لماذا يقتتلون

لماذا يقتتلون

رونو جيرار، مؤلف هذا الكتاب، هو خريج مدرسة المعلمين العليا، التي مر بها قسم كبير من مفكري فرنسا وعلى رأسهم جان بول سارتر وريمون آرون، وهو أيضا خريج مدرسة الإدارة العليا «مصنع» رجال السياسة في فرنسا بمن فيهم رئيس الجمهورية الحالي جاك شيراك. يعمل منذ عام 1984 كأحد كبار صحفيي التحقيقات بمجلة الفيغارو، وذلك كمراسل حربي حيث قام بتغطية جميع حروب العالم تقريبا خلال ربع القرن الأخير.

حصل عام 1999 على جائزة «موم» المعادلة لجائزة «بوليتزر» الأميركية. ويعمل منذ عام 2001 أستاذا للمسائل الإستراتيجية في كلية العلوم السياسية بباريس. يشكل الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية المنطقة التي شهدت أكثر الحروب في العالم. فلماذا يقتتلون إذن في هذا المجال الجغرافي الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي؟

إن مؤلف هذا الكتاب يحاول الإجابة عن هذا السؤال بالاعتماد على قراءته للأحداث التاريخية التي عاشها أو عايشها عن قرب من بيروت إلى بغداد ومن فلسطين إلى جلال أباد، وذلك من موقعه كمراسل حربي، حيث التقى بالمئات من البشر، مسؤولين وناس عاديين، ومن الأكثر شهرة حتى المغمورين، ومن الأكثر قوة حتى الأكثر تواضعا، ومن الصقور كما من الحمائم، المتزمتين والعلمانيين، «المقاومين» للاحتلال والمحتلين. إن التاريخ الذي يكتبه هو في الواقع محصلة ما سمعه وما رآه.

ينطلق المؤلف في حديثه عن الشرق الأوسط من تلك الزيارة التي قام بها للبنان عام 1965. كان عمره آنذاك عشر سنوات، وكانت البلاد «فردوسا»، ويومها وبينما كان يتنزه مع والده في منطقة جنوب بيروت لاحظ وجود جدار تعلوه أسلاك شائكة. فسأل والده: ما هذا السجن؟

ـ هذا ليس سجناً إنه مخيم منذ عشر سنوات. إنهم مرغمون على العيش في هذه المخيمات وليس لهم حق العمل في لبنان.

ثم مرت الأيام والسنوات ليجد رونو جيرار نفسه مراسلاً لصحيفته الباريسية في فلسطين، حيث رأى المسألة من منظور آخر. فإذا كانت الصهيونية تجد «شرعية» في بحث اليهود الأوروبيين الذين عانوا من الاضطهاد عن دولة لهم فإن المقاومة العربية لهذه الصهيونية تقوم على «شرعية» بأنه ليس مطلوبا من العرب أن يدفعوا ثمن الآلام التي عانى منها اليهود في أوروبا.

وتحت عنوان: «الفلسطينيون ضحايا التاريخ»، يؤكد المؤلف من خلال معايناته وزياراته بأن «غزة هي أكبر غيتو في العالم». هذا ولم تكن غزة قبل عام 1948 سوى «واحة بائسة» وسط منطقة صحراوية. لكن فجأة تدفق عليها خلال 1948 ـ 1949 حوالي مائتي ألف شخص من العرب الفلسطينيين المطرودين من بلادهم بعد انتصار الدولة العبرية الجديدة. وبعد حرب 1967 احتلت إسرائيل القطاع.

ثم نصت اتفاقيات أوسلو 1993 على أن يكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة في القطاع وقسم من الضفة الغربية. وفي الأول من يوليو 1994 وصل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى غزة يوم الأول من شهر يوليو 1994 حيث حظي باستقبال جماهيري كبير، لكن مع بقاء 35 بالمائة من قطاع غزة تحت سيطرة المستوطنين الإسرائيليين الذين جلوا عنه في النصف الثاني من شهر أغسطس 2005.

إن المؤلف يتوقف طويلا ليشرح الحالة الاقتصادية والمعاشية الصعبة التي عاشها، ويعيشها، الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث يشير إلى أن دخل الفرد الإسرائيلي في السنة هو 18000 دولار أميركي بينما لا يتجاوز متوسط دخل الفرد الفلسطيني سنويا 800 دولار، بحيث أن تأمين الحد الأدنى من سبل العيش أصبح الشغل الشاغل للأسر الفلسطينية.

ثم إن أغلبية هذه الأسر لا تجد سبيلا لذلك إلا بإحدى وسيلتين، فإما تصلها تحويلات من الخارج من أحد أفرادها أو يكون القادرون على العمل فيها مرغمين على العمل في إسرائيل. وينقل المؤلف في هذا السياق عن طالبة إسرائيلية، كانت صديقة مجندة لها قد لاقت حتفها في أحد التفجيرات قولها والدموع في عينيها: «كلا، إنني شخصيا لست حاقدة على الفلسطيني الذي قتل صديقتي. إن فعله يدل على يأس مفرط. والوضع أصبح لا يطاق في غزة بالنسبة للفلسطينيين وعلى حكومتنا أن تضع حدا لهذا بشكل ملح».

