عمل جان لاكوتور، مؤلف هذا الكتاب، لعدة سنوات مراسلاً لصحيفة فرانس سوار الباريسية في القاهرة.. ثم صحافي تحقيقات لحساب جريدة لوموند وقام بالتدريس في معهد الدراسات السياسية بباريس وبجامعة فانسين. قدّم حوالي ثلاثين كتاباً في الدراسات وكتابة السيرة..

ومن بينها كتاب سابق عن الرئيس جمال عبدالناصر وآخر عن «مصر المتحرّكة» و«رحلة في نصف قرن» و«قرن من أجل لا شيء» بالاشتراك مع غسان تويني وجيرار خوري، وهذا كتاب عن الشرق الأوسط العربي من الامبراطورية العثمانية إلى الإمبراطورية الأميركية.. كما كتب سيرة حياة «ديغول» و«هوشي منه» و«اندريه مالرو» و«مونتسكيو».. الخ. «جمال عبدالناصر» هو كتاب تصدره دار نشر بايار، ضمن اطار سلسلة تحمل عنوان:

«كبار رجال الدولة» وكان جان لاكوتور قد أصدر عام 1971 كتاباً عن دار نشر سويل تحت عنوان «ناصر». يبدأ جان لاكوتور، كتابه الجديد بالاعتراف بأنه قد لا يستطيع تقديم «محصلة حقيقية» لعمل هذا الرجل الذي أمسك بزمام الامور بمصر خلال عشرين عاماً تقريباً والذي لا يزال له مكانة في الضمير العربي ويرى لاكوتور في الرئيس الراحل جمال عبدالناصر شخصية «البطل» أكثر من شخصية رجل الدولة. لماذا؟يقول المؤلف: «رجل الدولة ينظم.

أما البطل فإنه يبقى في فضاء آخر، انه فضاء الايحاء والمخيلة». وهذه مسيرة مخالفة لمن سبقوه اذ انه» انتقل من ثقافة القيم العقلانية إلى المستوى الانفعالي». وبهذا المعنى يكون «كافور» في شخصية عبدالناصر قد سبق «غاريبالدي» رمز البطولة «في ايطاليا». أي بتعبير آخر ان عبدالناصر قد انتقل من موقع المسؤولية إلى موقع «الزعيم» الذي يجذب الناس ويلهمهم وتحث كلماته على البطولة.

ويحدد المؤلف نقطة الانعطاف في عام 1955 الذي شهد تصلب الخط السياسي الناصري والشروع بالتسلح الكبير وهيجان اذاعة «صوت العرب» واظهار الحماس للطرح القومي العربي، ثم التأميم، لاحقاً، لشركة قناة السويس.

ويعود المؤلف طويلاً للحديث عن حالة مصر عام 1952، عندما قام الضباط الأحرار بانهاء النظام الملكي وطرد الملك فاروق.. لقد كانت مصر آنذاك، كما يصفها لاكوتور، بمثابة خليط في حالة تفسخ». وينقل عن اسماعيل صدقي باشا قوله لاحد الصحافيين في مطلع عام 1952: «ان مصر اليوم تمشي خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء.واذا سارت الأمور كلها على هذه الشاكلة فإن مصر يمكن ان تجد نفسها بعد قرن في حالة اليمن».

وكان الملك فاروق، كما يصفه المؤلف، قد أضاع كل سلطة سياسية وأخلاقية حيث كان إلى هذه الدرجة أو تلك ألعوبة بيد المستعمر البريطاني السابق. وفي تلك الحالة من الفوضى حلت مأساة حريق القاهرة في شهر ديسمبر من عام 1951 والذي بدا بمثابة كارثة منظمة اذ حامت الشكوك آنذاك بأن الملك كان يريد استعادة سلطة مطلقة..

كما جرى الحديث عن دور للأحزاب المتطرفة. بكل الأحوال أدّى ذلك الحريق إلى تهديم جزء كبير من وسط القاهرة وبعض الفنادق الكبيرة التي كان الأجانب يقيمون فيها عادة. وكان أفضل تعبير عن الحالة أثناء الحريق هو ما قاله رئيس أركان الجيش وجاء فيه كما ينقله المؤلف: «لا تفكروا بهذا، فإن الجيش قد ينضم لمثيري الشعب».

ويرى جان لاكوتور بأن وراء ذلك كله كانت هناك هزيمة الجيوش العربية أمام اسرائيل عام 1948، وعملية الاذلال العميق التي رافقت ذلك لا سيما وانها ترافقت مع اختلاسات وصفقات بيع سلاح تم الكشف عنها تدريجياً. بل وبالاعتماد على مذكرات الرئيس المصري الراحل أنور السادات يؤكد المؤلف أن اجتماعاً قد جرى منذ عام 1938 في قرية «منكاباد» على الحدود المصرية ـ السودانية ضمّ جمال عبدالناصر وزكريا محيي الدين وأنور السادات، أي «النواة الصلبة» لحركة الضباط الأحرار.

