من المكتبة العالمية

تاريخ أفغانستان الحديث

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث انجيلو رازاناياغام المختص بالشؤون الأفغانية منذ سنوات طويلة. وفيه يقدم لمحة عامة عن جغرافية هذا البلد وتاريخه ومشاكله منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم. ومعلوم أن أفغانستان هيمنت على الاهتمام العالمي منذ أحداث (11) سبتمبر 2001.

بل وهيمنت عليه منذ الغزو السوفييتي لها عام 1979 وحتى خروجه منها مدحوراً عام 1989. والواقع أن أفغانستان كانت منذ زمن طويل نقطة احتكاك أو صدام بين الشرق والغرب. وكان الجميع يتنافسون عليها بسبب موقعها الاستراتيجي على خريطة العالم والمنطقة. فقد تنافست عليها الإمبراطوريات الكبرى في الماضي كروسيا والصين والهند وفارس. وأما اليوم فهي محط اهتمام أميركي بالدرجة الأولى. ولكنها في القرن التاسع عشر كانت محط اهتمام الإمبراطورية البريطانية.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ولا ينبغي أن ننسى الانقسامات الداخلية الأفغانية ودورها في إشعال الحروب الأهلية. فأفغانستان بلد يحتوي على الكثير من الأعراق والطوائف كالباشتون والطاجيك والسنة والشيعة، الخ. صحيح أنه لا توجد إحصائيات دقيقة عن التركيبة الداخلية للشعب الأفغاني ولكن يمكن أن نقول ما يلي على وجه التقريب: أكثر من خمسين في المئة من عدد السكان يتحدثون اللغة الفارسية.

ومن بينهم قبائل الطاجيك التي تشكل ربع السكان وجماعات الهزارة التي تشكل عشرين في المئة من سكان البلاد. هذا بالإضافة إلى قبائل أخرى. وأما المجموعة البشرية الثانية من حيث التمييز اللغوي فهي الباشتون الذين يشكلون 30 في المئة من عدد السكان، ولهم لغتهم الخاصة. يضاف إليهم الأوزبكيون والتركمان وآخرون. وهناك أكثر من ثلاثين لغة في أفغانستان!

أما بالنسبة للتقسيم الديني فالأغلبية العظمى من سكان البلاد تدين بدين الإسلام (99%) من بينهم 89% ينتمون إلى المذهب السني و15 في المئة إلى المذهب الشيعي. ولكن توجد أقلية هندوسية وأخرى تنتمي إلى ديانة السيخ. هذا بالإضافة إلى أقلية يهودية صغيرة جداً.

ثم يقدم المؤلف الإحصائيات الدقيقة عن البلد ويقول: إن عدد السكان يقارب السبعة وعشرين مليوناً، وأما مساحة البلاد فتبلغ ستمئة وخمسين ألف كيلومتر مربع، أي أكبر من مساحة سوريا مثلاً بثلاث مرات على الأقل. ومن نواقص أفغانستان أنه لا يوجد أي منفذ لها على البحر، وبالتالي فهي بلاد بلا شواطئ، ومعظم سكان أفغانستان لا يزالون أميين (أكثر من 60 في المئة من عدد السكان).

وبالطبع فقد ساهمت سنوات الحرب التي استمرت أكثر من عشرين سنة متواصلة في إفقار البلاد أكثر وتدمير ما لا يقل عن ثلاثين في المئة من مدارسها. وبالتالي فالأمية ازدادت في البلاد بدلاً من أن تنقص، وذلك على عكس البلدان الأخرى.

ولا يتجاوز معدل الحياة هناك الخمس والأربعين سنة للنساء والثماني والأربعين بالنسبة للرجال، وهو من أكثر المعدلات انخفاضاً في العالم. بل ويشبه ما كان سائداً في أوروبا أثناء العصور الوسطى، حيث لم تكن توجد نظافة، ولا صحة، ولا أدوية، ولا مستشفيات، ولا من يحزنون.