وبعد أن يصف المؤلف معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي من خلال بعض الأمثلة كـ «قبية، القرية الشهيدة» و«قلقيلية، القرية الممنوعة»، يشير إلى أنه باستطاعة غزة أن تصبح نموذجا إدارياً عربياً جيداً. ذلك أنها أحد أفضل المناطق تعليما في العالم العربي. وأغلبية سكانها يتحدثون، إلى هذا الحد أو ذاك، اللغة العبرية، ويعرفون جيداً الواقع الإسرائيلي. وهكذا قد يمكنهم، إذا حل السلام «أن يخدموا كوسطاء بين الأسواق الإسرائيلية والأسواق العربية».

لكن «إسرائيل مجتمع يعتريه الشك»، كما جاء في أحد عناوين هذا الكتاب، ذلك أنه مجتمع مأخوذ بالشاغل الأمني، لاسيما بعد نهاية ذهنية أوسلو التي لم تعد موجودة في إسرائيل إلا في «حالة هامشية»، كما شخّص المؤلف الوضع منذ بداية عام 2002، وذلك بعد أن كان آرييل شارون قد فاز في الانتخابات التشريعية لعام 2001 على ايهود باراك، وحيث كان الإسرائيليون يتساءلون في الشارع، كما ينقل المؤلف: «أين الرهان الحقيقي لهذه الانتخابات؟ فبين باراك، الكلب المجنون، وشارون، الكلب المسعور، يبقى الخيار ضئيلا». ومع هذا يبقى حلم التوسع الإسرائيلي الحدودي مستحيلا، كما يؤكد رونو جيرار.

لكن، ماذا تفعل أميركا؟

هذا السؤال هو عنوان فصل صغير آخر في هذا الكتاب وحيث يؤكد المؤلف منذ البداية بأن الولايات المتحدة تبقى أحد المفاتيح الأساسية في الشرق الأوسط. وهذا ما أكدته وقائع كثيرة ليس أقلها أهمية تلك المصافحة التاريخية في حديقة البيت الأبيض يوم 13 سبتمبر 1993 بين الرئيس ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين. ثم كانت واشنطن هي التي حضّرت ورعت اتفاق طابا في شهر يناير 2001.

ويتحدث المؤلف في هذا السياق عما يسميه ب«الأولويات الإستراتيجية المنحرفة لإدارة بوش»، وذلك على خلفية الإيديولوجية المحافظة الجديدة التي ترى بأن لأميركا «البلاد المختارة» مهمة إصلاح العالم عبر فرضها عليها ولو بالقوة مبادئ الديمقراطية على الطريقة الأميركية.

ومثل هذه الإيديولوجية لم يكن منها سوى أن غذت طموحات جورج دبليو بوش، وصقور واشنطن، الأمر الذي يستشهد عليه المؤلف بمقابلة كان قد أجراها مع ريتشارد بيرل الذي يعتبره بمثابة «أب مبدأ جورج دبليو بوش» أو «أمير الظلمات». وكان بيرل قد استقبل المؤلف وهو في طريقه إلى تركيا لإقناع حكومتها بقبول مرور القوات الأميركية فيها باتجاه العراق،

وحيث يؤكد: «أعتقد بأن العراقيين سوف يستقبلوننا بالملايين وسيعبرون لنا عن اعترافهم بالجميل»، ثم يضيف في موقع آخر: «من الخطأ تماما القول بأننا إمبرياليون بحجة أن مطاعم ماكدونالد موجودة في جميع أنحاء العالم».

ويصف المؤلف الحرب العراقية بأنها «حرب مقررة مسبقا» مؤكدا بأن العراقيين كانوا قد طبقوا حرفيا حتى عام 2002 القرار رقم 1441. وقام المفتشون الدوليون بعملهم وزياراتهم للمواقع بما في ذلك «القصور الرئاسية». لكن الحرب كانت مقررة، وقبل أن تقوم على الأرض «بدأت معركة الرأي العام».

كما يشير إلى وجود بعض أولئك الذين أرادوا منع قيام الحرب ويذكر منهم «هانس بليكس» رئيس فريق مفتشي الأمم المتحدة لفترة من الزمن. لكن رغم جميع أصحاب النوايا الحسنة فقد كان واضحاً بأن «جحيم الحرب» قادم في العراق. ويؤكد المؤلف بأنه رأى آنذاك بأن عملية عسكرية أميركية ستعيق كثيرا تحقيق هدفين رئيسيين لدى الغرب هما تقليص النزعات الإرهابية وإيجاد حلول للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. يقول: «إن الأميركيين رغم النوايا الممتازة، قد اقترفوا حسب رأيي خطأ فادحا في طريقة العمل».