وقد انطلقت شرارة 23 يوليو 1952 بعد ستة أشهر من حريق القاهرة، وكان أنور السادات هو الذي ألقى عبر الإذاعة البيان الذي أعلن فيه للشعب المصري أن مجموعة من العسكريين الوطنيين قد أقصوا الملك عن الحكم.

وكان القرار الوحيد الذي تم اتخاذه في تلك الليلة هو دعوة اللواء محمد نجيب لتولي المسؤولية العليا رغم أنه لم يكن يعرف مفاتيح السياسة والعلاقات الدولية. وكان عبدالناصر «البكباشي» يبلغ آنذاك 33 سنة من العمر، ويصفه المؤلف بأنه كان يتسم آنذاك بنزعة قومية مناضلة ولكنه لم يكن شديد التصميم، إذ تردد بعض الوقت على الإخوان المسلمين ثم على أصحاب القمصان الخضراء (الفاشيين) وبعد ذلك على الجناح اليساري من حزب الوفد، لكن كانت له أيضاً بعض علاقاته الماركسية.

«قد كان إذن بصدد البحث عن هوية وعن بنية يمكنهما أن تسمحا له بالقيام بالنضال الوطني حتى نهايته»، كما يعبر جان لاكوتور، وكانت مصر قد أصبحت جمهورية في شهر يونيو من عام 1953.

ويرى جان لاكوتور أن جمال عبدالناصر قد حدّد لنفسه أولويات عدة، الأولى هي جلاء البريطانيين، والثانية هي تنقية الحياة العامة، والثالثة هي الإصلاح الزراعي.. أما الأولوية الرابعة والأخيرة فقد كانت من موقع المتراجع قليلاً بناء السد العالي على نهر النيل.

وماذا عن إسرائيل؟

يقول جان لاكوتور: «لم أتلفظ حتى الآن بكلمة إسرائيل. لماذا؟ ذلك أنه في تلك الحقبة وأثناء المؤتمرات الصحافية الأولى التي حضرتها وعقدها أنور السادات أو صلاح سالم، لم يكن يتلفظ بها أحد. وخلال المؤتمر الأخير الذي حضره عبدالناصر لحظة قبل أن ينسحب، لم يتم ذكر إسرائيل، فطرح أحد الصحافيين السؤال، وأجاب الضباط بأن ذلك لا يشكِّل جزءاً من جدول الأعمال».

ويضيف لاكوتور أن أحدهم سأل صلاح سالم: «هل تريدون شراء أسلحة؟» وكانت الإجابة حازمة: «إننا نفضِّل شراء الجرارات»، وبكل الأحوال لم يتم شراء الأسلحة إلا في مرحلة لاحقة.

إن المؤلف يحاول تعريف طبيعة النظام الذي كان قائماً في مصر آنذاك حيث يؤكد أن جمال عبدالناصر كان هو الرجل القوي الفعلي آنذاك، لكنه حرص في الفترة الأولى على أن يبقى «في ظل رفاقه» ولكن أيضاً في ظل اللواء محمد نجيب، لكن هذا لم يمنع واقع أن الجميع كانوا يعرفون بأنه هو الرجل القوي الذي ينبغي أن يسعى لمقابلته كل من يريد أن يفهم حقيقة ما كان يجري خاصة اعتباراً من شهر يونيو عام 1953، حيث ألقى عبدالناصر خطابه الكبير الأول أمام سكان القاهرة كي يعلن قيام الجمهورية.

وفي شهر ديسمبر من نفس تلك السنة قابله مؤلف هذا الكتاب برفقة زوجته للمرة الأولى. وكان الانطباع الذي خرج منه هو أن عبدالناصر يحرص على إلقاء الأسئلة مع القليل من الإجابات.

وينقل جان لاكوتور عن ادلاي ستيفنسون الذي زار آنذاك جمال عبدالناصر باعتباره المرشح الديمقراطي القادم لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية قوله عنه «البكباشي» رجل مصر القوي : «هذا رجل واعد. إنه يطرح الأسئلة بدلاً من تقديم الإجابات». لقد كان عبدالناصر يعطي الانطباع بأنه شخصية متحفظة جداً وبصدد التكوين والتطور.