بالمقارنة فإن متوسط العمر في أوروبا يبلغ ثمانية وسبعين عاماً أو أكثر. وأما من الناحية الجغرافية فإن أفغانستان هي أحد بلدان آسيا الوسطى، ولها حدود مع تركمانستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، والصين، وإيران، وهي مصنفة من أفقر بلدان العالم، وهي تقع على مفترق الطرق في آسيا الوسطى، من هنا أهمية موقعها الجغرافي بالنسبة للدول العظمى كما قلنا.

وقد تعاقبت عليها الغزوات والاحتلالات الأجنبية على مدار العصور من الإمبراطورية الفارسية إلى الاسكندر المقدوني، إلى جنكيز خان والمغول. وذلك قبل أن تهتم بها الدول العظمى في العصور الحديثة، أي بريطانيا، وروسيا، والولايات المتحدة الأميركية.

وأفغانستان كدولة قومية بالمعنى الذي نعرفه اليوم لم توجد إلا عام 1746 في ظل الإمبراطورية الدرّانية، ثم استعمرتها بريطانيا طيلة القرن التاسع عشر ولم تحصل على استقلالها إلا بعد الحرب العالمية الأولى عام 1919، وفي 19 أغسطس بالذات.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد تعرضت أفغانستان للاضطرابات السياسية على مدار التاريخ المعاصر، فمنذ عام 1900 خُلع أحد عشر قائداً بطريقة غير ديمقراطية: أي بواسطة العنف والدم. ففي عام 1919 قتل ملكها، وفي عام 1929 اضطر للتنازل عن العرش بالقوة، والملك الذي حل محله أُعدم في العام نفسه، وفي عام 1933 اغتيل ملكها، وفي عام 1973 خلع آخر ملك لها عن العرش (ظاهر شاه) وراح يعيش في المنفى في روما، وفي عام 1978 أعدم قائدها أو رئيسها لأنها كانت قد أصبحت جمهورية.

وهذا ما حصل أيضاً في العام 1979، حيث قتل زعيمها الأول والثاني خلال فترة قصيرة، والحبل على الجرار. وبالتالي فلم تعرف البلاد أي استقرار سياسي في الثلاثين سنة الماضية، وهذا ما زادها فقراً على فقر وتقهقراً على تقهقر. لم تعرف أفغانستان في تاريخها المعاصر فترة استقرار طويلة نسبياً إلا في عهد ملكها ظاهر شاه، فقد حكم البلاد لمدة أربعين سنة بين عامي 1933 ـ 1973، ولكنها كانت تعيش آنذاك في ظل نظام اقطاعي متخلف بل وينتمي إلى العصور الوسطى، فالملك لم يفعل شيئاً يذكر لتحديث البلاد أو لرفع مستوى الشعب وتعليمه.

ولذلك جاء الانقلاب عليه من قبل صهره الجنرال محمد داوود الذي خلعه عن العرش واضطره إلى النفي عام 1973، ولكن محمد داوود هذا قتل هو وكل عائلته عام 1978 عندما استولى الحزب الشيوعي على السلطة في كابول. ثم يخصص المؤلف فصلاً للتحدث عن أفغانستان في عصر الاستعمار الإنجليزي ويقول بما معناه: لقد تنافس الإنجليز والروس على احتلال أفغانستان لفترة طويلة لأنها كانت ضرورية لمصالحهما الاستراتيجية. ولكن بما أن إنجلترا كانت الإمبراطورية المهيمنة في القرن التاسع عشر وبما أنها كانت تمثل الهند المجاورة لأفغانستان فإن تأثيرها امتد لكي يشمل هذه الأخيرة أيضاً.

ولكن الشعب الأفغاني لم يكن راغباً في هذه الهيمنة التي فرضت عليه بالقوة. ولذلك فقد اندلعت الانتفاضة ضد الإنجليز في كابول عام (1841) وكانت بقيادة الوزير أكبر خان. وقد طالبت بانسحاب القوات البريطانية من البلاد. وفي عام 1842 كان الجيش البريطاني سائراً باتجاه منطقة بيشاور وقد اعترضته قوات المقاومة على الطريق وأحدثت مجازر فيه. ولم يخرج منه إلا شخص واحد حي لكي ينقل إلى القيادة البريطانية خبر المجزرة! وذهلت حكومة صاحبة الجلالة من قدرة الأفغان على الصمود والقتال وما كانت تتوقع أنهم قادرون على مواجهة جيش أوروبي حديث وإيقاع الأذى فيه بمثل هذا الشكل.

