تسعى الكاتبة والصحافية العمانية رفيعة الطالعي لتتبع النتاج الروائي في دول الخليج العربية وتحليل مكوناته، مستفيدةً من المنهج السيميائي في تحليل الخطاب الروائي والذي بتعبير ميشيل فوكو عبارة عن شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، نظراً لأن ما يحكم هذا الخطاب هو مجموعة من القوانين المؤثرة والفاعلة في بيئته الاجتماعية، فكيف إذا كان هذا الخطاب منتجة أنثوية تختلف في رؤيتها عن رؤية الرجل تبعاً للظرف الاجتماعي والثقافي الذي يفرض على المرأة وضعاً خاصاً.
وتعلّل المؤلفة سبب اختيارها للرواية النسوية دوناً عن غيرها من الروائيات العربيات بأن هذه الرواية لها خصوصيتها وأسئلتها من جهة، ولتشابه البيئات الاجتماعية والجغرافية ما بين بلدان الخليج، هذا بالإضافة إلى المتغيرات الكبيرة التي طاولتها بعد اكتشاف النفط وما فرضه من شروط وتحديات سياسية وثقافية في خطوطها العامة.
وتؤكد المؤلفة أن الأدب الروائي النسوي في دول الخليج حديث نسبياً، حيث ظهرت أول رواية نسائية عام 1971 للكاتبة الكويتية فاطمة يوسف العلي، ما يعني أن جيل الكاتبات هو جيل ينتمي إلى الحقبة الزمنية نفسها، وبالتالي يسهل كشف مواضع التباين أو التشابه ومعرفة التغيرات المختلفة.
ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول رئيسية وزعتها على النمو التالي: 1ـ تقنيات النسق السردي التقليدي والحداثي في الرواية النسوية الخليجية، تناولت من خلاله رواية «وجوه في الزحام» للكاتبة فاطمة يوسف العلي، وروايات الكاتبة القطرية دلال خليفة: «أسطورة الإنسان والبحيرة، وأشجار البراري البعيدة، ومن البحّار القديم إليك» بالإضافة إلى روايتي شقيقتها شعاع خليفة: «العبور إلى الحقيقة، وأحلام البحر القديمة» .
ثم تختار رواية «أشجار البراري البعيدة» كنموذج لروايات النسق التقليدي وتعمل على تقديم دراسة تطبيقية لها وذلك وفق التقنيات التالية: ( تقطيع النص، الاحتفال بالحكاية والأحداث، هيمنة صوت السارد وتدخل المؤلف، التتابع الزمني وتقنية التذكر، المباشرة والواقعية في تناول الحدث ).
لتستنتج أن الخطاب الروائي في النسق التقليدي كشف عن جملة من الهموم، استأثرت باهتمام الكاتبات وعبّرت عن رؤيتهن الاجتماعية والفكرية وذلك من مثل: تعليم المرأة، الزواج، العادات والتقاليد والزواج من أجنبيات هذا بالإضافة إلى قضايا الواقع السياسي والفساد الإداري. مما يؤكد أن هذا الخطاب يؤمن بالوظيفة الاجتماعية للأدب.
2 ـ النسق السردي الحداثي وما يشمله من تقنيات في الزمان والمكان وتتابع الأحداث، كتداخل الأزمنة وتوازي الأحداث والاسترجاع والاستباق والتداعي الحر وتوظيف الأسطورة وتعدد الأصوات السردية. وقد اختارت المؤلفة رواية «الحصاد» للكاتبة البحرينية فوزية رشيد التي صدرت في العام 1983.
و رواية «تحولات الفارس الغريب في البلاد العادية» عام 1990 ثم رواية «القلق السري» التي صدرت في عام 2000 للكاتبة ذاتها. كما تناولت روايات: «الشمس مذبوحة والليل محبوس، النواخذة، مزون وردة الصحراء» الصادرة مابين أعوام 1997ـ 2000 للكاتبة فوزية الشويش، بالإضافة إلى روايتي «الفردوس اليباب» للكاتبة السعودية ليلى الجهني الصادرة عام 1998 ورواية «خاتم» للكاتبة السعودية رجاء عالم التي صدرت عام 2001.
