنفيذ ذلك الرد عندما انسحب الأميركيون من الاتفاق.
ومن الصفات التي يؤكد عليها جاك اتالي في شخصية فرانسوا ميتران هو انه كان يجد سهولة أكبر في التعامل مع القضايا الدولية وفي الدفاع عن صورة فرنسا في الخارج أكثر مما كان بالنسبة للقضايا الفرنسية ذاتها. بل يؤكد اتالي بأن الرئيس الفرنسي الراحل كان يشعر بالضيق سريعاً في فرنسا.
وان قضايا قليلة كانت تثير اهتمامه بعد عام 1984، أي بعد ثلاث سنوات من انتخابه رئيساً للجمهورية، ثم لم يعد أي شيء يثير اهتمامه اعتباراً من عام 1988، أي منذ جرت إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية الفرنسية للمرة الثانية، حيث ترك رؤساء حكوماته يسيرون ويميدون في جميع ما يخص القضايا الفرنسية بينما كان جل اهتمامه يذهب إلى القضايا الاستراتيجية الدولية.
وفي عام 1984 كانت فرنسا منقسمة على نفسها بخصوص القانون المتعلق بالمدرسة الحرة.. والمعروف باسم «قانون سافاري» باسم وزير التربية آنذاك الذي كان يرمي إلى تأميم المدارس الخاصة. وما يؤكده جاك اتالي هو أن ميتران كان معادياً تماماً لذلك لكنه، وعلى خلفية ذهنية المناورة، ترك الأمور تجري وكأنه موافق وذلك كي يتمكن أن يأخذ زمام الأمور بيده بقوة أكبر ويجهز على المشروع بشكل نهائي.
لقد شهد الشارع الفرنسي مظاهرات عارمة ضد قانون سافاري، وذات يوم أثناء وجبة غداء بسيطة مع الاشتراكيين قال فرانسوا ميتران : «الرأي العام ليس معكم حول المدرسة الخاصة. وقد تحول الأمر إلى مسألة سياسية خطيرة. والكماشة تضغط أكثر فأكثر.. لذلك ينبغي تغيير المشروع، فإذا استمر الأمر على ما هو فإن الانتخابات التشريعية لعام 1986 سوف تجري على خلفية هذه المسألة وسوف نلاقي الهزيمة».
وفي المساء نفسه أعلن فرانسوا ميتران عبر التلفزيون سحب القانون الخاص بالمدارس الخاصة. عندما سمع وزير التربية بذلك مثل غيره من مشاهدي الشاشة الصغيرة قرر الاستقالة وطلب من رئيس الحكومة آنذاك بيير موروا أن يفعل مثله.. لكنه رفض. هنا يفتح جاك اتالي قوسين لينقل عن فرانسوا ميتران قوله له: «هكذا أحب أن أحكم عبر اختيار ميدان العمل دون السماح بأن يفرضه أحد علي. لقد كنا محاصرين ولكننا استطعنا الخروج من المأزق.. وفي فرنسا لا تتم تسوية المشاكل إلا بواسطة الأزمات.
لكن لا يتم الخروج أبداً دون خسائر. كان على سافاري أن يذهب.. وليس موروا، إلا إذا أراد أن يتضامن مع هذا العنيد».
ويؤكد اتالي بأن فرانسوا ميتران طرح في الوقت نفسه فكرة الاستفتاء العام حول المدارس الخاصة، ولكن مع التصميم الأكيد بعدم إجراء مثل هذا الاستفتاء بل إنه طلب من مؤلف هذا الكتاب تحضير السؤال الذي ينبغي طرحه على الفرنسيين بهذا الخصوص
ثم أضاف: «أتمنى كثيراً أن يكون عملك غير مفيد. فإذا لم ير الاستفتاء النور فسوف أسخر من هذا العمل مع أن مثل هذا الفشل يناسبني جداً. لقد أطلقت كرة وأتمنى أن لا يلتقطها الخصم».
لم يجر الاستفتاء حول المدارس الخاصة، لكن بيير موروا، رئيس الحكومة أصر على الاستقالة، وأرسلها بواسطة الفاكس لرئيس الجمهورية مما شكل تصرفاً لا سابقة له بالنسبة لمختلف الحكومات التي عرفتها الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958 وأعطى دستورها صلاحيات كبيرة لرئيس الجمهورية أي انه صاغ دستوراً «على مقاسه».
وفي عام 1988 كان رئيس الوزراء الفرنسي هو ميشيل روكار الذي أراد استصدار قانون خاص بالعفو حيال مخالفات تمويل الأحزاب السياسية. لم يكن ميتران يهتم آنذاك كثيراً بالقضايا الداخلية. لكنه جابه مشروع القانون الذي يعده روكار بثورة عارمة.
وقال: «كان ينبغي علي أن لا أسمح بذلك. هذا خطأ. هذا هو خطأي الحقيقي الأول منذ عام 1981 ـ عام انتخابه للمرة الأولى رئيساً ـ سترون، سيقال بأنني أنا وراء هذا القانون. وأنا لا علاقة لي به، بل انني ضده. إنه أسوأ ما يكون. إنه حثالة وذروة الخساسة».
