مؤلف هذا الكتاب أشهر من نار على علم: إنه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. وكان قد ولد عام 1924 ولا يزال حيا وناشطا حتى الآن. وهو الرئيس التاسع والثلاثون للولايات المتحدة الأميركية. وقد حققت رئاسته (1977- 1981) عدة نجاحات في مجال السياسة الخارجية: كالتوقيع على معاهدة قناة بنما، أو بالأخص التوقيع على اتفاقيات كامب دافيد بين السادات وبيغن . كما وتم في عهده فتح العلاقات الدبلوماسية بين أميركا والصين الشعبية.

وأما على المستوى الداخلي فقد حققت حكومته عدة إنجازات كتأسيس وزارة الطاقة، ووزارة التربية، وكتقوية التشريعات التي تحمي البيئة من التلوث، الخ. وعلى الرغم من كل ذلك فإن الأميركان اعتبروا رئاسته فاشلة وضعيفة. ولذلك اختاروا مكانه شخصا قويا ومتعصبا هو: رونالد ريغان. ولكن الكثيرين يأسفون عليه الآن بعد أن بالغت أميركا في استخدام القوة والجبروت العسكري ضد الآخرين. ومعلوم أن جورج دبليو بوش ليس إلا امتدادا لرونالد ريغان: أي الرئيس المضاد لجيمي كارتر.

ولهذا السبب فإن الرئيس الأميركي الأسبق يشن حملة شعواء في كتابه الأخير على إدارة بوش. بل ويعتبر سياستها بمثابة التهديد للقيم الحقيقية الأميركية. ويتحدث كارتر في هذا الكتاب عن موضوعات هامة تخص الجميع كموضوع الحرب على العراق، وإهمال البيئة بل وتعريضها للخطر في عهد بوش بسبب رفضه للتوقيع على اتفاقيات كيوتو التي وقع عليها كل رؤساء الغرب. كما يركز الرئيس الأميركي الأسبق على موضوع العولمة التي أدت إلى زيادة الشقّة أو الهوّة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة.

وهناك موضوع آخر يدهشنا وما كنا نعتقد أنه سيتعرض له ألا وهو ضرورة الفصل بين الكنيسة والدولة أو بين الدين والسياسة في أميركا. ومعلوم أن الدستور الأميركي ينص على هذا الفصل صراحة. ولكن الإدارة الأميركية الحالية تحاول تجاوز ذلك أو إهماله بسبب أصولية بعض أطرافها أو حتى تعصبهم الديني كوزير العدل السابق مثلا.

ومعلوم أن جيمي كارتر مسيحي مؤمن وينتمي إلى المذهب البروتستانتي المعمداني كبوش ولكنه يرفض الخلط بين الدين والسياسة. فهو يفهم الدين على أساس أنه قيم عليا وتسامح ومحبة وغفران. ولا ينبغي إطلاقا أن تستخدمه السياسة من أجل البغي والعدوان. فهذا مناقض لجوهر الدين ومثله العليا الروحانية السامية.

ويرى الرئيس الأميركي الأسبق أن التيار الأصولي الذي ابتدأ منذ عهد ريغان وانتعش بعد 11 سبتمبر أصبح خطرا على أميركا. وفي رأيه أن المؤتمر المعمداني الجنوبي للكنائس البروتستانتية والذي كان قد انعقد عام 2000 غيّر التوجه العام للمسيحية المتسامحة والمتصالحة مع العصر وقيم الحرية والديمقراطية.

ثم يردف كارتر قائلا:

فهذا المؤتمر أدى إلى تأسيس كنيسة مخالفة لما كنا نعهده في أميركا على مدار العصور. إنها كنيسة أصولية تريد التدخل في الشؤون السياسية، الداخلية منها كما الخارجية. كما أخضعت نصف أعضائها - أي النساء- لإرادة الرجال. وهذا مضاد للقيم الأميركية والمبادئ المسيحية في رأيه. فالمرأة إنسان مثلها في ذلك مثل الرجل. وينبغي أن نحترم كرامتها ونتعامل معها كإنسان عاقل ومسؤول وليس كذيل أو كتابع للرجل كما تفعل المجتمعات التقليدية المتخلفة.