ثم انتقم الإنجليز منهم بقوة وحصلت بعدئذ معارك عديدة بين الطرفين واكتشف الإنجليز في نهاية المطاف أن الأفغان شعب أبي شديد المراس ولا يمكن استعماره بسهولة ولذلك غادروا تلك البلاد الوعرة التي تستعصي على الاحتلال الأجنبي فور انتهاء الحرب العالمية الأولى. وأما عن نمط الحياة الأفغانية فيقول المؤلف ما معناه: إن القاعدة الأساسية للحياة الأفغانية هي القرية صغيرة كانت أم متوسطة أم كبيرة ويوجد في البلاد ما لا يقل عن عشرين ألف قرية. والسلطة في القرية تكون عادة في أيدي المسنين: أي كبار القوم من حيث العمر والتجربة والحكمة ولكن هناك الملك: أي زعيم القرية الذي ينتخبه السكا�� لكي يكون ممثلهم لدى الحكومة.

وهناك أيضاً (الملا) أي رجل الدين الذي يقود الحياة الروحية للجماعة ويعلم أبناء الفلاحين مبادئ القراءة والكتابة في المدارس القرآنية ثم يردف المؤلف قائلاً: وسكان الأرياف في أفغانستان هم عادة تقليديون ومحافظون جداً. وهم ينتمون إلى قبائل عرقية مختلفة كما ذكرنا سابقاً وقد أصبحوا مسلمين في القرن السابع الميلادي بعدما وصلت الفتوحات العربية إلى بلاد فارس ومن هناك إلى بلاد الأفغان.

ولكن الإسلام لم ينتشر في كل المناطق دفعة واحدة، وإنما على دفعات متتالية وبالتدريج واستغرق ذلك سنوات طويلة بين القرنين السابع والثامن للميلاد، بل وحتى بعد ذلك. ثم تعرضت أفغانستان بعدئذ لغزو المغول بقيادة جنكيزخان وقد استباحها ودمرها إلى حد كبير كما فعل مع البلدان الأخرى التي وجدت على طريقه ثم أصبحت أفغانستان في القرنين السادس عشر والسابع عشر تحت هيمنة إمبراطوريتين كبيرتين: الأولى تقع شرق البلاد والثانية غربها:

أي إمبراطورية المغول في الهند، وإمبراطورية الصفويين في إيران. وكانت مدينة هيرات آنذاك تشكل جزءاً من الإمبراطورية الفارسية، هذا في حين أن كابول كانت واقعة تحت هيمنة المغول، هكذا نلاحظ أن التأثير الفارسي كان دائماً قوياً في أفغانستان والواقع أن الثقافة الأفغانية هي من أصل فارسي، تماماً كاللغة. فاللغتان الرسميتان للبلاد هما «الباشتو» ذات الأصل الهندي ـ الإيراني، ثم «الداري» ذات الأصل الفارسي المحض، بل إنها عبارة عن لهجة عامية فارسية.

وأما فيما يخص تطورات الأوضاع السياسية لأفغانستان في السنوات الأخيرة فيقول المؤلف ما معناه: لقد سيطر الطالبان على البلاد كلها ما عدا منطقة الشمال عام 1997 وأقاموا فيها حكماً متزمتاً جداً.

وقد أثاروا حفيظة العالم كله عام 2001 عندما دمروا تماثيل بوذا الرائعة الواقعة في باميان وهي تماثيل تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد وكانت اليونيسكو قد صنفتها في عداد الآثار المهمة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من ميراث البشرية وكنوزها وهذا العمل اللامسؤول جعل باكستان لأول مرة تغضب على حكومة الطالبان وتدينها، ومعلوم أنها كانت الداعم الأول لها.

الكتاب: أفغانستان.. تاريخ حديث

الناشر: آي.بي. توريس وشركاه لندن 2005

الصفحات: 336 صفحة من القطع الكبير

AFGHANISTAN: AMODERN HISTORY

Angelo Rasanayagam

I.B. Tauris and Company London 2005

P. 336

طباعة Email
تعليقات

تعليقات