وكانت مقابلة المؤلف الثانية مع «الريّس» في شهر ابريل من عام 1954، حيث كانت المواجهة بين اللواء نجيب والبكباشي جمال عبدالناصر قد وصلت إلى ذروتها. كان اللواء يقول لعبدالناصر بأنه ربما كان قد حان الوقت كي يعيد الضباط السلطة للمدنيين من رجال السياسة..

ذلك أنه بعد القيام بعملية تصفية الخصوم سياسياً والإمساك بزمام الأمور في المفاوضات مع الانجليز ينبغي للجيش أن يعود إلى ثكناته خشية أن يتغلغل الفساد فيه.. لكن عبدالناصر كان يرى بأن الوقت لا يزال مبكراً من أجل «دعوة السياسيين» للعودة إلى الحكم. ويرى مؤلف هذا الكتاب بأن مشاركة جمال عبدالناصر في مؤتمر باندونغ في شهر ابريل من عام 1956 كانت ذات أهمية كبيرة بالنسبة له، إذ وجد نفسه إلى جانب شخصيات كبيرة من أمثال جواهر لال نهرو وشو ان لاى الذين كانا من رموز العالم الثالث.

لم يكن عبدالناصر آنذاك سوى رئيس للوزراء في مصر.. لكنه حظي باستقبال كـ «بطل» عربي، بل إفريقي، أيضاً وقد تلقى عبدالناصر برقيات التأييد من مختلف المنظمات والقوى السياسية في العالم الثالث.. وكانت واحدة منها من الشيوعيين المصريين الذين كانوا في السجن بعد ملاحقات طويلة لهم، مع ذلك حيّت قياداتهم السجينة «بطولته» والدور «التاريخي» الذي يقوم به.

ويحدد جان لاكوتور عاملين آخرين ساعدا في صقل شخصية عبدالناصر.. العامل الأول هو صعود الأخطار وإمكانيات المواجهة مع إسرائيل. لقد حاول زيادة تسليح جيشه. لكن الغرب رفض مساعدته بناء على طلب إسرائيل، فما كان منه سوى أن توجه نحو الشرق وحصل على الأسلحة التشيكية «الشهيرة» والتي كانت في حقيقة الأمر أسلحة روسية مرّت عبر تشيكوسلوفاكيا، وكان من هذا الاستعدادات الظاهرة لإمكانية مواجهة مع إسرائيل ان زادت من التفاف الجماهير العربية باعتباره بطلاً شعبياً.

العامل الثاني كان سد أسوان.. وكان النظام المصري قد توجه أولاً نحو الغرب، وخاصة نحو مصرفيين فرنسيين. ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى أنه رأى مجموعة من رجال المال الفرنسيين يؤمون القاهرة من أجل محاولة الانطلاق في المغامرة إذا كان الاستثمار واعداً على الصعيد الاقتصادي.

لكن قامت صعوبات مع الأميركيين إذ لم تكن مجموعة الضغط التي تمثل زارعي القطن موافقة على تطوير زراعته في مصر التي كانت تنتج أفضل أنواعه في العالم، وبالتالي يمكن أن تكون منافساً جدياً للقطن الأميركي.

ويشير المؤلف إلى أنه يوم 10 يوليو 1956، وعندما كان يبحث في إيران عن وثائق وقع على برقية صادرة عن وكالة الأنباء الفرنسية تخص تصريحاً لجون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، يؤكد فيه بأنه ينبغي على رؤوس الأموال الغربية أن لا تتوجه نحو مصر بسبب وضعها الاقتصادي المأساوي.

كما يؤكد بأن لهجة ذلك التصريح كانت سيئة جداً بالنسبة للمصريين. وبعد أن أعلن عبدالناصر تأميم قناة السويس.. قامت حرب السويس التي يرى المؤلف بأن الأميركيين هم الذين أثاروا الأزمة الدولية التي أدّت إليها، عبر تصريح دالاس، فإنهم هم أنفسهم الذين وضعوا حداً لها عبر فرضهم بواسطة التهديد انسحاباً مذلاً على الفرنسيين والإنجليز.

وقامت حرب الأيام الستة اثر إغلاق مضائق تيران.. وحيث يؤكد المؤلف بأن عبدالناصر لم يعرف بتدمير طيرانه إلا بعد ست ساعات من معرفة عدوه في تل أبيب. لقد أعلن عبدالناصر استقالته من منصبه وبأنه مسؤول عن الهزيمة.. لكن الشارع المصري أعاده عن قراره.. وإلى الرئاسة.. وفي عام 1970.. توفي جمال عبدالناصر.

الكتاب: جمال عبدالناصر

الناشر: بايار ـ باريس 2005

الصفحات: 63 صفحة من القطع الصغير

Gamal Abdel Nasser

Jaen lacouture

Bayard - Paris 2005

P.63