وبالتالي فهنا حققت أميركا، انتكاسة إلى الوراء لا تقدما إلى الأمام. وهذا لا يليق ببلد يعتبر نفسه طليعة البشرية وقائدها نحو الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان! إذ كيف يمكن أن يعيب على الآخرين احتقارهم للمرأة وحقوقها ويمارس هو نفسه هذا الاحتقار؟ وكيف يلومهم على تعصبهم الأصولي إذا كان هو أصوليا متعصبا؟

يضاف إلى ذلك أن كارتر يحتج على احتكار الأصوليين الأميركان لتفسير الكتابات المقدسة: أي الإنجيل على وجه الخصوص. ففي رأيه انهم يفهمونها خطأ، وبشكل حرفي، ظاهري، سطحي. هذا في حين أن هناك تفسيرا أعمق وأجل شأنا. وهو التفسير الذي يوصلنا إلى حقيقة الدين أو جوهره. أما التفسير الأصولي فيتعلق بالقشور الفارغة، الجافة، المتحنطة فقط.

ويرى كارتر أن عقوبة الإعدام لم تعد تليق بأميركا. نقول ذلك وبخاصة بعد أن تخلت عنها جميع الدول المتحضرة كفرنسا، وألمانيا، وانجلترا، الخ. إنها عقوبة همجية، بربرية، تعود إلى العصور الغابرة والقرون الوسطى ولا تليق بروح العصور الحديثة، عصور حقوق الإنسان والمواطن.

وبالتالي فيمكننا أن نحكم على المجرم بالسجن المؤبد أو الطويل الأمد بدلا من أن نعدمه على الكرسي الكهربائي أو بأية طريقة أخرى.

ثم يردف الرئيس الأميركي الأسبق قائلا: إن العقلية الأصولية تتميز بالتشدد، وحب الهيمنة على الآخرين، ونبذ كل من يختلف معها في الرأي. فالأصولي لا يناقشك وإنما يفرض رأيه عليك فرضا. وهنا يكمن وجه الخطر والخطورة.

يضاف إلى ذلك أن الأصولي شخص معقد أو مهووس نفسيا، وهو يعتبر نفسه وكأنه يمتلك الحقيقة المطلقة. ولذلك فيحق له قتلك إذا لم تتبع رأيه. وبالتالي فكل من يختلف معه في الرأي كافر أو خائن للقضية الوطنية أو فاسد ينبغي استئصاله. وبالتالي فإن على أميركا أن تحذر هؤلاء الأصوليين المتزمتين وأن توقفهم عند حدهم إذا ما أرادت أن تبقى وفية لقيمها الأساسية التي بنيت عليها بعد الثورة والدستور (1776).

ويرى جيمي كارتر أن الأصوليين يحاولون التأثير على البيت الأبيض وسياسته حاليا وإن كان الرئيس بوش يتجاهل نصائحهم في أحيان كثيرة لأن الرجل ليس غبيا إلى الحد الذي يصورونه. فهو، ككل الأميركان، يتبع فلسفة البراغماتية أو الذرائعية في السياسة وينسى عقائده الدينية عندما يتخذ قراراته الكبرى.

ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن الأصوليين مقربون من دوائر صنع القرار في أميركا، وأن نفوذهم ازداد كثيرا بالقياس إلى عهد كارتر أو كلينتون مثلا. وهنا يكمن الفرق بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. فكارتر وكلينتون ديمقراطيان في حين أن ريغان وبوش جمهوريان. وبالتالي فليس صحيحا أن الحزبين وجهان لعملة واحدة كما يقال ويشاع.

فالحزب الديمقراطي كان دائما أقرب إلى القيم الليبرالية والتحررية في أميركا. ولكن يبدو أن الرأي العام الأميركي يميل في السنوات الأخيرة إلى الجمهوريين والاتجاه اليميني المتشدد. والواقع أن هذا الميل يعود إلى عهد ريغان الذي انتصر على كارتر عام 1981 لأنه ركز على قيم القوة والضرب العسكري تماما مثل بوش الآن. وكارتر يعرف ذلك جيدا. ولهذا السبب اتهموه بأنه رئيس ضعيف الشخصية وراحوا يمجدون ريغان الذي تحدى أعداء أميركا على المكشوف. ومعلوم أن الجماهير الشعبية تميل دائما إلى القائد «الديماجوجي الفهلوي».