وماذا عن العراق الجديد؟

«العراق الجديد هو بلد انكفأ على هوياته الدينية»، هذا هو العنوان الكبير الذي يعطيه المؤلف لعراق ما بعد الحرب الأخيرة، وذلك بوجود «مجتمع مبعثر». وهذا ما يجد الدليل عليه في انتخابات شهر يناير 2005 التي أظهرت بشكل واضح «تعاظم النزعات الفئوية». أما السمة الأخرى التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب بالنسبة ل«العراق الجديد» فإنها تتمثل في «الدائرة الأمنية المفرغة».

ويرى بأنه لا بد من مرور سنوات طويلة لتقدير النتائج الحقيقية للحرب الأميركية الأخيرة في العراق. لكن يمكن مع هذا استخلاص بعض الدروس.

فأولا إذا كان ما أعلنته الإدارة الأميركية عن سعيها لمنع الانتشار النووي من قبل «محور الشر» المتمثل في العراق وإيران وكوريا الشمالية مقبولا بحد ذاته فإن انكشاف زيفه بالنسبة للحالة العراقية قد قلص كثيراً من هامش مناورة واشنطن للتصدي للتهديد الإيراني والكوري الشمالي فيما يخص الملف النووي.

وثانيا بدا بوضوح بأن إيجاد ديمقراطية يشكل مسألة أكثر دقة وتعقيدا من مجرد تكتيك عسكري. وثالثا برزت صعوبات إمكانية إدارة دولة جديدة في أفغانستان حيث يبقى الانتماء القبلي هو «مفتاح السياسة في هذه البلاد». وإذا كانت الإمبراطورية النمساوية قد فشلت في القرن التاسع عشر بإخضاع أفغانستان، ونفس الفشل لاقاه بعدها الإنكليز فإن الأمور قد لا تكون أسهل اليوم بالمقارنة مع مناطق أخرى مثل البلقان،

حيث نجحت الأمم المتحدة إلى حد كبير. ذلك أن البلدان البلقانية «ليست سوى واحات غربية وادعة بالقياس إلى وديان وجبال وهضاب أفغانستان». كما أن مؤلف هذا الكتاب يميل إلى الاعتقاد بناء على مقابلات سابقة كان قد أجراها بأن أسامة بن لادن لا يزال موجوداً في أفغانستان.

وتحت عنوان «باكستان في اللعبة الكبرى» يشير المؤلف إلى أن الجنرال مشرف هو حليف كبير لواشنطن في المنطقة، لاسيما وأنه قرر على خطى كمال أتاتورك أن يضع حدا لتنامي الحركات الإسلامية المتطرفة في بلاده. ولكن حكومته ورغم الإحاطة الشديدة التي تمارسها على الباكستانيين لا تستطيع أن تحقق سوى نجاحات جزئية على هذا الصعيد.

وهكذا دخلت باكستان في «اللعبة الكبرى» الدولية والتي يمثل الطموح الأميركي في السيطرة على الاقتصاد الدولي بواسطة السيطرة على البترول أحد محاورها الرئيسية. «لكنها لعبة معقدة جدا، وما علينا سوى أن ننتظر كي نرى ما ستنتهي إليه»، كما يقول المؤلف.

في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يقدم المؤلف رؤيته للعلاقات السورية ـ اللبنانية لاسيما من موقع الصعود القوي للحركات الإسلامية، وخاصة حزب الله في جنوب لبنان «في ظل إيران الخمينية» والذي يبقى، حسب التحليلات المقدمة، بمثابة «ورقة رابحة أساسية بالنسبة لسوريا في المجال السياسي اللبناني».

وينتهي إلى القول: إن الأحداث الأخيرة التي شهدها لبنان قد أدت إلى الخروج السوري من لبنان، لكن الشبيبة اللبنانية يعتريها الإحساس بأن «ثورتها المخملية» لم يتولد عنها سوى رحيل الجيش السوري عن لبنان، ولكن دون خلخلة حقيقية للممارسات ذات الطبيعة الإقطاعية السائدة في الحياة السياسية اللبنانية.

وفي المحصلة النهائية، يؤكد المؤلف على نهاية العنف الإيديولوجي في أوروبا. لكن التحدي الكبير الذي تواجهه في القرن الحادي والعشرين إنما هو في قهر الفوضى المهددة.

الكتاب : لماذا يقتتلون رحلات عبر حروب الشرق الأوسط

الناشر: فلاماريون ـ باريس 2005

الصفحات : 272 صفحة قطع متوسط

Pour quoi ils se battent

Voyages à travers les guerres du

Moyen-Orient

Renaud Girar

Flammarion - paris 2005

p.272

طباعة Email
تعليقات

تعليقات