ثم أضاف: «إن روكار يريد هذا القانون لحماية أصدقائه وللتأكد بأن الحزب الاشتراكي سوف يعينه كمرشح للرئاسة بعدي عام 1995. لقد فرض علي هذا العفو الذي لم أكن أريده. إنه أشنع الأخطاء وجريمة الحكومة.
نعم إنه أسوأ خطأ في فترة حكمي. هذا مخجل». وهنا يشير جاك اتالي بأن فرانسوا ميتران عندما علم بأن روكار يحمله مسؤولية ذلك الخطأ الكبير قرر أن يفعل ما كان يتمنى أن يفعله منذ اليوم الأول لتعيين روكار في منصب رئيس الحكومة. لقد قرر أن يصرفه.
على صعيد القضايا الدولية يعود جاك اتالي إلى يوم 8 يونيو 1987 أثناء مأدبة عشاء لرؤساء الدول السبع المصنعة الكبرى في البندقية وحيث تم للمرة الأولى والأخيرة أيضاً استعراض الالتزام النووي لجميع الأطراف. لقد بدأ الحديث بسؤال بدا خطأ بأنه ساذج طرحته السيدة مرغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك. وجاء فيه: «إذا نشبت الحرب وإذا حاصر السوفييت مدينة بون الألمانية، فهل سوف تستخدمون القنبلة الذرية الفرنسية؟».
وكانت إجابة الرئيس ميتران واضحة حيث قال: «سيدتي، بالتأكيد كلا». فرمته السيدة تاتشر بكلمة جارحة: « كيف ستستطيعون عندها أن تنتظروا من الولايات المتحدة أن تأتي ذات يوم لنجدة باريس؟». فأردف ميتران بحدة: «سيدتي، أعتقد أنك تخلطين الآن بوعي كامل بين مشكلتين متمايزتين تماماً، هذا نقاش استراتيجي ولا نمتلك نفس التقديرات.
إن تقدير مصالح فرنسا لا تتعلق سوى بي أنا. ومهمة فرنسا هي ليست حماية ألمانيا وأوروبا الغربية» فهذه هي مهمة الحلف الأطلسي وليست مهمة فرنسا. سيدتي إن فرنسا ترفض بالقطع الواجب الأخلاقي الموجود ضمناً في سؤالك». وبعد قول هذا للسيدة تاتشر، التفت الرئيس ميتران إلى رونالد ريغان، الذي كان يصغي بانتباه كبير للحديث.
وقال له: «السيد الرئيس، إن صواريخكم ذات المدى المتوسط تجعلكم تفكرون أنه بإمكانكم القيام بحرب نووية في أوروبا دون أن يطلق السوفييت صواريخهم على نيويورك.. وبما أن مثل هذا مستحيل، فإنكم لن تستخدموا صواريخكم المنصوبة في أوروبا.. وردكم المتدرج والمرن لا يرمي سوى إلى أن يسمح لكم أنتم، الأميركيون، بعدم التدخل في أوروبا».
إن الرئيس ريغان ودون الدخول في تفاصيل الحديث أجاب بجملة جاهزة تقول: «أستطيع أن أضمن لكم بأن الولايات المتحدة ستكون متضامنة كما فعلنا أثناء حربين كونيتين وسنتدخل إذا تعرضت أممكم للتهديد». لقد أذهلت سطحية هذا الرد الذي لا يجيب على أية حجج من تلك التي قال بها ميتران ، أردف هذا الأخير؟:
«أنا لا أشك في ذلك. لكن ليس لدي أي ضمان بأنكم سوف تردون على الفور بالأسلحة الشاملة الضرورية. وأعتقد بأن الاتحاد السوفييتي هو أيضاً لا يعتقد بأنكم قد تستخدمون مثل هذه الأسلحة، وهذا هو أكثر خطراً. فإذا فكر بأنكم لن تدافعوا عنا خشية مهاجمتكم على أراضيكم نفسها فإنه سيهاجمنا عندما يريد. وعلينا أن نفهم جيداً دون أدنى شك حول تصميمنا وقدرتنا على التدخل الشامل وبسرعة أمام أي عدوان.. إنما يعني إمكانية نشوب الحرب».
ثم ختم فرانسوا ميتران حديثه بالتوجه إلى السيدة مرغريت تاتشر قائلاً: «السيدة رئيسة وزراء بريطانيا، عليك أن لا تتصوري أن السوفييت قد أصبحوا أصلاً في بون. ذلك أن دخولك في مثل هذا المنطق يعني خسارة المعركة مسبقاً». كتاب عن سيرة حياة رجل ـ رئيس وعن حقبة وعن رهانات مضت ولكن آثارها قائمة وفاعلة.
الكتاب: هكذا كان فرانسوا ميتران
الناشر: فايار ـ باريس 2005
الصفحات: 39 صفحة من القطع المتوسط
L' ETAIT FRANCOIS MITTERAND
JACQUES ATTALI
FAYARD - PARIS 2005
P. 390