ولكن كارتر المؤمن بالقيم الإنسانية والحضارية والإنجيلية يعتقد أن قوة أميركا آتية من المبادئ والمثل العليا أكثر مما هي ناتجة عن القوة المسلحة. وهنا نجد أنفسنا أمام تصورين مختلفين لقدر أميركا ومسؤوليتها ودورها في العالم. فهناك التصور القائم على العنف واستخدام القوة المسلحة وتهديد الآخرين من أجل إخضاعهم لمشيئة القوة العظمى. وهناك التصور القائم على التقدم العلمي والأخلاقي للمجتمع الأميركي المليء بالجامعات، ومراكز البحوث، والمناقشات الديمقراطية، والانفتاح على الآخر، واحترام حقوق الإنسان وخصوصيات الشعوب.

فأميركا لم تكن عدوانية على طول الخط، وإنما كانت مسالمة أيضا في بعض الفترات وذات نزعة إنسانية. يكفي أن نتذكر بهذا الصدد ما فعله الرئيس ويلسون بمبادئه الأربعة عشر الداعية إلى استقلال الشعوب وحقها في تقرير مصيرها. وكان ذلك موجها ضد القوى الاستعمارية لتلك الفترة أي انجلترا وفرنسا أساسا.

والواقع أن كتاب كارتر الأخير ليس إلا مرافعة اتهامية وانتقادية ضد كل ما حصل في أميركا على مدار السنوات الخمس الماضية من حكم بوش. فهو يرى أن الرئيس الحالي لأميركا استغل ضربة 11 سبتمبر إلى أقصى الحدود على كلا الصعيدين الداخلي والخارجي. فعلى الصعيد الداخلي راح يقلّص الحريات عن طريق سنّه للقانون الوطني الذي يتيح للمخابرات أن تراقب الناس أكثر فأكثر وتتنصّت عليهم عن طريق الهاتف.

كما ويتيح تغلّب التيار المحافظ والمتزمت على التيار التحديثي والليبرالي. نعم لقد عرف بوش كيف يستغل هلع الشعب الأميركي وخوفه من الإرهاب إلى أبعد حد ممكن. يضاف إلى ذلك أن سياسته الداخلية تخدم مصالح شركات البترول والطبقات الغنية في المجتمع الأميركي وتهمل الطبقات الشعبية الفقيرة.

وعلى الصعيد الخارجي مارس نفس الشيء وأدى إلى تشويه سمعة أميركا في مناطق عديدة من العالم. فكره أميركا في العالم العربي أو الإسلامي مثلا بلغ حدا لا يوصف في عهده الميمون! وينتقد كارتر بشدة تعيين جون بولتون كسفير لأميركا في الأمم المتحدة أو في مجلس الأمن على وجه الخصوص. ومعلوم أن الكونغرس رفض تعيينه أكثر من مرة، ولكن بوش أصرّ على ذلك وأضرّ بسمعة أميركا وموقفها أمام دول العالم الأخرى.

فالمدعو جون بولتون هو شخص أصولي متزمت ومتحجر عقليا ولولا ذلك لما رفض الكونغرس تعيينه. فالواقع أن شخصا مثله لا ينبغي أن يمثل أميركا لأنه يشوه سمعتها. ويرى الرئيس كارتر أن هذا الشخص (بولتون) ما هو إلا أحد أعراض ذلك المرض الأعم والأشمل الذي يصيب أميركا حاليا: أي المرض الناتج عن تدخل الأصولية البروتستانتية في السياسة الخارجية الأميركية.

إن إدارة بوش تشوه الدين والسياسة في آن معا إذ تخلط بينهما على هذا النحو. فالدين، بحسب وجهة نظر كارتر، ينبغي أن يظل منزها ومقدسا و متعاليا على السياسة ولا يلوث نفسه بمناوراتها وضروراتها وتلاعباتها.

الكتاب : قيمنا المهددة بالخطر الأزمة الأخلاقية لأميركا

الناشر سيمون وشوستر نيويورك 2005

الصفحات : 212 صفحة من القطع الكبير

Our Endangered Values

America's Moral Crisis

Jimmy Carter

Simon and Schuster- New York 2005

P. 212