ولكنها مع الأسف لن تتناول رواية «حلم كزرقة البحر» للإماراتية أمنيات سالم، وقد صدرت عن دار الجمل في عام 2000 لأنها وعلى حد تعبيرها بأنه «ليس ثمة رواية نسوية واحدة صدرت في دولة الإمارات..» رغم أننا كنا كتبنا عنها دراسة تحليلية نشرت في الصحافة المحلية، مما يعني أن تقصّيها عن الرواية كان منقوصاً، وربما يطاول هذا النقص كاتبات سعوديات عديدات كان الناقد السعودي محمد العبّاس قدّمهنّ في دراسة قيّمة له لم نجدها من ضمن مراجعها.
وإلى ذلك ستتناول الكاتبة بالتحليل النقدي رواية «القلق السري» لفوزية رشيد كنموذج لهذا النسق من الروايات من حيث تداخل الأزمنة، وتوظيف الأسطوري والغرائبي والرمزي على غرار حكايات «ألف ليلة وليلة» التي تقوم على حكاية واحدة تتناسل منها حكايات صغيرة، لتنفتح بعد ذلك على كثير من المفارقات والمغامرات والرموز. ثم تتوقف مطولاً عند اللغة السردية بوصفها حدثاً، ثم أخيراً عند قضايا الخطاب الروائي لهذا النسق لتستنتج ما يأتي:
أن هذا النوع من الخطاب يهتم بتقديم نص مختلف عن النسق السردي على صعيد تقنيات السرد، واللغة السردية، وتعدد الأصوات. وأن القضايا التي تناولتها تتعلق بالمجتمع الإنساني والعربي بشكل عام، هذا بالإضافة إلى قضايا حرية الإنسان والمرأة، وإشكالية العلاقة بين الرجل والمرأة.
كما أن روايات هذا النسق طرحت أسئلة الهوية الجسدية والانتماء الجنسي وعلاقة ذلك بالمجتمع. في الفصل الثاني ستتناول الكاتبة «الشخصيات الروائية بين الثبات والنمو» وذلك من خلال روايات النسقين السابقين حيث رأت أن الرواية التقليدية تتعامل مع الشخصية على أنها كائن حي له وجود فيزيقي، ولذلك اهتمت بوصف الشخصيات من الخارج أكثر من رصد التحولات والصراعات الداخلية.
بينما الرواية الحداثية ستسعى للكشف عن علاقة الإنسان بعالمه المحيط عبر الشخصية الروائية التي تتعرض لجملة من التغيرات والتحولات بما ينسجم وتطور الأحداث، وبالتالي فإنها ستنظر إلى الشخصية بوصفها كائنا حيا يوحي بالقدرة على الفعل والتأثير والإقناع.
وكنموذج سوف تحلل شخصية عبدالله في رواية «وسمية تخرج من البحر» للكاتبة الكويتية ليلى العثمان كشخصية نامية تقوم بدفع الأحداث وتحريكها، ولكنها في الوقت نفسه شخصية غير مقنعة على حد تعبيرها لأنها تظهر تشبثا بالماضي غير قابل للتسويغ، كما أنها على المستوى النفسي لم تتغير.
أما شخصية «وسمية» فهي تتراوح بين الثبات والنمو، وقد لاحظت غياب صوتها الخاص وربما نجم هذا الغياب بسبب تحكم الكاتبة/المؤلفة فيها.
ومن جانب آخر ستحلل المؤلفة شخصية «صبا» في رواية «الفردوس اليباب» لليلى الجهني، وهي على حد تعبيرها تعكس شخصية المرأة المثقفة في المجتمع الخليجي، وهي بتعبيرها شخصية إشكالية بدأت تساؤلاتها حول الأشياء باكرا، هذا بالإضافة إلى ثقافتها في الأدب الإنجليزي وأثر ذلك على نفسيتها، مما دفع للعديد من الصراعات في داخلها،
فهي تريد أن تجرب الحياة وأن تحب بحرية و أخيرا اصطدامها بالواقع الاجتماعي المغاير لرغبتها، لتستنتج بالختام أن «صبا» ليلى الجهني شخصية إشكالية لها القدرة على الإقناع من حيث هي شخصية يمكن التعاطف معها، وهي مثال للشخصية التي تتكون عبر الحدث الروائي بعكس الشخصية النمطية.
في الفصل الثالث من الكتاب ستتعرض المؤلفة للغة السردية، لكونها العنصر الأكثر تعقيدا، والنسيج الحاوي لسائر العناصر الروائية الأخرى بما تقدمه من دلالات ورموز وظلال. وإلى ذلك ستدرس لغة الرواية النسائية من خلال منظورين، أولهما يرى أن الرواية كنص سردي مرتبط بدلالتي اللغة المعنوية والإيحائية، وثانيهما تحديد العناصر البنائية للغة الروائية لكل من روايات النسق التقليدي والحداثي، لتتناول من النسق الأول تقنيات الوصف والاستطراد والشرح والمباشرة والإيحاء والحوار وغير ذلك.
بينما في روايات النسق الحداثي ستحتفي اللغة بالتكثيف المجازي والشفافية والجمل القصيرة ذات الإيقاع السريع والتكرار، بينما الحوار سيعد من العناصر المهمة في بناء اللغة الروائية حيث يعمل على تحريك الأحداث وتطويرها.
أما الفصل الرابع، فقد تناولت المؤلفة الدلالات السردية بين الواقع والمتخيل من خلال نسقي الحداثة اللذين درست رواياتهما في الفصول السابقة، حيث رأت أنه في روايات النسق السردي التقليدي ستتمحور الدلالة من خلال الطبقية الاجتماعية والواقع الاجتماعي للمرأة والرجل ومن ثم رؤية الكاتبة وطريقة معالجتها، بينما في النسق الحداثي ستعمل على قراءة النص الروائي من خلال الطابع العام لموضوعه، ومحاولة تأويله بما يمكن أن يحمله النص
وخاصة ما يطرحه من قضايا ذات طابع إشكالي مثل الحب والجسد وارتباط ذلك بالمعرفة والعالم والإنسان، فتناولت بالدرس رواية «خاتم» لرجاء عالم، وروايات فوزية الشويش الثلاث، ومن ثم روايتي «الفردوس اليباب» لليلى الجهني، و«القلق السري» لفوزية رشيد، لتستنتج في الختام عددا كبيرا من الاستنتاجات والتي يمكن تلخيصها فيما يأتي :
1ـ أن الخطاب السردي في روايات النسق التقليدي عبر عن رؤيته للإنسان الخليجي رجلا كان أم امرأة تحت ظل السلطات الاجتماعية والدينية، وهي رؤية مباشرة وواقعية، تنقل عن الواقع وتعبر عنه.
2ـ تشكل حكايات الحب الفاشلة بسبب التمييز الطبقي موضوعا أساسيا لروايات النسق التقليدي، وقد تمت معالجتها بأسلوب واقعي يعلن في النهاية استسلام الطرفين للسلطة الاجتماعية وممثليها.
3ـ أظهر الخطاب الروائي في روايات النسق الحداثي الإنسان الخليجي بأنه أكثر وعيا وإدراكا لواقعه، وأقدر على مقاومة سلطانه في ظل هذا الوعي المتقدم.
4ـ تشابهت بعض الرؤى الحداثية مع التقليدية من حيث الاستسلام للواقع والإقرار بفشل المحاولة لتجاوز ثقافته المهيمنة.
5ـ عالج الخطاب الحداثي مشكلات الإنسان بواقعه وبالآخر بأسلوب يترك للخيال مساحة صياغة النص، وتكوين آراء ورؤى مختلفة تتعدد باختلاف القراء وثقافاتهم.
6ـ تبحث بعض نصوص النسق الحداثي في أسئلة الإنسان التي لا أجوبة لها وهي أسئلة الحياة والوجود كلغز يكسب العمل الفني ديمومته ونجاحه.
عزت عمر
الكتاب: الحب والجسد والحرية
في النص الروائي النسوي في الخليج
الناشر: مؤسسة الانتشار العربي بيروت 2005
الصفحات: 227 صفحة من القطع الكبير
